إلهان عمر وهيفاء الأمين...

رقم العدد: 4427 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/11/2019 8:17:09 PM

 د. لاهاي عبد الحسين

تتلقى أول إمرأة مسلمة تحصل على عضوية مجلس النواب الأمريكي (الكونغرس) تدعى إلهان عمر وهي من مواليد 1981 تهديدات يومية بالقتل. وتشن ضدها حملات اعلامية مسيئة وبخاصة من قبل الإعلام اليميني المتطرف وزملائها من أعضاء الحزب الجمهوري إلى جانب عدد من أعضاء في الحزب الديموقراطي الذي تنتمي إليه بسبب خطابات وتصريحات نارية حول التعصب والتمييز ضد المواطنين المسلمين في الولايات المتحدة. 

تطعن إلهان في صلب النظام العقائدي للولايات المتحدة الذي يتمشدق بنظرها بالحرية والديموقراطية. وتذّكر بأنّ معاداة السامية ينبغي ألا تحجب معاداة الإسلام والمسلمين الذين يعاملون معاملة مواطنين من الدرجة الثانية ويعانون بسبب ذلك من العنف والكراهية وقلة التخصيصات الإتحادية لتطوير المدارس والنظام الصحي والإستثمار ومحاربة التشرد في مناطقهم. وصفت إلهان نفسها في مقابلة تلفزيونية بأنّها "أمل أميركا وكابوس الرئيس ترامب"، بعد تصريحات مضادة ودعوة من قبله لها لتقديم استقالتها، مستهزئة من تشكيكه بوطنيتها.
بالمقابل شنت حملات تسقيطية غاضبة شارك فيها عدد ممثل لكل الجماعات في العراق ضد النائبة هيفاء الأمين نتيجة انتشار مقطع مختصر عبرت فيه عن رأيها في أنّ "اللبنانيين متحضرون والجنوب العراقي متخلف بالمقارنة مع كردستان". شارك في هذه الحملات رجال ونساء، شيوعيون وغير شيوعيين، اسلاميون وغير اسلاميين. ولم يقف معها إلا قلة قليلة من الأشخاص والجماعات التي رأت أنّ الحملات ذهبت إلى أبعد مما يجب. وجرت جدالات ساخنة قدمت فيها مختلف التفسيرات لمفردة "تخلف"، شارك فيها سياسيون وإعلاميون بل وحملة شهادات عليا في مجال العلوم الإنسانية وغير الإنسانية. وما أنْ وصل الخبر إلى مجلس النواب العراقي حتى تزعمت إحدى زميلاتها، عالية نصيف، حملة لجمع تواقيع عدد من النواب بلغ (52) نائباً بينهم (18) نائبة سجلن 35% من مجموع الموقعين حسب وثيقة نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. طالبت الحملة بإقصائها من رئاسة لجنة المرأة النيابية وهي اللجنة الأضعف بحسب عدد النواب الراغبين بالعمل فيها بالمقارنة إلى لجان أخرى مثل لجنة الأمن والدفاع ولجنة الخدمات والإعمار ولجنة التربية، إلخ.
لم تكتف إلهان عمر كما فعلت هيفاء الأمين بحديث واحد في ندوة أشيع فيها فيديو لا يتجاوز الدقيقتان بل شنت حرباً خطابية ضروس على مدى أكثر من عامين منذ انتخابها عضوة في الكونغرس عام 2016. سفهت إلهان في حربها هذه سياسات الولايات المتحدة ضد مواطنيها من المسلمين واليهود والملونين. ودعت إلى الإهتمام بمعاناة "الفلسطينيين ممن لا يسمع لهم صوت" جراء السياسات الإسرائيلية، وطالبت بعدم التدخل في شؤون فنزويلا الداخلية. مواقف وأفكار تزعزع الثقة بكل ما درج عموم المواطنين الأميركان على التسليم به وفقاً لما تمليه عليهم المؤسسة السياسية الحاكمة في البلاد. وتعود إلهان عمر لتقول إنّ ما يزعج "محتلو الكونغرس"، في إشارة إزدراء إلى أعضاء مجلس النواب الأمريكي، أنْ تقف إمرأة لاجئة وسوداء ومهاجرة ومسلمة على قدم المساواة معهم. وعندما قيل لها تريثي قليلاً أجابت: لا وقت لدينا. لقد انتظرنا وطال الإنتظار".
