لماذا فسدت جامعات العالم؟

رقم العدد: 4428 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/12/2019 8:06:44 PM

محمد عارف

جامعات النخبة الأميركية العالمية، «ييل»، و«ستانفورد»، و«ساوث كاليفورنيا»، و«ويك فوريست»، و«جورجتاون»، متورطة في عمليات تلقي رشاوى عن قبول الطلاب. «لوري لوغلن» نجمة هوليوود، وزوجها مصمم الأزياء «موسيمو غيانولي» و16 من الأزواج الآخرين، متهمون بالحصول على قبول لأبنائهم، وغسل الأموال لإدخالهم في جامعات النخبة. ونجمة هوليوود وزوجها متهمان بتقديم نصف مليون دولار رشوة إلى «كين سنغر» استشاري القبول في جامعة «ساوث كاليفورنيا» لإدخال ابنتيها، وذلك عن طريق ضمهما لفريق تجديف الزوارق. وكشفت «وكالة التحقيقات الفيدرالية» عن شبكة يديرها «كين سنغر» في ولايات عدة، دفع لها الآباء الأثرياء 25 مليون دولار لتأمين قبول أبنائهم في جامعات النخبة. وتواطأ في ذلك مسؤولو امتحانات القبول، والتي أجريت في مدارس خاصة، حيث يُعدِّلُ مدرسوها الأجوبة لقاء 10 آلاف دولار، عن كل طالب، مدّعين بأن الطلاب المتقدمين للقبول معوقون، أو تُزوّر لهم مؤهلات رياضية، ومعظم الكليات والجامعات الأميركية تجند طلاباً يملكون قدرات رياضية.
ويتجاوز حجم ونوعية فساد الجامعات هذه الحالات الفردية، فالاستقصاءات كشفت عن فساد مُنظم في جامعات أستراليا، وكندا، وبريطانيا، واليابان وسلوفاكيا.. حيث المحاباة في قبول الطلاب، وتقديم شهادات أكاديمية مزورة، وأطروحات دكتوراه منتحلة، تُعدّها حوانيت تُدعى "طواحين الشهادات" .
إنه «عصر الفساد الأكاديمي»، حسب عنوان تقرير «دامتيو تيفيرا» الأستاذ في جامعة «كوازولو ناتال» بجنوب أفريقيا، والذي يذكر فيه أشكالاً عدة لسوء التصرف الأكاديمي، كالمحاباة، وفساد التوظيف، والقبول، والغش في الامتحانات، وتزوير الوثائق، والتحيز في تقدير الدرجات، والرشوة، والتواطؤ، والانتهاكات الأخلاقية. "ومع مرور الوقت تضاعفت هذه التصرفات السيئة حدّ تهديد أسس الصرح الجامعي، والمجتمعي عموماً. ومخاطر ذلك في تخريج رعيل مريب من أطباء، وطيارين، ومهندسين ومحاسبين. وفاقمت المشكلة تكنولوجيا حفظ المعلومات، والساعات الذكية، وكاميرات التصوير المجهرية المثبتة في النظارات، المستخدمة في الغش والاحتيال على نطاق واسع" .
وتثير الجزع وقاحة مرتكبي هذه الأفعال، حتى عندما يتم ضبطهم متلبسين، حسب «فيليب ألتباش» أستاذ «كلية بوسطن» بالولايات المتحدة، الذي ذكر أن الاحتيال تأسس في بعض أجزاء الهند إلى حدّ أن الطلاب هناك يعتبرون أنه «يحق» لهم الغش. واضطرت «جامعة دلهي» إلى وضع أجهزة كبح الهواتف في قاعات الامتحان لمنع الغش. وذكر «ألتباش» أن التحقيقات في جامعة جنوب «نيجيريا» كشفت أن الغش في الامتحانات والاحتيال في الشهادات الجامعية أصبح "بيزنساً كبيراً" .
وينفرد الباحث الأميركي في التعليم العالي العالمي «بول شولمان» بالتأكيد على أن ما يسميها «الأكاديمية الرأسمالية» هي المشكلة، وليست الحل. ويقارن ذلك بالدعوة لإدخال السلاح في المدارس الأميركية لمكافحة العنف، فيما السلاح مسؤول عن قتل 40 ألف شخص سنوياً. وقد أوقفت «الرأسمالية الأكاديمية»، إنفاق الدولة على التعليم العالي، واستبدلته بقروض خاصة للطلاب، تجاوزت تريليون و500 مليار دولار.
وتكشف "الأكاديمية الرأسمالية" أبشع وجه لها في نهب الكفاءات والعقول..«أليس لوحوش الغاب شقيقات وأشقاء؟» عبارة الشاعر «وليام شكسبير» افتتحت بها مقالتي المنشورة هنا في الشهر التالي لاحتلال العراق عام 2003، وعنوانها «مغتربون عراقيون يسرقون بلدهم مرتين». وفيها: «الوحوش تأنف عن قتل أشقائها ونهب طعامهم وتدمير موطنهم، وقد رفض حتى العراقيون المتعاونون مع الاحتلال الأميركي التعامل مع هؤلاء الأفاقين الذين سرقوا البلد مرتين: سرقوه أولاً حين كرّسوا كفاءاتهم، التي كلفت العراق ملايين الدولارات لخدمة أعداء بلادهم، وجاؤوا اليوم على دبابات الاحتلال لانتزاع لقمة خبز العراقيين وسرقة ثرواتهم الطبيعية وتدمير مصانعهم ومزارعهم ونهب كنوزهم الحضارية». وتنتهي المقالة بمقطع من أغنية كاظم الساهر لآلاف المغتربين العراقيين في الولايات المتحدة قبيل الاحتلال: "تذكرْ كلما صلّيت ليلا، ملاييناً تلوكُ الصخرَ خبزاً، على جسر الجراح مشت، وتمشي، وتلبس جلدها وتموت عزاً.. تذكرْ قبل أن تغفو على الوسادة، كيف ينام الليل من سرقوا بلاده" .