عادل عبد المهدي..هل ينجح بالقبض على حيتان الفساد؟

Wednesday 30th of January 2019 07:40:36 PM ,
العدد : 4362
الصفحة : آراء وأفكار ,

.د.قاسم حسين صالح

الفساد في العراق لا يشبهه فساد في العالم ولا حتى في التاريخ،فوفقاً لصحيفة (واشنطن بوست)فان الفساد تسبب بسوء صرف أكثر من ترليون دولار أميركي خلال المدة من ٢٠٠٣ الى ٢٠١٧ . وإن أحدهم (كمثال) هو مدير شركة التجهيزات الزراعية السابق (عصام جعفر عليوي) المحسوب على احدى القوى الاسلامية الشيعية المشاركة في الحكومة والبرلمان،اعترف للجنة النزاهة بأنه دفع مليار ونصف المليار دينار لنائب سابق لغرض تهريبه(2017). ولا أحد يشهد أن بين المسؤولين الكبار من هو نزيه،بدليل إن رئيس الوزراء الأسبق السيد نوري المالكي أعلن أن لديه ملفات فساد لو كشفها لانقلب عاليها سافلها،وانحاز للفاسدين على حساب الشعب..لثلاثة أسباب:حماية فاسدين من حزبه، ويقينه بأن الشعب عاجز عن أن يفعل ما يخشاه ،ودفع شر خطير في تقديره.ففي لقاء قبل أيام مع مقرّب من السيد المالكي قال: لو إنه أمر بمحاسبة الفاسدين وقتها (كان صارت دمايات)..وفي هذا مغالطة،لأن أكثر من عشرين مليون عراقي،بينهم سبعة ملايين تحت خط الفقر،والمرجعية أيضاً سيكونون معه..فضلاً عن أن سكوته عن نهب مليارت من خزينة الدولة يعد خيانة ذمة كونه المؤتمن عليها.
ومعروف للجميع تصريح السيد مشعان الجبوري لمراسل صحيفة الغارديان مارتن شولوف( جميعنا فاسدون بمن فيهم أنا)..وبمن فيهم حيتان معممون ورجال دين في أحزاب الإسلام السياسي، ومسؤولون كبار سرقوا ملايين الدولارات،وآخرون بينهم ثلاثة وزراء وتسعة مدراء عامين و779 من أفراد عائلات وأقارب مسؤولين في الحكومة والبرلمان (الديمقراطيين!) نهبوا عشرين مليار دولار،لو استرجعت منهم لما بقي في العراق سبعة ملايين آدمي دفعهم تحت خط الفقر من اعتبروا العراق غنيمة لهم فتقاسموه..ولما شكونا من عجز ميزانية 2019بـ(19) مليار دلار وقبلها عجز ميزانية 2018 بـ(11)مليار دولار ،ولما بقيت أغنى مدينة في العالم يشرب أهلها ماءً مرّاً ويتنفسون هواءً عفناً من سواقيها الآسنة.وإن الاستهانة بالشعب بلغت بمن وضعها إنه لم يكترث بمعالجة الحال المزري لأهل البصرة،ما دفع أهل البصرة وبابل بعد يومين من اقرار الميزانية(25/1/19) الى التظاهر واصفينها بأنها (ضحك على الذقون ) وإنها ستذهب الى جيوب الفاسدين،فيما وصفها متخصصون بأنها ستذهب كما ذهبت سابقاتها الى جيوب الفاسدين. ونتذكر هنا ما قاله الراحل أحمد الجلبي تلفزيونياً :(ما دخل العراق بين 2006 الى 2014 من واردات النفط بلغ 551 مليار و800 مليون دولار..فيما بلغ مجموع استيراد الحكومة 115 مليار دولار..طيب..وين راحت الفلوس البقية..وقد وجدنا أن هناك عصابات في البنوك تحميها مجموعات من الفاسدين السياسيين).
ومن شباط 2011 طالب العراقيون بمحاكمة الفاسدين،وهتفوا في ساحات الحرية(باسم الدين باكونه الحراميه)، وحاول بعض كبار المسؤولين العراقيين بقيادة رئيس الوزراء السابق السيد حيدر العبادي وبتشجيع من رجل الدين آية الله علي السيستاني شن حملة ضد الفساد، لكنهم فشلوا..ولم يفِ (العبادي) بوعد قطعه على نفسه بأنه سيضرب الفساد بيد من حديد.
