مراكز التفكير

رقم العدد: 4427 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/11/2019 8:04:01 PM

 د. أثير ناظم الجاسور

" إن مراكز الفكر تشكل جسراً بين مختلف أشكال المعرفة والأفضل من بينها تسمح بتحليل المشاكل المعقدة بطريقة محورية من خلال دمج فروع علمية مختلفة".
" باسكال لامي"
مراكز الأبحاث أو مراكز الدراسات أو كما يعرفها الكثيرين بمراكز التفكير والتي تم الحديث عنها وعن مدى فاعليتها واهميتها في مختلف المجالات والتوجهات من خلال ما تقدمه من نصائح ودراسات وتوجيها تكون بمثابة النصح والارشاد لصانع القرار السياسي الذي بدور ومن خلال ما يتم تقديمه يستطيع توجيه باقي المجالات التي تدخل في صميم العمل السياسي والاقتصادي والعسكري وحتى الاجتماعي على اعتبارها تناقش القضايا الاساسية التي تدخل في صلب عمل صانع القرار، بالمحصلة فإن أغلب الدراسات والاستنتاجات التي تخرج من مراكز التفكير أو أندية التفكير كما يسميها الفرنسيون هي بالعادة تنشأ في البيئات الديمقراطية والليبرالية لما قد يفسح لها من مجال لحرية تناول الأفكار وطرحها، والبعض الآخر يرى إن هذه المراكز غير واضحة التوجه لا بل يذهب إلى الإشارة لها بالغموض في العمل تحديداً عندما يتم الحديث عن هوية هذه المراكز وتوجهاتها والغرض والمغزى من عملها على اعتبارها تستطيع التأثير على صانع القرار السياسي، بالمحصلة قد تثار مجموعة من الأسئلة حول الفكرة التي ساهمت في تشكيل هذه المراكز والفواعل التي تحركها والادوات التي يتم توظيفها لغرض ديمومة العمل، ومدى استقلاليتها وإذا ما كانت منحازة لهذا الطرف على حساب الآخر، وهل تقوم بدور الناصح أم تأخذ دور الخبير أم هي تقف على خط واحد من جماعات المصالح والضغط، لكن الأعم الأغلب من الآراء تعطي صورة واضحة عن عمل هذه المراكز بغض النظر عن انحيازها وحيادها على إنها تشارك صانع القرار في اتخاذ القرارات الرئيسة فيما يخص قضايا مهمة تخص النظام السياسي وديمومته، هذه المراكز لم تأخذ دورها المناسب في دول الشرق الاوسط ولا حتى في المنطقة العربية لاعتبارات السلطة ومركزية اتخاذ القرار السياسي التي تم حصرها بيد القائد او الحزب او المؤسسة الحاكمة، بالتالي أصبحت هذه المراكز عبارة عن ملتقيات فكرية لتبادل الآراء ومناقشة هذا الحدث أو ذاك وإصدار الدراسات والتقارير التي في الأعم الأغلب تصبح فيما بعد حبراً على ورق، بخلاف الدول الأوروبية والولايات المتحدة من حيث التعامل مع هذه المراكز التي تسهم في صنع واتخاذ القرار السياسي بعد التعاون مع المؤسسات المعنية بهذا الشأن او ذاك.
وقد تعمل هذه المراكز على ادارة الحروب الفكرية التي يعاني منها العالم اليوم خصوصاً وان حرب الاسلحة أو الأداة العسكرية بصورة عامة تراجعت كأداة من ادوات السياسة الخارجية، لتحل محلها الحربين الاقتصادية والفكرية والأخيرة أصبح أخطر وأكبر وقعاً على المجتمعات لما لها من تأثير على مزاج وسلوك المجتمعات التي باتت تتأثر بشكل واضح بالثقافات والتوجهات الفكرية الأخرى والتي تعد سلاحاً خطيراً بسبب حرب الأفكار الحاصلة في العالم، وهي أيضاً تستطيع أن تخلق صورة واضحة لصانع القرار عن قضايا أساسية اجتماعية كثيرة مثل تفشي البطالة والهجرة والجريمة وكل ما له علاقة بالقضايا التي تساهم في ضعف المجتمع هذا إلى جانب قضايا السياسة الخارجية، على اعتبار ان هذه المراكز تمتلك القدرة على التأثير على صانع القرار بالتالي هي تكون شريك اساسي بعملية اتخاذ القرار بكل ما يحتويه هذا القرار من اهداف وتوجهات.
على سبيل المثال لعبت هذه المراكز دوراً كبيراً في شن الحرب على العراق أو هي من رسمت الصور الواضحة عن مضار بقاء النظام العراقي السابق أو زواله بعد أن وضعت سيناريوهات جديدة ومختلفة عن الدور الامريكي والتهديد الذي قد تتعرض لها مصالحها في العالم، وهي ذاتها التي وضعت الدراسات والتقارير عن التنافس العالمي وكيفية التخلص من أي منافس للولايات المتحدة في العالم، وكيف تتعامل الأخيرة مع القضايا الدولية باستراتيجيات مختلفة من حيث أمن الطاقة وخطوط إمدادها وأمن الحلفاء تحديداً اسرائيل وأسلحة الدمار الشامل والتعامل مع الدول التي تحاول امتلاكها، وكان ذلك واضحاً منذ اليوم الأول للولاية الأولى لبوش الإبن الذي بات متأثراً بأفعال وأفكار أصدقائه في هذه المراكز التي اسهمت بشكل كبير على بلورة عقيدته واستراتيجياتها فيما بعد سواء في افغانستان أو في العراق.