المقدس والمدنس..

Tuesday 8th of January 2019 07:50:49 PM ,
العدد : 4346
الصفحة : آراء وأفكار ,

سلام حربة

الدين منظومة حياتية نفسية وروحية تحتاجه المجتمعات ويعتنقه الإنسان في كل الظروف ،الدين ملاذ حين يجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه أمام قوى وظروف أو حوادث لا قدرة له على مواجهتها وتبعث لديه الخوف من المصير المجهول القاتم أو أن يكون وجهاً لوجه أمام موت يتربص به عندها تهتز كل يقينياته وذرائع عيشه ليتكأ على جدار الدين ويتشبث به من أجل أن يقيه من الشرور ويدعمه روحياً كي يتسلح ، ولو صورياً ، لمواجهة الأخطار التي تهدد حياته .. تجلي الدين ودوره في الحياة يعتمد على مقياس التطور الاجتماعي والحضاري للمجتمع .. المجتمعات المتحضرة تتعامل مع الدين كبنية روحية وأخلاقية وثقافية يدخل في تشكيل هوية المواطن وشخصيته وكل نص فيه قابل للقراءة والتأويل ولا قداسة قسرية لكائن حي أو فكر أو جماد في الواقع الاجتماعي إلا بين دفتي الكتب الالهية وما تروج له المؤسسات الدينية الراعية للأديان في عقول أتباعها ومريديها ..في الغرب المتحضر الإنسان هو ( المقدس ) ويجب أن يُحترم عقله وخياره الديني والطقوس والشعائر الروحية التي يمارسها وينال حقوقه كاملة كمواطن في مجتمع يسعى لتحقيق العدالة بين أفراده كافة.. في المجتمعات المتخلفة والمتراجعة عن ركب الحضارة والمكبلة أقدامها الى الماضي والمصابة بعشو قاتل لا ترى الحاضر ولا تتخيل شكل المستقبل فان هذه المجتمعات غالباً ما تغرق في مستنقعات الماضوية وعقائدها المريضة وتأويلات وآراء علمائها القاصرة ،تعيش في خيمة الفكر الديني ودائرته السلفية الجامدة لأن هذه الخيمة هي الوسيلة والتبرير الوحيد لوجودها ، هي ليست قادرة على الإجابة عن أسئلة العصر والتي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم ولذا فإنها تعمد على توفير قناعات زائفة وتخدير عقول مواطنيها من خلال أفكار فقهائها وفتوحاتهم عن الحياة والوجود والواقع والإنسان وبمرور الزمن ستجد إن هذه المجتمعات قد انفصلت عن الدين الأصلي ورسالته الانسانية وما يحتويه من حقائق وعلوم وقيم أخلاقية لتعيش في ظلال أديان جديدة ابتكرها علماء مؤسساتها الدينية ( المقدسون ) وهذه الأديان ستكون البديل الحقيقي وهي الصورة المهلهلة التي يجب أن تظهر عليها الأديان السماوية كي تكون قادرة على مواكبة روح العصر ، حسب زعم منظريها ، لكن يوماً بعد يوم ستجد إن هذه المجتمعات ستصبح أسيرة العقائد الدينية والطقوس والأفكار الهجينة والغريبة وتزداد مشاكلها مطلع كل نهار جديد وهذا ما يُلمس بشكل جلي في المجتمعات الإسلامية وخاصة تلك التي تسلل الاسلام السياسي في بعض البلدان وتسنم مقاليد الحكم في غفلة من الزمن وبمباركة ودعم المؤسسات الدينية التقليدية وبمساندة الرأسمال العالمي والكيان الصهيوني ..المقدس في النصوص الالهية من اسماء الله الحسنى والقدوس مفردة معلقة في السماء ولم تنزل الى الأرض إلا حين أراد الكهنوت الديني ومؤسساته الفقهية ومنابره ذلك بان خَلق مقدسين سواء من البشر أو الاراء أو من الأمكنة دون أن يكون له سند في نص إلهي وما هذه القداسة المفترضة لبعض البشر وعينة الأمكنة إلا من أجل تحقيق أغراضه السياسية ومنافعه الشخصية وبسط سلطته الدينية على الأرض والسماء ، مستخدماً كل السبل التضليلية في اللف والدوران حول الحقائق المسلم بها من خلال الحجج الواهية والتأويلات الزائفة وخلق احداث تاريخية وتلفيق أحاديث كاذبة للأنبياء لترسيخ قناعاته وإلصاقها عنوة في صفحات العقول المشوشة للفقراء والمساكين ومنتظري الخلاص ..لقد خصت الأديان السماوية الانبياء بالقداسة لأنهم طاهرون حملوا الرسائل الإلهية بأمانة الى البشر رغم إنهم بشر ، لكن هذا الاصطفاء من قبل الرب هو الذي رفعهم الى منزلة الطُهر والقداسة وحتى الأمكنة فان البعض قد ارتبط بنزول الرسالات السماوية وفضاءات التبشير فكُرِمت من قبل الله ومنحها التقديس وذُكرت في عدد من الآيات والنصوص والأسفار الإلهية وما زال المؤمنون حتى يومنا هذا يتعاملون معها بخشوع ورهبة وصدق فما يصدر عن الله عندهم واجب الطاعة والالتزام والتمثل..
