آلان تورنغ.. سيرة عبقري

رقم العدد: 4430 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/14/2019 8:20:19 PM

ترجمة : لطفية الدليمي

12
حاسوبٌ يدعى ( الرضيع )
عاود آلان خلال عمله في مختبر الفيزياء الوطني هوايته القديمة في ركض المسافات الطويلة ، وسعى دوماً لتحقيق إنجازات تنافسية في هذا المضمار ، وفي عام 1946 صار عضواً في نادي ( والتون ) الرياضي الواقع بمدينة والتون في مقاطعة ( سري ) . أبدى آلان قدرة تنافسية فائقة في سباقات الركض طويلة المدى ( بما فيها سباقات الماراثون ) إلى حدّ جعله مرشحاً قوياً للمشاركة في فريق الألعاب الرياضية المشارك في أولمبياد 1948 ؛ لكن حصل - للأسف - أن تعرّض آلان لإصابة خلال الفترة 1946 - 1948 جعلته غير كفْءٍ للمشاركة في فريق الأولمبياد البريطاني ، وجاءت تلك الإصابة لتضع حداً لمهارته التنافسية العظيمة في سباقات الركض الطويل .
مثّل عام 1948 ، على كل حال ، إنعطافة مميزة طبعت بتأثيرها الشامل كلّ الجهد العلمي اللاحق الذي نهض آلان بعبئه .
حصل خلال السنة الأكاديمية الكاملة التي قضاها آلان بجامعة كامبردج أن تمّت دعوته للإنضمام إلى مشروع نوعي جديد بجامعة مانشستر يرمي لتطوير نوع جديد من الحواسيب . كانت الآلة موضوعة التطوير في مانشستر تدعى ( الآلة التجريبية ذات المقياس الصغير SSEM ) على الرغم من أنّ كل العاملين في المشروع كانوا يدعونها ( الرضيع ) . عندما إنتهت سنة التفرّغ الأكاديمي الممنوحة لآلان في جامعة كامبردج في مايس ( أيار ) 1948 إلتحق آلان على الفور بالفريق البحثي العامل في مشروع جامعة مانشستر .
كانت الموضوعة البحثية الرئيسية في مشروع ( الرضيع ) هي أهمية حجم الذاكرة التي يمكن للآلة إختزانها وبالكيفية ذاتها التي أكّد آلان على حيثياتها في كلمته عام 1947 ( المنوّه عنها في الفصل السابق ، المترجمة ) . إستخدمت آلة ( الرضيع ) جهازاً يدعى ( صمّام ويليامز ) لتخزين المعلومات الحاسوبية ، وكان هذا الجهاز أصلاً قد أختُرِع خلال الحرب العالمية الثانية من قبل ( فريدريك ويليامز ) ليكون واسطة لتخزين الصور الرادارية الخاصة بالسفن والطائرات في أنبوب أشعة مهبطية Cathode Ray Tube .
كان صمّام ويليامز قادراً على تخزين بيانات بحجم 2 كيلوبِت ( ألفا بت ) والتي كانت حجماً هائلاً من القدرة التخزينية في ذلك الوقت ، ولكي نضع الأمور في سياقها المطلوب لغرض المقارنة الكاشفة فإنّ الحاسوب الذي دعم رحلة أبولو إلى القمر عام 1969 إمتلك ذاكرة بقدرة تخزين 64 كيلوبِت ، وقد تعاظمت السعة التخزينية للذاكرة الحاسوبية بكيفية مضطردة منذ ذلك الحين ؛ فذاكرة جهاز هاتف ذكي حديث هي في المتوسط 256 كيلوبِت .
البرنامج الحاسوبي الأول المعدّ لآلة ( الرضيع ) كتبه مهندس حاسوب يدعى ( توم كيلبرن Tom Kilburn ) وتمّ تشغيله على تلك الآلة في يونيو ( حزيران ) 1948 . كانت المعضلة التي تطلّب حلها بواسطة هذه الآلة هي معضلة رياضياتية خاصة بإيجاد العامل الأكبر الذي يمكن قسمة العدد 218 ( وهو ذاته العدد 262,144 ) بدون باقٍ ، ولغرض إنجاز هذا العمل إستلزم الأمر أن تنجز الآلة 3.5 مليون عملية حسابية ، واستغرق الوقت اللازم لإنجاز تلك الحسابات 52 دقيقة . إستطاعت الآلة في نهاية تلك المدّة حساب العامل الصحيح وهو 131,072 ( الذي يساوي نصف العدد 262,144 ) .
لم يكن الجواب الصحيح الذي جاءت به آلة ( الرضيع ) هو ماخلق الدهشة في الفريق العامل في المشروع آنذاك ؛ بل كانت الدهشة الحقيقية ناجمة عن نجاح الآلة في حساب الجواب الصحيح من خلال تنفيذ 3.5 مليون عملية حاسوبية في ذلك الوقت القصير نسبياً من الزمن ( لايجب أن ننسى أننا نتحدث عن حاسوب يعمل عام 1948 ؛ وعليه تعدّ تلك السرعة الحاسوبية غير مسبوقة بالطبع بمقاييس ذلك الزمان ، المترجمة ) .
إنضمّ آلان لفريق جامعة مانشستر مع نجاح برنامج ( توم كيلبرن ) الحاسوبي مع آلة ( الرضيع ) ، وهنا سيكون من الطبيعي التساؤل : ماالذي سيساهم به آلان في المشروع ؟ كانت آلة ( الرضيع ) قد تمّ تخليقها للتو ، وهي تعمل بذاكرة حاسوبية تعتمد جهاز ( فريدريك ويليامز ) ليكون بمثابة القلب النابض فيها ، وثمة مبرمجون حاسوبيون ( مثل توم كيلبرن ) يكتبون برامج رياضياتية معقدة لها ؛ غير أنّ آلان سعى بكلّ جهده لتخليق آلة ( رضيع ) قادرة على محاكاة الوظائف البيولوجية للدماغ البشري ، وهو في هذا السياق لم يكن يسعى لتخليق آلة يمكنها إنجاز الحسابات التقليدية بسرعة فائقة فحسب لكنه سعى ، في المقابل ، لتخليق آلة تستطيع محاكمة الأمور منطقياً ومن ثمّ بلوغ نتيجة منطقية للمعضلات المعروضة بصرف النظر عن طبيعة تلك المعضلات ( سواء أكانت فنية أم أدبية أم علمية ) .
كان آلان يسعى لتطوير شيء له القدرة على التعامل بموضوعات تنطوي على مفردات مستمدّة من عالَم الذكاء الإصطناعي .

