داود أوغلو يوجّه رسالة مطوّلة لـ"العدالة والتنمية " يحمّل فيها أردوغان مسؤولية أزمات تركيا

رقم العدد: 4428 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/12/2019 8:19:12 PM

وجّه رئيس وزراء تركيا الأسبق، أحمد داود أوغلو، انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية الحاكم وألقى باللوم في أداء الحزب الضعيف في الانتخابات المحلية الأخيرة الشهر الماضي، على تغيير السياسات والتحالف مع القوميين.وكنا قد نشرنا القسم الأول من الرسالة .. وفيما يلي القسم الثاني والأخير

|  القسم الثاني   |

نص الرسالة
إن العنصر الرئيس من أجل استقرار الشعوب، وبقاء الدول وأنظمة المجتمعات، هو الوعي المشترك. الحقيقة الأساسية التي ينبغي علينا جميعاً تذكّرها في كل لحظة: الجمهورية التركية هي إرث الإرادة المشتركة والصمود لـ 82 مليون مواطن. وبالتالي، يجب ألا يتعرّض لخطاب الكراهية بأي شكل من الأشكال أي شخص يحمل هوية الجمهورية التركية التي تُوّجت بالكرامة الإنسانية، سواء من قبل صاحب منصب أو نفوذ، وألا يتعرض للتمييز بسبب عقيدته، وجنسه، ومعتقداته، ولغته، وعرقه، وفكره السياسي، ومفهومه الفلسفي ونمط حياته.
الفضيلة الأولى والأساس الأول للنظام الاجتماعي القائم على هذا الوعي المشترك، هي العدالة. إن أي نظام قانوني لا يستند إلى مفهوم عدالة سليمة، وإلى كافة الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تضمن حياة الإنسان، وعقله، ومعتقداته، ونسله وملكه، سيكون معرّضاً لكافة التدخلات الداخلية والخارجية، ولكافة الاعتداءات والفوضى. القانون ليس مكاناً ومجالاً لاحتكار القوة، بل مجال لممارسة الرقابة على القوة ونقلها إلى المجال الأخلاقي. مساعي السيطرة على القضاء، تحت أي مبرر ومن من قبل أيّ كان، يجب أن تُعامل كجريمة كبرى.
القوة التي واجهت ليلة 15 تموز، تلك المحاولة الانقلابية الخائنة التي استهدفت مستقبل بلادنا وشعبنا في الماضي القريب، هي قوة الكرامة التي أظهرناها مع شعبنا، الوسيلة التي ستحوّل هذه المقاومة إلى نصر نهائي هي العمل الصحيح لترسيخ ميزان العدالة خلال عملية التقاضي. لذا فإن القاضي خلال إصدار حكمه، والنائب العام خلال تحضير محضر الادعاء، يجب ألا يحمل هماً سوى ماهية الدعوى والعدالة والنهائية، ويجب ألا يتعرّض لأي تدخل أو توجيه.
إن انتهاج معايير مختلفة تجاه أشخاص مختلفين في المكافحة التي يجب القيام بها دون تنازلات ضد منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية، تلحق الضرر بهذه المكافحة. ويجب في هذا الصدد حماية مبدأ “شخصية العقوبة” بدقة لكونه المبدأ الأساس للقانون.
هناك علامات استفهام تظهر لدى الضمير العام في مسألة مكافحة منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية عندما يتم فصل موظف من المستويات المنخفضة من العمل بسبب علاقة أحد أقربائه بمستوى متدنٍ أيضاً مع المنظمة، بينما لا يكون هناك حرج في تسليم أرفع المناصب في الدولة لأشخاص درسوا في مدارس المنظمة ولديهم أخوة أو أقارب يشغلون مناصب مهمة في المنظمة وكان لهم دور في عملية الانقلاب.
إن حاجة تركيا إلى دستور مدني وديمقراطي وشامل أصبحت أكثر من أي وقت مضى. وكنت قد طرحت على رئيسنا بشكل خطي ولفظي هواجسي ومقترحاتي حول حزمة البرلمان فوراً. ولكن للأسف، ما شهدناه في الفترة الماضية برّر مخاوفي، على أن أقول متأسفًا إن نموذج النظام الجديد لا يلبي تطلعات أمتنا سواء من حيث أسلوب الهيكلة أو التنفيذ. وفي هذا الجانب، نحتاج إلى إجراء مراجعة جادة وصادقة حول مسألة تغيير النظام.
