مجرد كلام: خادم ..للدولة

Wednesday 23rd of January 2019 07:59:23 PM ,
العدد : 4357
الصفحة : الأعمدة , عدوية الهلالي

 عدوية الهلالي

كان الملك فريدريك الثاني يصرح بأنه ليس إلا الخادم الأعلى للدولة ، في وقت كان الناس يعمدون فيه الى تملق الملوك ويخلعون عليهم ألقاباً فخمة ما يملؤهم زهواً وصلفاً ، كقولهم ( مبعوث الله وخليفته ، ومنفذ مشيئته على الأرض) ، لكن فريديريك الثاني الذي اعتبر من أذكى الرجال في أوروبا ولقب ب( معجزة العالم) كان مثقفاً ، رعى الفنون وشجع العلم واكسبته حكمته ومعرفته سمعة طيبة ، وكان يؤمن بأن تلك الالقاب الفخمة ليس من شأنها أن تملأ نفوس الملوك كبراً بل لابد أن تبث في قلوبهم التواضع والخشوع إن كانوا من أهل الفطنة والذكاء وحسبهم أن يشعروا بأنهم مكلفون باداء رسالة ينوء بحملها إنسان ...وهي الحفاظ على حقوق الإنسان ..
من يراقب سلوك بعض المسؤولين في الدول قد يلحظ بعضاً من هذا السلوك فهنالك من يسير بين شعبه بلا حمايات ومن يستقل الباص أو يستلم راتبه من الصراف الآلي إسوة بشعبه ، وهنالك من يعود فرداً بسيطاً يعيش حياة هادئة في مزرعته أو بيته الريفي أو شقته المتواضعة بعد مغادرته منصبه ولايصر على مواصلة مشوار السياسة لمجرد أن يظل مزهوا بحماياته وصلاحياته ..كم نحتاج الى مثل هؤلاء المسؤولين ، ليس المسؤول الذي يدخل منازل المواطنين ليفحص ( مجمداتهم) أو يغدق عليهم هداياه لتصوره الكاميرات متلذذاً بهتافات المواطنين وتبجيلهم له وقد يطلق رصاصات في الهواء تشجيعاً لهم ليمعنوا الاحتفاء به ، وليس المسؤول الذي يقف كتلميذ متواضع أمام ( هوسات) المهوال مستمتعاً بما يطلق عليه من صفات استثنائية ..نحتاج الى مسؤول راضٍ عن أفعاله وماقدمه للشعب وحريص على تنفيذ مطالبهم ومتابعة أحوالهم بتجرد وصدق ..
لقد جربنا نظام الحكم الجمهوري فلم نجد مثل هذا المسؤول لأن الحاكم في هذا النظام يتولى تنفيذ القوانين التي شرعها بنفسه فتقوم إرادته الخاصة في مقام إرادة الشعب ، ومع شيء من استخدام العنف والإرهاب يقابله صمت وخنوع وتأييد وهتافات من قبل الشعب ، يتحول النظام الجمهوري تدريجياً الى حكم استبدادي راسخ فلايزول إلا بثورة طاغية أو تدخل من دولة خارجية ...
ثم جربنا نظام الحكم الديمقراطي ، واثبتت لنا التجربة إنه لايلائمنا لأن إرادة الجميع لاتكون ممثلة لإرادة الجميع حقاً فكل واحد من المسؤولين يريد أن يكون سيداً ، ولابد بالتالي أن يلتف الشعب حول العديدين ويهتف لهم ويتحول مجموع الشعب الى فرق مختلفة الأفكار والتوجهات على الرغم من أن هدفاً واحدا يجمع بين كل تلك الفرق وهو السعي الى تصدر المشهد السياسي وتحصيل المكاسب السياسية والمادية ..وكيف سيزول مثل هذا الحكم ؟...بالثورة الطاغية أم الانقلاب العسكري أم بتدخل الدول الخارجية مرة أخرى لإزالته ...لن يفيدنا ذلك أيضاً لأننا لم ولن نحظى يوماً بحاكم جمهوري أو مسؤول ديمقراطي يمكنه أن يصرح صادقاً بانه ليس الا خادماً للدولة ..والشعب فقط ..