الإحتواء المستحيل في تدفقات أحلام مكي حسين النحتيّة

Sunday 6th of January 2019 06:28:30 PM ,
العدد : 4344
الصفحة : عام ,

حسن عبدالحميد

يُحيي النحّات العراقي المغترب " مكي حسين " بعض جوانب من سوانح و متممات وعي تجربته التي تمتّد إلى نهاية ستينيات القرن الفائت ، عبر منافذ معرضه الأخير الحامل لعنوان " إنعكاسات حسيّة Sinnlicne Reflexion " والذي أقامه منذ منتصف تشرين ثانٍي و حتى اليوم السابع من كانون أول/2018 على كاليري Alte Feuerwache) بمدينة (كوتنكن) الألمانية بملاك أكثر من ثلاثين عملاً برونزياً و بأحجام مختلفة ، أستنفر فيها كشف قوائم خبرته مستحوذاً بعمق مهارات و تنويعات أداء بارع ومحكم في تقديم عرضٍ لافتٍ، شدّ من أزر هذا الانتماء النوعي لقيمة الدفاع عن الإنسان و صراحة حقه في الحياة والوجود ، كما كان " مكي " يفعل ذلك و ينادي أبان طلائع الإعلان عن قدراته النحتيّة و دوافعه الفكرية ونهجه الواقعي و العملي في تثمين مواقفه ونزعاته التعبيريّة التي رسّخت من جدارة أسمه واضحاً، ناصعاً في خارطة النحت العراقي المعاصر إلى جانب رهطٍ فنيّ فاعل و مؤثر في رسم ملامح مدرسة محليةّ لم تنقطع مساراتها ونبل تطلعاتها عن مديات تجارب عالمية مماثلة في النحت و الرسم و مجاوراته ، من تلك التي ما برحت تتاخم و تسمو سعياً حثيثاً لأن يكون الفنّ ملتزماً و ملازماً لقيم الحياة الحقة ، عبر موجبات توافر سُبل العيش الكريم و اللائق والموازِ لإنسانيّة الإنسان ، وتوقه الشديد وحبّه الدائم للحريّة، فالحياة – من وجهة نظر سارتر- لا تساوي شيئاً، لأن لا شيء يساويها على الاطلاق.

البحث عن مخرج
ولو شئنا أن نكون في مأمن وحرزٍ مبين من أجل تقييم الأداء التعبيري المدعم بحسٍ تقصّدي يتتبع مجريات ما يتمتع به هذا الفنان من عناصر فهم و مساعي توريد لنزعات حداثوية تشي بمسك و جس مجمل مجريات ما عتمل و يعتمل في أعمال " مكي حسين مكي " بالأخص في هذا العرض الشامل لسوانح - كما أشرنا- من مختارات مراحل نضج تجربته الواثقة ، المتواصلة و المتصالحة مع ذاتها و مديات تدفقات أحلامها ، ينبغي لنا ترصين زوايا نظر متعددّة ترنو و ترمي صوب فحص مقتنيات معرضه الشخصي هذا- على و جه التحديد - من حيث كونه الأول بحدود هذا الوصف والترتيب من أصل مجموعة سلسلة من معارض مشتركة أسهم فيها ، والتي يعود بعضها لما بعد فترة تخرّجه من معهد الفنون الجميلة- فرع النحت ببغداد في العام /1968 معية عدد من الأسماء الراسخة و اللامعة في مضامير هذا الفنّ الصعب و الطيّع - معاً- لكل من أغواه هيام اللعب بالطين و مواد إفصاح و تعبير أخرى عن دواخل ذواتهم و حميمية طفولتهم التي لم تزل تضلّل حيواتهم الفنيّة على مدار مراحل عمرهم ، حتى بلوغ الشيخوخة، مرورا بمعارض جماعية و مشتركة اسهم فيها " مكي " أبان وجوده في العراق، وصولاً لضفاف معرض مشترك جرى في العام/2002 في إستوديو الفنان رحمن الجابري في مدينة " لودفيلئس هافن - المانيا "، وقبلها معرض مشترك مع سبعة فنانين في قاعة المركز الثقافي العراقي في لندن/1978.
تفيض كل جوانب هذا التذكير بحاصل جمع نواحي الموهبة و صلابة الموقف الإنساني إلى جنب صدق المشاعر وأثقال الهموم و تدفقات الألآم وغيرها من دوافع و حاجات مؤجلة ليصب كل ذلك في مجرى التقييم العام لتجربة شاء لها أن تحيا ما بين عالمين مختلفين من حيث النشأة " البصرة/ 1947" و البيئة و نمط الحياة و عبق الذكريات التي يحاول " مكي " إسترجاع بعضها عبر ممكنات ذخائر الوعي و سواند الشّد و الشوق والحنين مشفوعةً بوضع عناوين و مسميات على منحوتاته الهادفة إلى ملامسة جوهر المحنة التي يناور في السعي لإختزالها من خلال هذه المقترحات التوضيحيّة و غيرها نوايا توصيلات ، كما في عمله - مثلاً- " البحث عن مخرج " وغيرها من أسماء معبرة و مختارة جاءت لتذليل تلك المنحوتات من أمثال " انطلاق / انسجام / ألم / قفزة نحو الأمام / يوم مشمس/ زائرة الفجر وغيرها من دواعي و إستنارات أتاحت للفنان التعلل بها والشدو بحنجرة غناء حزين ، دفين ، ذائب في ثنايا الروح و ما حفلت تخفي من شجن ومحمولات أوجاع غربة و توافدات هموم و ضياع أحلام .