النقطة الأولى التي يجب أن نبدأ بها في هذه المراجعة هي مسألة وجود وحماية سيادة القانون التي تعتمد على إعادة بناء مبدأ الفصل بين السلطات. شهدت تركيا أزمات في الإدارة بسبب القيادة المزدوجة في السلطة التنفيذية والتي نجمت عن دستور 12 أيلول. قام النظام الجديد بحل هذه المشكلة، لكنه أضرّ بمبدأ فصل السلطات عن طريق هيمنة التنفيذ على التشريع والقضاء، وعطّل آليات التوازن والرقابة.
من أجل ضمان الفصل بين السلطات، يجب إعطاء السلطة التشريعية استقلالية تحقق التوازن أمام السلطتين التنفيذية والقضائية. في هذا السياق، يجب تعزيز سلطة التمثيل لجميع النواب وتعزيز فعاليتهم في العملية التشريعية من خلال مراجعة النظام الانتخابي وقانون الأحزاب السياسية.
هناك مسألة أخرى نحتاج إلى معالجتها في إطار هذه المراجعة وهي مسألة إعادة تنظيم بنية الدولة. تستمد الدولة استمراريتها على مر التاريخ من خلال الممارسات المعمول بها والمؤسسات العاملة. إعادة تنظيم هذه الممارسات والمؤسسات وفقًا للظروف المتغيرة، أمر ضروري لمجاراة التدفق الطبيعي للتاريخ. في عملية إعادة التنظيم هذه، يجب حماية توازن “الاستمرارية – التغيير” بعناية. تأخير التغيير الضروري عن طريق تعطيل هذا التوازن لصالح الاستمرارية، يؤدي إلى ظهور “ستاتسكو” وجمود، بينما يؤدي تعطيل التوازن لصالح التغيير إلى تحول بنية الدولة الى لوحة “اكتب – امسح”، ويضعف استمرارية الدولة.
يجب التخلي عن التعصب المؤسسي القائم على الوضع الراهن من خلال إعادة تنظيم الدولة، ولكن مع حماية الثقافة والذاكرة المؤسساتية بعناية. يجب أن يتم هذا التنظيم بحكمة تأخذ في الاعتبار تراكم الخبرة للدولة ومتطلبات الزمن وتفعّل العقل المشترك، وليس عبر القرارات الظرفية والتعسفية والمفاجئة.
في هذا السياق، تتمثل إحدى أهم سمات بنية دولتنا، في تمثيل منصب الرئاسة للمجتمع بأسره واحتضان جميع الشرائح. إن منع الصراع بين النظام الرئاسي التقليدي لدينا والقائم على احتضان جميع الشرائح وبين النظام الرئاسي القائم على أساس الهوية الحزبية، يُعد من أكثر القضايا الحساسة التي نحتاج إلى أخذها في الاعتبار عند الانتقال من النظام البرلماني الذي أخلّ بطبيعته دستور 12 أيلول، لصالح النظام الرئاسي. الانتماء الحزبي للرئيس لا يعد مشكلة كما يلاحظ في الأنظمة الرئاسية الديمقراطية، ولكن تولّي نفس الشخص لمنصب الرئاسة العامة للحزب أيضاً يشكّل عيوباً من حيث عمل الدولة وإضفاءً للطابع المؤسسي على الحزب. خوض الرئيس كطرفٍ في الصفوف الأولى في الانتخابات، وفي الجدل السياسي الكثيف والشديد في أغلب الأحيان والذي يتطلبه المناخ الانتخابي، يؤدي إلى ابتعاد مؤسسة الرئاسة نفسياً عن نصف المجتمع على الأقل، في الوقت الذي يجب أنْ تكون فيه على مسافة واحدة من كافة شرائح المجتمع وفق تقاليدنا في مسألة الدولة.
في هذا الصدد، يجب إعادة تقييم نظام الرئاسة المرتبطة بالحزب باعتباره واحداً من أهم العناصر الأساسية للنظام الجديد، بشكل مستقل عن شخصية رئيسنا، وإزالة العيوب الناجمة عن إدارة منصبي الرئاسة والرئاسة العامة للحزب في نفس الوقت.
يجب أن يتم توضيح قضايا مثل إعادة تعريف التواصل الأفقي المؤسسي والعلاقات الهرمية العمودية في مراسم الدولة، وتوضيح دور الوزارات في النظام التي تبدو محاصرة بين ما تفرضه الهوية والوظائف السياسية/التكنوقراطية، وتحديد موقف المجالس السياسية المنشأة حديثًاً في هيكل الدولة. فلا يمكن لهيكل دولة ما أن يكون دائماً إذا لم يتمتع بتصور كلي، وآلية عملية انسيابية.
