حصان نيتشه وقيمنا المجتمعية

رقم العدد: 4430 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/14/2019 8:16:17 PM

سليم سوزه

بدلاً من حماية الحريات بوصفها المسلّمة الوحيدة لرفاهية المجتمعات وتنميتها، صار شغل الطبقة السياسية (ومعها بعض مدّعي الثقافة) محصوراً بحراسة "القيم المجتمعية"، تلك التي يتم من خلالها جلد الفردانية ومصادرة حقوقها تحت عناوين إقصائية شتى.
تحت هذا العنوان المطاط "القيم المجتمعية"، أصدرت لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب بياناً قبل أيام تدين من خلاله بعض الأعمال الدرامية العراقية بحجة أنها تخل وتهدد قيم العائلة العراقية الأصيلة، ثم جاءت وزارة الثقافة بموقفٍ مشابه وفرضت مقصها على بعض المشاهد في تلك الأعمال. أخيراً، هيئة الإعلام والإتصالات تدعو هي الأخرى القنوات العراقية الى "رفع المشاهد التي تخرج عن الحياء والأعراف" وإلّا ستكون هناك إجراءات ضدها.
هذه ممارسة إجرائية للقيم تعطيها الحكومة أولويةً على كل وظائفها السياسية والإدارية. محاولةٌ تقوم بها أجهزة الدولة الأيديولوجية بمساعدة أجهزتها القمعية لفرض قيمٍ محددة بوصفها قيماً ثابتة وصحيحة تتلاءم وجميع شرائح المجتمع.
لقد مات هتلر ومات معه تصنيفه للفنون المنحطة (تلك التي لا تستلهم قيم النازية الأصيلة بنظره). ذهب زادانوف كذلك، وذهب معه قمعه للمثقف السوفيتي تحت عنوان "الواقعية الإشتراكية"، لكن للأسف، لم يذهب حامد يوسف حمادي وبقي ملهماً للطبقة السياسية العراقية الحالية. سطوته على الثقافة والإعلام بحجة حماية "قيم البعث الوطنية" تحولت هذه المرّة الى سطوة جديدة تحت عنوان "القيم المجتمعية". سطوة عبر وزارة يُفتَرض إنها راعية للثقافة ووزير يُفتَرض به أن يكون مثقفاً أكاديمياً تخرّج من أهم جامعة أميركية.
ليس موقف أجهزة الدولة غريباً بالنسبة لي، فكل طبقة مهيمنة تريد ممارسة هيمنتها وبأي الوسائل، مرة بتحريم إرتداء الشورتات (البرمودا) كما حصل من شرطة كركوك، وأخرى عن طريق تشريعات وقوانين تحد من حرية الأفراد في مواطن أخرى. عمل مارسته وتمارسه كل الأنظمة الشمولية سابقاً وحاضراً. ما هو غريب فعلاً هذا الصمت والخنوع "للمثقف النقدي" تجاه هكذا ممارسات يُراد بها طمس ألوان الحياة المتنوعة لصالح لون غريب ودخيل على الثقافة العراقية.
ما يعنيني هنا هو دور المثقف الحقيقي وليس مدّعي الثقافة، المثقف المشتغل في حقل دراسة القيم المجتمعية وتفكيك دلالاتها الأخلاقية إضافة الى تعرية مرجعياتها السلطوية. ليس ثمّة دور كبير لهذا المثقف أمام المحاولات البطيئة للسلطة في أسلمة الفضاء الإجتماعي. ليس كل المثقفين بالتأكيد، وأنما بعضهم الذين دخلوا في لعبة التخادم الثقافي مع السلطة سواء بوظيفة مستشار عاطل عن العمل أم برواتب وإمتيازات وزارة الثقافة ومؤسساتها.
ليست الثقافة شعراً فقط. هي إشتغال معرفي وشغف مستمر في تحليل الظواهر المحيطة بنا ككائنات تسعى لتحسين شروط معيشتها. هي الإيغال في تفكيك وفضح الإستخدامات السلطوية للقيم المجتمعية. نحن أمام نقص مروع في الدراسات الاجتماعية والانسانية في العراق. فالبلد ينتج سنوياً مئات المهندسين والأطباء والصيادلة إضافة الى المعلمين والأساتذة، لكننا لا نرى باحثين في العلوم الإجتماعية والإنسانية إلّا على عدد الأصابع. العلوم الطبيعية محترمة بالتأكيد ولكن الاختصاصات الاجتماعية مطلوبة أيضاً، والنقص المروع فيها يؤثر سلباً على واقع تفكيرنا الاجتماعي والإنساني. غياب واضح للنظرية الإجتماعية ومن ثم غياب مخيف لأسس التفكير النقدي يجعلنا روبوتات مُسيَّرة لا تحسن قراءة مجتمعاتها إلّا قراءة "فتّاحفالية" مبنية على المسلمات والبديهيات، تلك التي تُعد بالأساس مفاهيم إشكالية لا تحاول مأسستها سوى مراكز النفوذ والهيمنة داخل النظام الإجتماعي الواحد.
حصان واحد يُضرَب بالسياط أمام أنظار نيتشه فينهار الأخير تماماً ويكتب عن فلسفة القيم ليعيد تعريفها وتشذيبها حتى تصبح ثقافة إنسانية خالصة دون وصايا حرّاس العقيدة وسَدَنة السماء. فيما نحن اليوم أمام سلطة متخلّفة تجلد أحصنة الثقافة والآثار والتاريخ والفن والمسرح والكتابة والموسيقى يومياً وبحجة حماية القيم المجتمعية دون أن نرى موقفاً ثقافياً صلباً تجاهها.