الإنسان مجموعة تناقضات يصطرع فيه الخير والشر ، في ظرف ما قد تميل كفة الخير لديه نتيجة لعوامل عديدة منها الواقع السياسي الشفاف والعلائق الاقتصادية المتطورة وثقافة الإنسان من تجربته الحياتية الباذخة ومقدار وعيه الاجتماعي بحيث يصطفي عن إيمان السلوك الراقي الخير ليكون عنواناً له ،أو قد يتغلب الشر عند جمهور كبير من الناس نتيجة الفوضى السياسية والقصور الثقافي وتراجع الوعي العام ، أي أن الإنسان ابن بيئته وواقعه ، فكيف يكون الواقع يكون هو دون أن نغفل ما لدور الثقافة والتحصيل العلمي والتربية الأسرية وطبيعة العلاقات الاجتماعية في منح النفس الخيرة القوة والإصرار على مقاومة الشر ومنع المواطن من الانجراف كلياً نحو التحلل والسقوط الأخلاقي والإنحدار نحو الهاوية ، خلاصة الكلام لا يمكن أن يكون الإنسان مقدساً حتى لو ادعى انه الخير والمعرفة والعلوم والحقيقة كلها لأن الشر المقموع المندحر متربص داخله يتحين اية لحظة انهيار كي يكشر عن أنيابه لينقض على الفضائل والقيم الاخلاقية النبيلة ويظهر الوجه الثاني الخفي المستتر وهذا ما يلمس في الانقلابات الكبيرة في تاريخ الانسانية والانعطافات الحادة في سلوكيات القادة والمفكرين الأعلام وميلان اهواء الشعوب ورغباتها نتيجة لتغير الظروف الموضوعية والذاتية..يبقى الانسان طيلة حياته تتجاذبه إرادتا الخير والشر ولا مكانة للقداسة بينهما حتى لو انقطع الانسان الى نفسه وانفصل عن العالم والكون وانتبذ مكاناً لا يصل إليه أحد فالنفس أمارة بالسوء وقد تدفعها الغرائز أحيانا أن ترتكب أبشع الأفعال القذرة من أجل إشباع الحاجات الحسية التي تكون لذائذها تحت اللسان ويسيل لها اللعاب دوماً وسجل الفضائح مفتوح منذ الآف السنين ،في حين أن اللذة العقلية المتأتية من الانقطاع الى العلوم والمعرفة والثقافة والنطق بالحق وفعل الخير والنهي عن المنكر ومناهضة الفساد والتضحية من أجل إسعاد الآخرين حتى لو تطلب الأمر الجود بالنفس ، كل هذه الامور لا تجلب إلا الشقاء والتعاسة والمآسي ولذا فان الباذلين للمعروف وأهل العلم والايثار والفضيلة غالباً ما تكون نهاياتهم غير سعيدة والتاريخ يحفل بالحوادث والاسماء التاريخية التي دفعت ثمناً باهظاً لعصاميتها ومبدأيتها..لقد صاغت المؤسسات الدينية اللاهوتية والأحزاب الدينية ، قدر تعلق الأمر بالدين والإيمان والعبادة ،قوانينَ جديدة للحياة قد تتقاطع كليا مع نواميس الطبيعة وجعلت من هذه القوانين سنناً واعرافاً وطرقاً مبتكرة للبشرية من أجل إدامة مصالحها فجعلت من الأرضي سماوياً ومن السماوي أرضياً ومن المدنس مقدساً ومن المقدس مدنساً بما يتلاءم مع مصالحها الدينية والطائفية والعرقية والشخصية.ووقفت ضد تأويلات العقل والمنطق والواقع واطلقت فتاوى القتل ومصادرة الآخر وشنت الحروب ضد كل من يقف في طريق بدعها وفتوحاتها المريضة وما القاعدة وداعش والمنظمات الارهابية اليهودية والمنظمات التبشيرية والعنصرية المسيحية وكل التشكيلات المذهبية المتعصبة إلا نماذج سياسية للفكر الديني الذي يحاول أن يكون بديلاً عن الأديان الإلهية وشرائع السماء ،والأديان بريئة من هذا الفكر وليس هناك من جامع بينهما لا من قريب ولا من بعيد لأن الفكر السياسي طوع النصوص الدينية ، عبر العصور ، لصالحه وأعاد صياغة الحياة والعبادة والموقف من الكون وفق رؤاه..الكون في حالة صيرورة دائمة وما كان اليوم سرمدياً و( مقدساً ) يصبح في زمن آخر آنيا ومدنساً لان كل شيء في حالة تغير وتبدل عدا الأديان ونصوصها فان مفاهيمها ومنها مفهوم المقدس لا يتبدل وقد حرّف وأصبحت له أهداف ومرام جديدة..الفكر الديني يحاول أن يبقي عقل الانسان خارج مدار المنطق وغارقاً بالجهل والظلام وخلق من البشر أحباراً وحاخامات وشيوخ نظائر مقدسة محايثة لله في قدرته لها أول عددي وليس له آخر..