من الواضح أن بلدنا يواجه اختبارات أمنية غير قابلة للمقارنة مع أي بلد آخر؛ وذلك بسبب المنطقة الجغرافية التي يقع بها. وجيشنا الذي يشكل أقوى عنصر مقاومة حيال هذه التحديات، تجاوز في 15 تموز 2016 صدمة هي الأعمق من نوعها التي من الممكن أن يواجهها أي جيش آخر، واستطاع أن يعود إلى نظامه الداخلي، بشكل فاق كافة أشكال التوقع. إن التحول الأساس الذي يتعين حدوثه حتى تتجنب بلدنا وأمتنا التعرض لأية محاولات انقلابية أخرى، هو إضفاء الصبغة الديمقراطية على العلاقة بين الجيش والسياسة، وجعل الإرادة السياسية المدنية مؤثرة وحاسمة لأقصى درجة على كافة أشكال آليات البيروقراطية. وفي سياق المخاطر الأمنية التي نواجهها، يجب أن تتواصل وبدون انقطاع العمليات ضد تنظيم “فتح الله غولن” الإرهابي التي أطلقناها عقب المحاولة الانقلابية في 15 تموز 2016، وعقب المؤامرات التي وقعت خلال الفترة من 17 إلى 25 كانون الأول 2013، وتتواصل كذلك عملياتنا ضد تنظيمات “بي كا كا”، و”داعش”، و”حزب التحرر الشعبي الثوري(DHKP-C)، الإرهابية.
غير إنه من الأهمية بمكان، أن يتم خلال هذه العمليات إيلاء أهمية كبيرة للمقاييس الحساسة للتوازن بين الحرية والأمن، بحيث نضمن أن القطاعات الشعبية العريضة لديها تفهم لهذه العمليات. إن وسم الآراء الفكرية المختلفة بالإرهاب، واعتبار الاختلافات السياسية ضرباً من الخيانة، أمرٌ يضر في المقام الأول بوحدتنا الوطنية، كما أن استمرار التصور القائل بأن البلاد تعيش أزمة، أمر آخر من شأنه أن يوجه ضربة كبيرة للديمقراطية، والحياة السياسية، والحياة الاقتصادية.
إنه لمن غير المقبول أن تتحول المخاوف الأمنية إلى حالة يتم معها القيام بعد الانتخابات المحلية الأخيرة بسلب حق دستوري -كالتصويت والترشح للانتخابات-، من أيدي أولئك الذين فصِلوا من وظائفهم العامة إبان حالة الطوارئ دون أن يكون هناك قرار من المحكمة. وأنا حتى لا أريد التفكير فيما يمكن أن تُسفر عنه مزاجية كهذه على المدى الطويل، تصدر قرارات إدارية، وممارسات خاطئة. فالدستور نص أساسي للجميع، لا يمكن تفسيره بشكل مزاجي.
ومن ثم فإن توسيع مجال الحرية في أسرع وقت ممكن، بات شرطًا أساسياً لإعادة بناء ثقتنا بأنفسنا التي نعتز بامتلاكها، والأهم من ذلك كله، هو إعادة بناء ثقتنا في بعضنا البعض. فالصحافي، والأكاديمي، وقادة الرأي، والسياسي، وأي شخص كان ممن يعبر عن أفكاره، لا يجب أن يقابل بتهديدات بالفصل من عمله، أو بالتشهير، أو أن يصبح ضحية وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تتم إهانته. يجب حماية الحق في الانتقاد والتعبير عن الأفكار، حتى أبعد مدى ممكن.
أما الصحافة التي توصف في الديمقراطيات المتقدمة على أنها السلطة الرابعة، والتي تعتبر في الوقت ذاته العنصر الأساس للفكر الحر، والنقد، فقد باتت وسيلة للدعاية التي تدار من قبل مصدر واحد. الحرية الصحفية الحقيقية هي الجهاز المناعي لديمقراطيتنا. ومن ثم فإن تدميرها، والتوجه إلى احتكار الصحافة بأساليب قمعية وغير قانونية، لأمر من شأنه تضييق القدرة العقلية لتركيا.
