بمناسبة مرور 40 عاماً على رحيله..بيت ( المدى ) يستذكر رائد الآثاريين العراقيين فؤاد سفر

Saturday 28th of July 2018 06:12:01 PM ,
العدد : 4242
الصفحة : منوعات وأخيرة ,

  زينب المشّاط
 عدسة/ محمود رؤوف

باحثٌ آثاريّ كان له الفضل الكبير في اكتشاف العديد من المناطق الآثارية العراقية، إضافة الى دوره المتميز في تدوين التراث والحضارة العراقية، رحل بحادث سير حين كان في طريقه الى المشاركة بندوة عن حوض حمرين، ولذلك عدّه البعض شهيد الآثار العراقية. يوم الجمعة الماضي استذكرته مؤسسة "المدى" بمناسبة مرور 40 عاماً على رحيله، وذلك ضمن المنهاج الأسبوعي لبيت المدى الخاص باستذكار الشخصيات العراقية الشهيرة التي لها أثر كبير في المشهد الثقافي والفني والاجتماعي العراقي...

من سيرة الآثاري
في العراق أولى الحضارات التي قدمت للإنسانية الشيء الكثير لتكون بذلك الآثار العراقية وما تبقى من الحضارة موضع اهتمام العالم منذ قرون، ظهر في هذه المدينة العديد من علماء الآثار الأجانب عملوا في العراق ونقّبوا آثاره واكتشفوا الشيء الكثير ما تزخر به المتاحف اليوم وتفخر به، خلال كلمة الباحث رفعت عبد الرزاق يشير إلى آثار العراق ودور المنقبين في هذه المدينة ويقول " شهد العراق مجموعة من أجيال الآثاريين الذين ظهروا وكان من الرواد في العراق فؤاد سفر الذي نحتفي به هذا اليوم إضافة الى طه باقر وسليم لاوي، وعبد الرزاق لطفي، كما ظهر الجيل الثاني من الآثاريين من بينهم بهنام أبو الصوف وطارق مظلوم وآخرون غيرهم."
تحدث عبد الرزاق عن فؤاد سفر قائلا " نحتفل اليوم بالذكرى الأربعين لوفاته حيث توفي بحادث سيارة وهو في طريقه إلى منطقة حوض حمرين وهو ذاهب الى البحث الآثاري وهو بلا شك شهيد الآثار العراقية، يذكر أنّ سيارته اصطدمت بشاحنة تركية ولم ينجُ سوى السيدة مهاب البكري عالمة المسكوكات."
فؤاد سفر من مواليد 1911 أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة ويعتقد الباحث رفعت عبد الرزاق أنه درس في الثانوية المركزية ايضا رغم أن ذلك لم يدون،وذهب الى أمريكا في البعثة العراقية التي أخرجت لنا آثاريين عدة ، منهم طه باقر، بعد إكماله البكالوريوس عام 1938 عُيِّن موظفاً في مديرية الآثار العامة، وهو كما يذكر عبد الرزاق "عمل في الكثير من المواقع الآثارية في العراق وركز جهده على العمل في منطقة الحضر ،وتم اكتشاف حضارة عراقية كانت غير معروفة ،وكان له الدور الكبير في هذا الاكتشاف المذهل واستمر بالعمل حتى منتصف السبعينيات وأصدر أكثر من كتاب بهذا الشأن."

المُعلِّم
عُدّ سفر أنه صاحب الروح البحثية في المدارس الآثارية، هذا ما يذكره مدير مكتبة المتحف العراقي عبد الهادي فنجان من أن " طارق مظلوم كتب عن الراحل فؤاد سفر وقال إنه أحد تلامذته، حين يكتب أحد التلاميذ عن حياة أستاذه المفضل لابد من أن يتأمل أموراً عديدة تميز شخصية الأستاذ ويفضل أموراً كثيرة من حياته سواء حياته العلمية أو الشخصية، وكتب مظلوم بحوثاً أشاد فيها بفضل سفر عليه وعلى بقية الطلبة."
إنّ فؤاد سفر مثّل عنصراً مهماً من عناصر الدفع للطلبة والباحثين وأعضاء هيئات التنقيب حيث يذكر فنجان قائلا "مثّل حضور فؤاد سفر بين الباحثين المرجعية المكتنزة بالمعلومات فضلاً عن روح القداسة حيث تظهر انعكاساتها على مجمل علاقاته مع الباحثين والطلبة."
أما عن منجزه فيذكر فنجان "ساهم سفر في تأسيس قسم الآثار في كلية الآثار/ جامعة بغداد الذي افتتح عام 1951 ،وفي عام 1056 أسندت إليه مهمة مفتش التنقيبات الآثارية وفي عام 1958 أُسندت إليه مهمة مفتش التنقيبات العام، وعلّم سفر الكثيرين كيفية الاستفادة من أسلوب البعثات الأجنبية."