13
الذكاء الإصطناعي
نشر آلان في أكتوبر ( تشرين أول ) 1950 واحدة من أعظم مقالاته شهرة في المجلة ذائعة الصيت المسمّاة Mind ، ونُشِرت مقالة آلان في تلك المجلة بعنوان " الآلات الحاسبة والذكاء * " ، وبدأت المقالة بالديباجة التالية : " أقدّم في هذه المقالة مداخلة تنقيبية بشأن السؤال التالي : هل تستطيع الآلات أن تفكّر ؟ "
أسهب آلان في مقالته تلك في توصيف المعضلات التي رأى بأنّ الآلة ، المُبَرْمجة بشكل مناسب ، تمتلك القدرة على التعامل معها ، ولأجل أن يدعم رؤيته بشأن تلك الآلة فقد قدّم للمرّة الأولى ماأصبح يعرَفُ لاحقاً ( إختبار تورنغ Turing Test ) : في هذا الإختبار النظري ثمة شخص A يوجد عند وسيط حاسوبي طرفي computer terminal ، ويرتبط الحاسوب ذاته بوسيطين طرفييْن آخرين ، وثمة إتصال بين الحاسوب والوسائط الطرفية من خلال أسئلة مرسلة بهيئة نص مكتوب . يجلس شخص عند أحد الوسيطين الطرفيين الذي يخضع لتحكّم شخص يوجد أمامه لوح مفاتيح keyboard يتيح له كتابة الإجابات المناسبة على الأسئلة المطروحة عليه من خلال الوسيط الطرفي ( شاشة على سبيل المثال ، المترجمة ) ؛ أما الوسيط الطرفي الثاني فينتهي بحاسوب يجيب هو الآخر على الأسئلة ذاتها المطروحة على نظيره البشري ولكن من غير أي تدخل بشري في عمل الحاسوب . كانت الإجابات المتحصلة من الكائن البشري والحاسوب توضع في نهاية الأمر أمام الشخص A بهيئة نصّ مكتوب .
يقوم إختبار تورنغ على الفكرة التالية : هل يستطيع الشخص A الذي يطرح أسئلة محددة أن يقرّر - إعتماداً على الإجابات الواصلة إليه فحسب - أيّ الإجابتيْن تعود للكائن البشري ، وأيهما تعود للحاسوب ؟
بقدر مايختصّ الأمر بِـ ( آلان ) فإنّ المقايسة المسمّاة ( إختبار تورنغ ) يمكن وصفها بالعبارة التالية :