وفي هذا الإطار، يتعين إقامة نوع جديد من التوازن بين الحرية والأمن تتسع فيه مجالات الحرية دون أن نفقد مكتسباتنا في الجانب الأمني.
قوة المجتمع المدني تتجلى في الضمائر العميقة وليس في البنايات الشاهقة. والديمقراطية التعددية تتحقق في أجواء يؤثر فيها المجتمع المدني في المؤسسة السياسية من خلال أساليب مشروعة، وبشكل شفاف، ويراقب فيها المجتمع ذاته الإدارة العامة. ولعل سعي كيانات سرية مثل تنظيم “فتح الله غولن” الإرهابي، لفرض الوصاية على السياسة بهدف السيطرة على قوة الدولة بشكل غير مشروع، وجعل الدولة وسيلة للسيطرة على المجتمع المدني، لأمر ألحق ضرراً بالديمقراطية. وإن دمج المجتمع المدني في الدولة، والوصول لحالة لا يمكن معها التعبير عن الآراء حول المخاوف المختلفة، أدى إلى تدمير روح وضمير المجتمع المدني.
والعامل الرئيس لإعادة اكتساب السياسة اعتبارها لدى المجتمع، هو التركيز على المسار الذي قمنا به تحت شعار “الياءات الثلاثة” (المحظورات، والفساد، والفقر) الذي كان يعتبر أحد أهم الشعارات التي أضفاها حزبنا على أدبيات السياسة. ومن ثم يبدو إنه بدون إجراء مراجعة صادقة لمعرفة أين نقف بخصوص هذه الموضوعات الثلاثة، سيكون من الصعب للغاية إعادة الاعتبار للسياسة مرة ثانية، ومن الصعب منح ثقة جديدة للمجتمع. الشرط الذي يحمل أولوية قصوى لتكون هناك فعالية في إدارة الدولة، هو أخذ عنصري الكفاءة والجدارة بعين الإعتبار عندما يتعلق الأمر بالسياسة، والإدارة العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن انتشار المحسوبية، والقرابة في الإدارة العامة، هما السبب الأهم، والمؤشر الصادم لجميع أشكال الفساد وتسمم السلطة. إن الطبيعة الواسعة لهذا الفساد تجعل من المستحيل على آليات الرقابة المنطقية أن تعمل. من أجل الأداء الرشيد للمؤسسة السياسية والبيروقراطية، ينبغي عدم إدراج من تربطهم علاقات قرابة وثيقة في التسلسل الهرمي الأعلى لإدارة الدولة، وينبغي تجنب التركيز على منشأ الموظفين ومنطقتهم ومدينتهم، وينبغي تحديد التعيينات الاستثنائية بوضوح وشفافية.
من ناحية أخرى، فإن عكس العلاقات الأسرية -التي تحتاج إلى البقاء في المجال الخاص - في المجالين العام والرسمي يضر بالحياة الأسرية ويؤدي إلى ظهور علاقات تتجاوز مجال المسؤولية القانونية. ولا ينبغي أن يتمتع أفراد عائلات السياسيين والمسؤولين الحكوميين بميزة خاصة للاستفادة من مرافق الدولة، ولا ينبغي أن يتعرضوا للنقد العدواني.
الحل الأكثر دقة لجميع هذه القضايا المتعلقة بالأخلاقيات السياسية هو أن يهيمن مبدأ الشفافية على كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية. بالإضافة إلى كونها مبدأ أخلاقياً، فإن الشفافية هي أيضاً الوسيلة الأساسية لمنع أي نوع من مبادرة الوصاية كجماعة “فتح الله غولن الإرهابية، وغيرها. إن العامل الأكثر أهمية الذي سيمنع أي محاولة انقلاب لأي غرض، هو جعل الشفافية مهيمنة على كافة جوانب الحياة، بداية من المجتمع المدني إلى مؤسسات الدولة، ومن هياكل الشركات إلى المنظمات الخيرية، ومن وسائل الإعلام التقليدية إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن جانب آخر، ينبغي بشكل عاجل مجابهة أشكال الدعاية السائدة في الرأي العام حول أشكال معينة للفساد، مثل طرح مناقصات القطاع العام بدون تبليغ عام، وظهور استثناءات في المناقصات تتجاوز كامل قانون المناقصات، وتنفيذ مشاريع معينة بميزانية الدولة من قبل الأشخاص أنفسهم في كل مرة.
