لا تقولوا إننا لا نملك شيئًا : رواية الصين المعاصرة

Wednesday 9th of January 2019 06:33:31 PM ,
العدد : 4347
الصفحة : عام ,

علي عبدالأمير صالح

" في عامٍ واحد، غادرنا أبي مرتين. في المرة الأولى، كي يضع نهايةً لزواجه، وفي الثانية، حين انتحر. يومذاك، كنتُ في سن العاشرة» في روايتها المعنونة «لا تقولوا إننا لا نملك شيئًا»، الصادرة ترجمتها العربية عن دار المدى ، تأخذنا الكاتبة الصينية الكندية مادلين ثين إلى داخل أسرة كثيرة الأفراد في الصين، وترينا حيوات جيلين متعاقبين – أولئك الذين عاشوا في أثناء «الثورة الثقافية» التي أطلقها ماو تسي تونغ في عام 1966م ودامت عشرة أعوام، وأولادهم، الذين أصبحوا طلبة جامعيين محتجين في «ساحة تيانانمين» في قلب العاصمة بكين. في لب هذه الرواية الملحمية ثمة شابتان: ماري جيانغ «جيانغ لي – لينغ» وأي – مينغ.
من خلال العلاقة المتبادلة بينهما تسعى ماري جيانغ إلى جمع أجزاء حكاية أسرتها الممزقة في فانكوفر يومنا الحاضر، باحثةً عن أجوبة في الطبقات الهشة لقصتهم الجماعية. يكشف مسعاها هذا النقاب عن كيف أن كاي، أباها المُبهم، جيانغ كاي، وهو عازف بيانو موهوب، ووالد أي – مينغ؛ سبارو، المؤلف الموسيقي الخجول واللامع، إضافة إلى تسهولي، معجزة الكمان، كانوا مرغمين على أن يتخيلوا من جديد ذواتهم الفنية والشخصية إبان الحملات السياسية في الصين وكيف أن مصائرهم تتردد عبر الأعوام بعواقب ثابتة. برعتْ ثين في تدوين رواية على قدرٍ كبير من النضج والتعقيد، الفكاهة والجمال، رواية هي في آنٍ حميمية وسياسية بنحوٍ كبير، مدتْ جذورها في تفاصيل الحياة بالصين لكنها استثنائيةً في كونيتها.
ومما يلفت القارئ والناقد الأدبي هو قوة الحبكة ومتانة الأسلوب ورقة الكلمات وشاعريتها بحيث إن المتلقي لا يكاد يلتقط أنفاسه وهو يلتهم صفحات هذه الرواية الأخاذة، فنرى الكاتبة تقفز من زمنٍ إلى زمن في لعبة سردية ذكية؛ إذ يتنقل الروي بحرية بين الماضي والحاضر، تارةً للأمام، وطوراً للوراء. وفي صفحات هذا الأثر الروائي المهم تُعرّفنا ثين موسيقا بتهوفن وباخ وشوستاكوفيتش وكثير من الموسيقيين الغربيين، والإرثَ الأدبيَّ والفكريَّ والفنيَّ للكُتاب والفلاسفة والرسامين والموسيقيين الصينيين منذ زمن السلالات الحاكمة والاحتلال الياباني حتى يومنا الحاضر. نتعرّف آلاتٍ موسيقيةً صينيةً لم نسمعْ عنها من قبلُ، ولا يفوت الكاتبة أن تصف لنا درجات السلالم وطرائق العزف والأحاسيس التي ترافق الاستماع للألحان والمؤَلفات الموسيقية؛ وهذا بالطبع لم يأتِ من الفراغ، على نحو ما يقول اليونانيون، بل من خلال دراسة عميقة، متخصصة؛ لأن كاتبتنا درست الموسيقا والباليه قبل شروعها في الكتابة الإبداعية. نعم، حازتْ ثين شهادةَ البكالوريوسِ في الرقص المعاصر من «جامعة سيمون فريزر» قبل نيلها شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية من «جامعة كولومبيا البريطانية»، بعد حصولها على منحة دراسية.
سَلَّطتْ مادلين ثين في روايتها هذه الضوءَ على حقبةٍ مظلمةٍ من تاريخ الصين المعاصر حيث قوبلت نتاجات الموسيقيين والكتاب الصينيين بالشك وتعرّضتْ لأقسى أنواع العنف الفكري، وهو الأمر الذي يذكّرنا بما تعرّض له المثقفون والكتاب في بقاع شتى من العالم، من مثل سولجينتسين وباسترناك في الاتحاد السوفيتي السابق، وما عاناه نظراؤهم في أثناء الحملة المكارثية في أميركا في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، حينما كان يجري البحث عن أي دلائل تشير إلى اعتناق الكتاب وكتاب السيناريو والمخرجين والممثلين السينمائيين أفكارًا شيوعية وُصفتْ بأنها «نشاط معاد للمصالح الأميركية». وهذا هو ما عرضه لنا راي برادبري في روايته الشهيرة «451 فهرنهايت»، وللعلم نقول: إن درجة الحرارة هذه هي درجة الحرارة التي تحترق عندها الكتبُ.
على النحو نفسه، ضاعتْ كثير من إبداعات الأدباء والفنانين ومنهم الموسيقيون إبان «الثورة الثقافية» في الصين، حيث تحدثنا الروائية الصينية الكندية كيف أن «المعهد العالي للموسيقا في شنغهاي» قد أُغلق في عام 1966م، في أثناء تلك «الثورة» المقيتة، ودُمرتْ جميع البيانوات الخمسمئة الموجودة فيه ويُجبر سبارو، أحد المؤلفين الموسيقيين المشهورين آنذاك على العمل في «معمل تصنيع الصناديق الخشبية»، ومن ثم في «معمل لصناعة الأسلاك الكهربائية» وبعدها في «معمل لصناعة أجهزة الراديو». ويستمر ذلك عشرين عامًا، يبتعد فيها من شغفه، مرغمًا على الصمت والعزلة ويهيمن عليه الشعور بالحزن والحسرة على ضياع موهبته في زمن يُجبر فيه أبناء الشعب على أن يكونوا كما أراد لهم الحزب، فهو الذي يصوغ حيواتهم كما يشاء، ويُقَوْلِبهم كما يشاء، ويزُجُّهم في السجون بسبب «جرائم سياسية مفبرَكة».
أبدعت لنا مادلين ثين روايةً عابقةً بالمرارة، والألم، واللوعة، والقنوط، والغضب، عن «جمهورية الصين الشعبية»، في «زمن الزهو»، و«الانتصارات الكبرى»، و«الوطن الاشتراكي»، و«الزعيم المحبوب»، «ربان السفينة» الذي سيقود بلاده وشعبه إلى الرخاء والعيش الرغيد، كما كان يزعم.