لم تترك إلهان عمر وحيدة في خضم هذا الصراع المباشر وغير المسبوق من قبل عضو مجلس نواب على المؤسسة السياسية الأمريكية ومن داخلها. فقد تضامن معها عدد من المنظمات النسائية التي انتظمت في إتحاد القيادات للنساء الأمريكيات من أصل أفريقي ليعقدن مؤتمراً تحدثت به زميلتيها في مجلس النواب رشيدة طليب وهي محامية أمريكية مسلمة من أصل فلسطيني وألكسندريا أوكاسيا-كورتيز وهي ناشطة أمريكية من أصل لاتيني لدعمها، إلى جانب شخصيات نسائية أخرى. ويعتبر هذا التجمع التضامني الذي أقيم مؤخراً خصيصاً لهذا الغرض من أكبر التجمعات على المستوى القومي الإتحادي في الولايات المتحدة. وعندما تكلمت إلهان فقد أعادت التأكيد على سبق أنْ تكلمت عنه مشددة على أنّ "الولايات المتحدة لم تعد بلداً للبيض أو الأقلية الحاكمة بل لا بدّ أنْ تعود وتصلح من شأنها لتكون بلد الأكثرية الساحقة بلا تفرقة أو تمييز". وأكدت على مسؤوليتها تجاه الـ 780 ألف مواطن ممن تمثلهم كنائب في الكونغرس حسب الدستور وأنّها لهذا لا تقل شأناً عن بقية زملائها من النواب البالغ عددهم 428 نائباً. تعقد إلهان مؤتمرات دورية مع قاعدتها الإنتخابية لتقف على احتياجاتهم ومطالبهم ولكنها تصر على الإنطلاق من إعتبارات فكرية واسعة لتهيئة الظروف المناسبة للتغيير والإصلاح.
لم تفعل هيفاء الأمين ما فعلته إلهان عمر. فهي لم تتعرض لطائفية النظام ولم تتكلم عن الفساد المالي والإداري وعمليات بيع المناصب التي صارت على كل لسان بما في ذلك الكثير من أعضاء مجلس النواب العراقي ممن يقرون بها. ولم تقل شيئاً عن التحالفات الدولية الخطيرة التي تهدد العراق وتستهين بأمن مواطنيه. لم تتعرض إلى المقدسات والدين كما أشيع عنها ممن لم يطلعوا حقيقة على مضمون ما قالت. كل ما فعلته أنّها أطلقت توصيفاً سريعاً أخذ مجرداً من السياق الذي قيل فيه. بقيت هيفاء الأمين وحدها تدافع عن نفسها وتعتذر وتكرر الإعتذار للجميع بما في ذلك عدد من الأصدقاء المتعاطفين ممن عابوا عليها أنّها لم تكن مفوهة بالحديث وأنّها أتسمت بالضعف والإفتقار إلى الشخصية الكاريزمية. ولم تبادر أي من المنظمات النسائية التي يتجاوز عددها اليوم المائة في العراق ممن تنضوي تحت شبكة النساء العراقيات إلى استضافتها دعماً لها وتضامناً معها. بقيت هيفاء وحيدة لتصير رقتها في الحديث ضعف وتأملها افتقار للكاريزما. وأخضعت في المحاججة إلى الإجابة عن السؤال عما فعلت كنائبة لمعالجة المشاكل والإشكالات. وفات هؤلاء أنّها لا تملك عصا سحرية ولكنّها تعمل ضمن منظومة سياسية تتحمل مسؤولية تضامنية.