مُدن واكتشافات
لم يقدِّم كلمةً أو بحثاً عن فؤاد سفر ، لكنه قال سأترك توضيحات هذا ما أكده الخبير الآثاري والمؤرخ الآثاري د. حميد محمد حسن الدراجي الذي أراد من كلمته أن يوضح عدداً من المعلومات عن الراحل قائلا " فؤاد سفر درّسني عام 1962 وزاملني في دائرة الآثار العامة بعد التخرج، وهو من علماء الآثار المشهورين والمثقفين البارزين . كان لهم باع واسع في مجال الأدب والشعر والحضارات القديمة وقدم للآثار العراقية خدمات جليلة من أبرزها التنقيب في مدينة أريدو التي كانت تسمى أبو شهرين."
نقّب الراحل مدينة أريدو وأسفرت تنقيباته عن معلومات واسعة وكبيرة دوّنها مع الآثار محمد علي مصطفى وأصدر عنها كتاباً بعنوان "أريدو" وهو من المصادر المهمة في تاريخ الآثار العراقية.. وكما ذكر الدراجي "اشتغل سفر أيضا في مدينة الحضر العربية وكانت مدينة مطمورة وغير معروفة واشتغل فيها مع محمد علي مصطفى، ونقّب في المدينة وكشف العديد من الكتابات والعقود وألّف أيضا في ذلك كتابه المشهور (الحضر مدينة الشمس)."
من المدن الأخرى التي عمل بها سفر مدينة واسط وكشف عن دار الإمارة وأربعة مساجد جامعة تعود لفترات تاريخية مختلفة وكشف عن بوابة المدرسة الشرابية وأطلق على المدينة اسم " المنارة " ، إضافة لآثار أخرى متمثلة بالمسكوكات.

بصمت
لم يجد أنّ في حديثه عن فؤاد سفر الشيء الجديد، فبحسب ما قال فقد قدم من سبقه الكثير من الأحاديث الوافية، إلا أنه سيتحدث عن الشخصيات التي بات ينساها الفرد العراقي، الباحث معن حمدان قال "سألفت أنظاركم إلى مسألة أكررها دائما، من يعرف فؤاد سفر اليوم في العراق؟ الحقيقة هذه العملية غير المقبولة تؤكد أن العراق بلد طارد لأبنائه من المبدعين ،وهذا جرح لدى النخبة المثقفة والمتابعين، وهذا جرح غائر لا يزال ينزف، فماذا فعلنا نحن لجواد علي مثلا؟ أعتقد بعد كم جيل لن يعرف هؤلاء أحد، وأجزم بذلك ، ويمكن مقارنة العراق بمصر لما بينهما من نقاط مشتركة، نجد أن عميد الأدب العربي طه حسين لديه كتاب بعنوان " أحلام شهرزاد" اطلعت على الطبعة الخامسة وهو وليس من كتبه المهمة كم طبعة طبعت أيضا لسلامة موسى ، والعقاد وآخرين، وهذا على ما يبدو شيء ليس بالجديد، أما نحن فكان سابقاً لدينا حس حضاري حيث كنا ونحن من البسطاء نجلس لنستمع إلى ما يقوله مصطفى جواد عبر التلفزيون أما اليوم فنحن لا نقدر أي شيء من هذا وخصوصاً مع الآثاريين الذين عملوا في حيواتهم بصمت ورحلوا بصمت."

لم ندوِّن وثائقهم
ذات المشكلة التي باتت تدور في ذهنية الجميع من المهتمين بالثقافة والمعرفة في العراق، يذكر الباحث توفيق التميمي "أن لكبار المفكرين والآثاريين والشخصيات العراقية المعروفة لانعرف بيوتاتها، ولا نعرف تاريخها ولا نعرف أشياء كثيرة تخص حياتها والسبب يعود الى أننا ببساطة نفتقد هذا الحس الوطني الذي يدفعنا لتدوين وتجميع وثائقهم ولا نملك مؤسسات ثقافية رصينة لتدوين منجزاتهم وحفظها."

مدير الآثار العامة
في مداخلة للباحث بكر الرواي ذكر قائلا "كنت أحد تلاميذة فؤاد سفر لم يحسر معرفته في مجال التنقيب فحسب، بل انعكست على علاقاته بالآخرين وشخصيته الراقية، إضافة إلى أن عمق معرفته الآثارية شجع الحكومة آنذاك على بناء المتحف العراقي حين كان هو مديراً للآثار العامة ."

فضلُ الآثاريين
الدكتور زهير البياتي في كمته ذكر أنّ أعمالاً كثيرة لم ترَ النور لولا اهتمام الآثاريين بها فيذكر أن ملحمة كلكامش والطوفان التي ترجمها طه باقر لم تر النور، لولا عرضها على خشبة المسرح حين أخرجها سامي عبد الحميد، آثاريين تركوا تأثيراً كبيراً إضافة الى ملحمة السيد والعبد وغيرها من الملاحم والأساطير، التي قدمت فنياً إضافة إلى نصب التحرير لجواد سليم الذي له تأثيرات عراقية قديمة .هذه الفنون لم تر النور لو لم يقُم الآثاريون بنشر الثقافة الإنسانية والحضارة.