العمود الثامن: ماذا فعلت الدراما بـ " فوكوياما "

اسم الكاتب: علي حسين رقم العدد: 4427 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/11/2019 10:17:16 PM

 علي حسين

عندما تقدم الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين إلى التلفزيون لم يكن يحلم في أن يصبح النجم الأول، فقد كانت النجومية تعني خشونة في الصوت ووسامة وشباباً، لكن صاحبنا، الذي جاء إلى التمثيل من كلية الآداب، كان أقرب إلى وجوه موظفي الحكومة، لا وسامة ولا فذلكات تراجيدية ، إلا أن الممثل الباسم أذهل المشاهد بتلقائيته التي كانت تخفي وراءها طاقة تمثيلية هائلة، فقد قرر أن يكون سليم البصري لاغير. لا أقل قليلاً ولا أكثر، وقرر أيضاً أن ينسينا، نحن المتفرجين، أننا نجلس أمام التلفزيون، فأخذنا لنجلس معه، يتحدث فننصت إليه، يحرك يده فتذهب أنظارنا باتجاهها، يضحك فتنطلق ضحكاتنا مجلجلة، ينهض فنستعدّ للذهاب معه.
تذكرت سحر سليم البصري وأنا أشاهد سباقاً لاهثاً من دراما وحوارات سياسية مضحكة ينافس أبطالها نجوم الكوميديا، وقفشات تتسابق لتنال موقعاً على واجهة الشاشات الفضائية، من أجل أن تصيب المشاهد بتخمة تتوازى مع تخمة الموائد في رمضان، مع فقر في الخدمات وشارع يعج بالعاطلين ، في الوقت الذي مايزال البرلمان حائراً في تكنوقراط الداخلية والدفاع، بينما تنشغل الأجهزة الأمنية بوضع لافتات كبيرة تحذر فيها من الإفطار العلني، مثلما يحذر رئيس مجلس محافظة بغداد السابق معين الكاظمي القوات الأميركية داخل وخارج العراق بانها تحت مرمى أسلحته الثقيلة والخفيفة. أليست هذه دراما أغنى من فصلية "هوى بغداد" التي عرفنا أنها تتمتع بكل الامتيازات وتعيش معزّزة مكرّمة بعد أن يتم تزويجها بالغصب. أراد السيد فوكوياما، الذي تم حشره في مسلسل "الفندق"، أن يخبرنا أنّ عصر الآيديولوجيات قد انتهى، وأننا سنعيش في ظلّ نظام لبيرالي في السياسة والاقتصاد، وأن الليبرالية هي تتويج للتطور الطبيعي للبشر، ولم يدر بخلد السيد فوكوياما أن الديمقراطية في العراق تسمح لنائب لم يحصل على خمسمئة صوت أن ينام على أنفاسنا أربع سنوات، ثم يتقاضى ثمن نومه راتباً تقاعدياً بالعملة الصعبة، مثلما لم يدر بخلده أن صنّاع مسلسل "الفندق" سيحولون كتابه الشهير "نهاية التاريخ" الى ملف بحجم ملفات الفساد في العراق، وفاتهم أن الكتاب يباع بعشرة آلاف دينارعراقي في مكتبات المتنبي.
أرجو ألا يظن أحد أنني أسخرُ من الدراما العراقية، او اصر على التعريض بساستنا " الافاضل"، فما يجري هو تجاوز فــن السخرية بمراحل كبيرة، لكنني أحاول القول: إن لا شيء يحمي الشعوب من الدخول في جُبِّ الكوميديا الفاشلة سوى ساسة يؤمنون يتحملون مسؤولياتهم في الصح وفي الخطأ .
يوصي العبقري لورنس أوليفيه أحد الممثلين الشباب قائلا : "حتى أبسط الأشياء التي يستطيع كثير من الممثلين القيام بها تحتاج إلى موهبة حقيقية."