إن تحليل عدم محاسبة الفاسدين،وحيتان الفساد بوصف المرجعية،يقوم على اعتماد آليتين سيكولجيتين:
الأولى:إلهاء الناس بانتاج الأزمات
والثانية:اعتماد سيكولوجيا التغافل
وتحليل ذلك، إن ترويض الناس بتعويدهم على خلق أزمة وخروجهم منها ودخولهم في أخرى على مدى خمس عشرة سنة،فان عقولهم تتبرمج على الخوف والقلق من المستقبل،ويتكيفون نفسياً للواقع الذي يعيشونه، ويلهيهم عن المطالبة بمحاسبة الفاسدين..وهذا ما حصل لغاية انتهاء حكومة السيد العبادي.أما الآن فان السيد عادل عبد المهدي وجد الحال ممهداً الى أن يعتمد سيكولجيا التغافل عن محاسبة الفاسدين بالعمل على تحقيق ما يراه أهم للناس بتوفير الخدمات وإعمار المدن المتضررة.
وللتوثيق فان السيد عادل عبد المهدي أعلن في مؤتمره الصحفي عن تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الفاسدين.ووفقا للمدى (28 /1 /2109) فان هذا المجلس الذي ترأسه (قرر تشكيل محمكة مختصة لملاحقة كبار الفاسدين والمتهمين بعمليات غسل الأموال وهدر وسرقة المال العام..وسيقوم المجلس بطاقمه المكون من جهازي المخابرات والأمن الوطني،وهيئة النزاهة،وديوان الرقابة المالية، ومجلس القضاء الاعلى، والمفتشين العموميين، بمراجعة أكثر من 14 ألف ملف فساد قبل إحالتها الى هذه المحكمة).
إن هذا انتصار للحق ولمبدأ الديمقراطية في تطبيق العدالة الأجتماعية وسيادة القانون.لكن الأحداث علّمت العراقيين إن ما يقوله السياسييون في الإعلام شيء والتطبيق شيء آخر . العراقيون وبالصريح نقول إن السيد عادل عبد المهدي لن يستطيع أن يحقق شيئاً ما لم تكن هنالك إرادة سياسية حقيقية وخطط علمية لمكافحة الفساد..تتولى فتح أخطر ثلاث ملفات فيه:ملف تهريب الأموال،وملف بيع العملة،وملف وزارتي الكهرباء والدفاع.ولنا أن نتذكر إن السيد العبادي استدعى محققين دوليين متخصصين بمكافحة الفساد جاءوا وذهبوا ولا نعرف ما فعلوه..ما يعني إن تغلغل الفساد في أحزاب السلطة يجهض أي تحرك يستهدف حيتانها ما لم يتم اعتماد إجراء قانوني يجرّم كل حزب سياسي يثبت عليه إنه تستر على فاسد يحتل موقعاً متقدماً في الحزب أو السلطة.
ما يجري في العراق يذكرنا بقول لأبن خلدون :حين تنهار الدولة يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدعون والقوالون والانتهازيون وقارعو الطبول والمتصعلكون،وتظهر وجوه مريبة وتختفي وجوه مؤنسة، وتزداد غربة العاقل ويضيع صوت الحكماء.
ولو شهد ابن خلدون ما يحصل الآن في العراق لأضاف:
ويصبح الحاكم سارقا لقوت شعبه،ويشيع الفساد بين الناس ليتحول من فعل كان يعدّ خزياً الى شطارة،وتصبح خزائن أحزاب السلطة مثل جهنم يسألونها هل امتلأت تقول هل من مزيد..ويصبح الناس عاجزين أمام حكّام هم جاءوا بهم ليسلطوهم على مالهم وحياتهم فيدارون انفسهم بالتغافل!..مع انهم لو توحدّوا لأسقطوهم!..غير أن السيد عادل عبد المهدي سيقلب هذه المعادلة الاجتماعية ان استطاع القبض على حيتان الفساد..وسيدخل التاريخ إن فعل!