إختبار تورنغ
إذا لم يكن أمراً ممكناً - خلال المحادثة النصية المتواصلة - تمييز الآلة عن الكائن البشري فيمكن حينئذ وصف تلك الآلة بأنها ( آلة مفكّرة ) ؛ وبسبب هذا يمكن أن تُعزى لها صفة الذكاء .
الآتي نموذج قياسي من الأسئلة التي إستخدمها آلان في إختبار تورنغ ، ويظهر في النموذج السؤال المطروح على كلّ من الحاسوب والكائن البشري ، وكذلك الإجابة المستلمة من جانب الشخص A ( ملاحظة المترجمة : س تعني سؤال ، ج تعني جواب ، والشخض A لايعرف مسبقاً فيما إذا كانت الإجابة قادمة من الحاسوب أو من الكائن البشري ؛ فتلك المهمة هي التي يتوجب على الشخص A أن يحدّدها) .
س : لطفاُ أكتب لي سونيتة غنائية عن موضوعة تختصّ بالجسر الرابع .
ج : دعني بعيداً عن هذا الطلب . لم يكن بمقدوري يوماً كتابة الشعر .
س : أضف 34957 إلى 70764 .
ج : ( بعد برهة صمت إمتدّت 30 ثانية ) 105,621
س : هل تلعب الشطرنج ؟
ج : نعم
---------------------------
لو تفكّرنا ملياً في هذه الأسئلة والإجابات الخاصة بها وأخضعناها للمساءلة المعمّقة فيمكن الحدس بأنّ هذه الإجابات لم تأتِ من كائن بشري وكذلك لم تأتِ من حاسوب !! .
بالعودة إلى مقالة تورنغ العتيدة التي أشرنا إليها في بداية هذا الفصل ، يمضي آلان إلى القول : " أعتقد خلال الخمسين سنة القادمة سيكون ممكناً برمجة الحواسيب بطريقة ممتازة لن يُتاح بموجبها للمستجوِب متوسّط الكفاءة أن يحوز إحتمالية تتجاوز 70% في معرفة التشخيص الصحيح بعد خمس دقائق من المساءلة ."
دشّن آلان بمقالته التأريخية هذه أطروحة حجاجية كاملة وشاملة بشأن الذكاء الإصطناعي ، ولم تقتصر أطروحته الفكرية على البدء بمفاعيل مؤثرة في المجتمع العلمي فحسب بل كذلك بين القادة الدينيين واللاهوتيين في الوقت ذاته ، وقد حصل هذا الأمر لكون الأديان العالمية المنظّمة كلها تعتمد في قاعدتها الأساسية على فكرة أنّ الإله هو من خلق الكائنات البشرية والقدرات الهائلة المخبوءة فيها . إذن ، والحالة هذه ، لو أنّ آلة تمّ تخليقها بحيث تمتلك القدرة على التفكير والمساءلة المنطقية بالكيفية ذاتها التي تعمل بها الكائنات البشرية فعندئذ سيلغي هذا الأمر فكرة أنّ الكائنات القادرة على المساءلة المنطقية هي خليقة يختصّ بها - وعلى نحو حصري - " الإله - الكينونة العليا المقدّسة " .
* العنوان باللغة الإنكليزية هو :
Computing Machinery and Intelligence
(المترجمة)