الإحتواء المستحيل
تستدل موضوعات و تنويعات هذا العرض الذي هو نتاج و ذخيرة عدة سنوات و تواريخ، مختلفة و متوالية ، عن مدى مرارة الإحساس بالحيف و الآسى الذي لازم و رافق ميول و تطلعات الفنان رغم ما فيها من احباطات و تلكؤات عززت من فرادة التصريح الذي يبوح به " مكي " و هو يعلن رافضاً و مقاوماً لكل ما واجهة و يواجه من مثقلات حياة، وتناقضات ظروف ،أتسقت تعزف على أجساد شخوصه إيقاعات من قلق حاذق و توافد مخاوف وتوريدات آثار غربة ، و احياناً مرض أو حالات عوق جزئي ما برح يجبر بعض شخوصه للوقوف على رجلٍ و احدة ، أو سطوح قواعد غير آمنة و غير مستقرة تشي بالارتباك جراء الحيرة و الشكوك و الهواجس التي تحيط و تتغلغل في مسمات و خلايا تفكير تلك الكائنات التي تبدو محلقة ،مهاجرة ، راحلة ، هائمة في البحث عن خلاص ينهي حجود و عقوق تلك الاسئلة الكونية التي تطرحها مجسات " مكي حسين" بوحي أحاسيس متداخلة ، و نوزاع حسية لانعكاسات نفسية متمردة ، و رافضة لكل السجون و المعيقات التي تختزنها ذاكرته الملأى بالتضادد و التناسق من حيث أبعادها الجمالية و المعرفية عبر تناثر و تداخل مربعات و تشظيات لاعمدة و قضبان وملامح لخيول متعبة برع يجتهد " مكي " بتحويل بعضها الى أغصان لأشجار متفرعة ، ومحاولات لاحتواءات تبدو مستحيلة و غير قادرة على التعويض الا بمتنفسات الفن و بلاغة البيان و الإبلاغ عما يكبّل الانسان ويسحق احلامه ، بهذا التواثق و التعاشق العميق و المتقن في إخراج منحوتات على نحو يتيح له الحفاظ عن جوهر و طبيعة الأسلوب الذي يميزه، وبما يتوافق و نسق تهجياته الوجدانيّة البارعة و المحسوبة بمعيار الروح التائقة و القادرة على ضخ آليات التعبير عن خواطر و كوامن الهجرة والترحال من خلال محاولات إستعادة ذكريات اضحت نائية و بعيدة وصعبة المنال، ان لم تكن عصية و مستحيلة عن تحقيق تواجدها المرئي إلا بهوامش الأحلام التي يحيا و يعيش على أهوائها " مكي حسين " كأنساق تعويضيّة لمجمل و بعض ما ماضي و ما فات، لكنها " أي تلك الذكريات و الاحلام" لم تمت ، بل ظلت تنبض وعيّا و تتباهى حضوراً في ثنايا و خلجات ما يسكن دواخله من تحدٍ ومقاومة وحبّاً خالصاً للحياة التي جاء ينشدها من خلال معرضه النوعي الشامل هذا .