وفي هذا الإطار ينبغي سنّ قوانين عاجلة تعزز مبادئ الشفافية والأخلاق السياسية، تشمل مراقبة شفافية لمصادر القطاع العام، وعدم استخدام مصادر القطاع العام في المصالح الشخصية. وعدم وجود تقاطع بين مهام الأشخاص الذين يؤدون مهام رسمية في الدولة وبين استثماراتهم الاقتصادية في حياتهم الخاصة، وبهذا ينبغي تعريف قواعد الأخلاق السياسية وترسيخها في القوانين والتعاملات، فمن شأن ذلك عدم تركها للاجتهاد الخاص للأشخاص حيال الأخلاق وتوصيفاتهم لها.
ومن أهم الأمور التي تكمن وراء وجود التفاف على المستوى الشعبي حول حزب العدالة والتنمية، هي النجاحات على صعيد السياسة الاقتصادية. عندما جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، كان الاقتصاد قد شهد أزمات متتابعة خيبت آمال الناس، وعندها كان مستوى الناتج القومي للفرد قد تراجع للمستوى المسجل قبل 10 سنوات، إن تحركات تركيا كانت مكبلة ابتداء من السياسة الخارجية ووصولاً إلى تحقيق الأمن.
إن إعادة إحياء مشاعر الثقة كانت من أهم العوامل الكامنة وراء النجاح الاقتصادي الواضح للجميع، ومع الأسف نحن نرى أن مستوى الثقة هذا تراجع اليوم إلى مستوى أدنى من المستويات التي حققناها في الماضي، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك هو تراجع الناتج القومي للفرد بالدولار الأميركي عام 2018 إلى ما دون مستوى ناتج الفرد في عام 2007، إن إنكار حقيقة الأزمة الاقتصادية التي يحس بها كافة شرائح المجتمع، لن تؤدي إلا إلى زعزعة الثقة بالحكومة. لن نستطيع إدارة الأزمة بإنكار وجودها.
ثمة أزمة إدارة تكمن في أساس الأزمة الاقتصادية التي نعيشها. إنّ القرارات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية بعيدة عن المعطيات الحقيقية، إن كانت الإجراءات المتخذة بخصوص السياسات الاقتصادية تتنافى مع إجراءات السوق وعلم الاقتصاد، وإن ساد مفهوم في الرأي العام يقول إنّ هذه الإجراءات اتخذت بشكل كيفي ولها طابع جهوي، فإن الثقة بالحكومة ستتراجع. لا يمكن إعادة ملف الاقتصاد لوضعه الصحيح من جديد دون إعادة تأسيس الثقة، من أجل منح الثقة للشعب يجب تحقيق الثقة بالنفس في الحكومة ذاتها. والثقة بالنفس ينبغي تحقيقها بالمعلومات والخبرة والقيام بما يلزم، في حال وجود شخص غير مسلح بالتجربة والمعلومات، ومدفوع بقرابة شخصية، وثقة بالنفس مبالغ فيها، سيبقى التصور بعيداً عن الواقعية.
إن انتهاج لغة الأمر والاتهام بحق الشرائح التي تعاني في الأصل، وممارسة الضغط على التوازنات القائمة داخل السوق والعمل على تحقيقها رغماً عن السوق نفسه، من أجل إنقاذ الواقع الراهن، ليس إلا طريقاً مسدوداً يؤدي إلى تنفير المستثمرين الدوليين. النزاع وعدم الاستقرار ليسا ما ينتظره مواطنونا من الإدارة الاقتصادية، وإنما يُتوقع حماية المشاريع ومستوى رفاه المواطن. إن تحقيق العدالة وسيادة القانون بما لا يدعو للشك، هو الشرط الأساس من أجل تحقيق النجاح الاقتصادي. إنّ أجواء التنافس الاقتصادي والاستثمار المنظم لا يمكن تحقيقها إلا باكتساب القدرة على التنبؤ، وتطبيق القوانين على الجميع بشكل عادل، وضمان حق التملك. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا ببقاء القضاء مستقلاَ وذا سيادة، وسريعاً وفعالاً، وأهم شيء أنّ هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا في دولة تنسجم قوانينها مع القوانين العالمية.