قدمت هذه التجربة التي مرت بها النائبة هيفاء الأمين عدداً من الدروس يتعلق بعضها بها شخصياً وبخبرتها وثقافتها وشجاعتها الأدبية فيما يتعلق البعض الآخر بالمجتمع ككل. إذا ما بدأنا من الأخير فقد ظهر واضحاً أنّ ردود الفعل السلبية وسرعة إنتشار التفسيرات الخاطئة والمشوهة ترتبط بمشاعر واسعة من خيبة الأمل والإحباط الشعبي من الأداء السياسي لأعضاء مجلس النواب العراقي ممن وجدوا فيها هدفاً سهلاً. من الناحية الأخرى، ظهر الخلل واضحاً بعموم المؤسسة السياسية بما في ذلك زملاؤها ورفاقها في الحزب الشيوعي العراقي ممن سمحوا للرهط بأنْ يقودهم بدل أنْ يتسموا بالثبات والإستقرار ليقودوه. لعل هذه واحدة من النتائج المتوقعة لحزب ينشغل بنشاطات شعبوية يذّكر الناس فيها بمجده السالف القديم ولا يهتم بما يكفي بتثقيف وإعادة تطوير الإمكانات الفكرية للمشتغلين في صفوفه. فقد صدرت بيانات وأطلقت تعليقات وأعطيت تصريحات تحمل النائبة تبعة ما تكلمت به مع التسليم بخطأها تحت عنوان "خانها التعبير". وكان هناك تلك الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين عبروا عن مواقف أخلاقية قيمية من حملة الشهادات العليا ممن سلطوا الضوء على مقدار الفشل الذي منيت به المؤسسة الأكاديمية في العراق والتي أنتجت كما يظهر أشخاصاً ينجرفون بسهولة مع مطلقي الأحكام السريعة بل والمقصودة لدواعي سياسية ألبس بعضها لباس الدين والمقدس بعيداً عن الموضوعية والحيادية والتريث الذي يتطلبه العمل العلمي، عادة.
من ناحيتها، كان يمكن للنائبة هيفاء الأمين أنْ تصر على ما قالت مع توضيح دون الخوض في موضوعات جانبية كما فعلت في لقاء تلفزيوني على قناة السومرية أستشهدت فيه بأنّ زوجها "سيد ابن رسول الله" وأنّ أولادها "سادة" وبناتها "علويات". فلو كان لديها وضوح فكري كافي لصار ممكناً احتواء كل هذه الضجة والرد بهدوء على من طالبها بالعلاج والإصلاح من حيث أنّ العلاج والإصلاح في بلد مثل العراق يتطلب ثورة حقيقية على الأسس غير الديموقراطية وغير الليبرالية للنظام السياسي القائم التي جعلت مما يسمى بالموازنة أو التوافق أو المحاصصة عقبات كأداء بإتجاه اي إصلاح محتمل. كان يمكن إشراك المواطنين وعدم الإكتفاء برد الحملة الغاضبة والخروج منها بسلام. أما زميلاتها ومنهن إثنتان من عضوات لجنة المرأة النيابية ممن وقعن على إقصائها من رئاسة اللجنة فلها معهن حديث. لم تندفع هؤلاء النائبات للضغط على رؤساء الكتل والجماعات أو رئاسة مجلس النواب لتسريع تشريع قانون مناهضة العنف الأسري ولم يبذلن جهداً لإقناع زملائهن من النواب لتعزيز جهودهن في هذا المجال ولم يغادرن قاعة اجتماعات المجلس للاجتماع بقواعدهن الإنتخابية ليعطين مثلاً في العمل النيابي الجاد والمسؤول. بيد أنّهن اندفعن مع المندفعين لمعاداة زميلة من زميلاتهن. وغير هذا الكثير مما رشح عن هذه التجربة الفتية في طريق العمل السياسي لنساء ورجال وجدوا أنفسهم على قمة الهرم السياسي دون استعدادات كافية.