إن الفلسفة الاقتصادية لحزبنا منذ نشأته تقوم على اقتصاد السوق الحر، في اقتصاد السوق الحر، الدولة كيان لا يتدخل بشكل مباشر وكيفي، والأسعار فيه تحدد وفق العرض والطلب. إنّ القرارات المتخذة في الآونة الأخيرة بعيدة كل البعد عن مبادئ السوق الحر، إن إدارة الدولة لاقتصاد السوق يقتصر على كونها موضوعية ووضع القواعد العامة وتجربة فعاليتها. الرقابة يجب أن تكون مستقلة وحيادية وقائمة على المبادئ الموضوعية، وينبغي ألا تخضع لأي ضغوط أو تهديدات. وفي هذا الإطار التدخل المباشر في سياسات القروض البنكية ومدخراتها لن ينجم عنه أي حل.
ومن أهم العناصر في قصة النجاح الاقتصادي لحزب العدالة والتنمية هي تحقيقه في ما مضى للمأسسة في الاقتصاد. في الآونة الأخير شهدت التكليفات الوظيفية في مؤسسات الدولة ترجيح جوانب أخرى بعيدة عن مقاييس الكفاءة واللباقة، إن الإجراءات الكيفية التي شهدتها مؤسسات القطاع العام، أدت لمحو ثقافة المؤسساتية بحد ذاتها، وتسببت بضرر كبير للمأسسة.
إنّ إدارة المال العام أمانة الشعب بيد الفريق الذي يدير الدولة، للأسف في الآونة الأخيرة بتنا نشاهد مفهوماً سائداً عند الرأي العام للمجتمع، مبنى على إسراف من قبل المسؤولين الحكوميين والتباهي، وجاء ذلك مع الإجراءات الأخيرة للحكومة. ومن جانب آخر ودون الحديث عن سعر الفائدة، إن الزيادة في حجم الإنفاق المسجل وما نجم عنه في عجز الموازنة وتورية ذلك في أجور العاملين، أدى إلى زعزعة الثقة. ينبغي تحقيق الشفافية الكاملة في الإنفاق العام وترسيخ مبدأ المحاسبة.
من الأهمية بمكان وجود ثقة في المعطيات التي تعلنها الدولة والقرارات المتعلقة بالاقتصاد. مع الأسف في الآونة الأخيرة بعض القرارات المتخذة تسببت بزعزعة الثقة تجاه المعطيات التي تمّ الإعلان عنها. وزيادة على ذلك عندما تتزعزع الثقة في حقيقة المعطيات وصحتها والشك في أنها صحيحة، فإنّ أخباراً وتخمينات تبدأ بالانتشار تتعلق باتباع وسائل بعيدة كل البعد عن الشفافية ويطلق عليها في السوق اسم “عملية الباب الخلفي” وهذه تتسبب بعدم استقرار كبير في سعر النقد الأجنبي وأسعار الفائدة، والتي تؤدي إلى تلاشي الأرباح التي يكسبها المنتجون بشق الأنفس، وزوال قيمة الحقوق التي يتقاضاها العمال بعرق جبينهم. في الإدارة الاقتصادية لا يوجد رأس مال أكبر من الصدق ولا يوجد قرض أكبر من السمعة. يجب وبأسرع وقت تأسيس الإدارة الاقتصادية على هذا المبدأ.
الحل يكمن في تهيئة بيئة استثمارية يتم من خلالها تحقيق انخفاض مستمر في نسب التضخم، وزيادة التوقعات الاقتصادية، وتخفيف الأزمات، وتأمين استثمار آمن لرؤوس الأموال الأجنبية وعدم اضطرار رؤوس الأموال في تركيا للبحث عن سبل من أجل الاستثمار في الخارج. في مثل هذه البيئة الاستثمارية أسعار الفائدة ستهبط باستمرار، والليرة التركية ستكسب القوة والسمعة.
وختاماً أريد التأكيد - بخصوص التحديات التي واجهناها في السنوات الأخيرة - على تحرير عقولنا والاستعداد النفسي وتقوية روابطنا الاجتماعية واتخاذ الخطوات الضرورية من أجل مستقبلنا المشترك. وأدعو القائمين على حزبنا ومؤسساته المعنية، لتقييم رؤيتنا المستقبلية وكافة النقاط الواردة أعلاه، بعقلانية وهدوء وتأنٍ والإعداد للمستقبل قبل أن يُصاب الأوفياء والمخلصون في القاعدة الشعبية لحزبنا بخيبة أمل، وأدعو أصحاب الفكر والمتنورين والمواطنين من كافة الانتماءات الحزبية أن تتضافر جهودهم من أجل رسم مستقبلنا المشترك على أساس الإرادة والضمير والعقل المشترك. اليوم هو يوم تلاقي عقل الدولة وكرامة الإنسان وضمير الشعب".