حول كتاب (السينما الصرفة.. الطليعة 1920-1930)

Wednesday 24th of April 2019 12:00:00 AM ,
العدد : 4417
الصفحة : سينما ,

باريس/خاصّ

من بين جميع حركات الطليعة الفنية، تبقى السينما التجريبية المغامَرة الأقلّ شهرةَ، هناك بالفعل حياة خارج هوليود: خارج السيناريو، هناك تجارب أخرى، وخاصةً حول الاستقبال، والإدراك، تستكشف جميع وسائل اللغة السينمائية، يجد هذا التاريخ مصدره في العشرينيّات من القرن العشرين بفضل فنانين، وشعراء، يمكن أن نصفه بالعشرينياّت الصاخبة.
مارسيل دوشا، لاسلو موهولي ناجي، لوي بونويل، هانز ريشتر، فرنان ليجيه، فرانسيس بيكابيا، لين لي، مان ريه، والتر روتمان، دزيغا فيرتوف، والعديد من الذين ثاروا .
كانوا يعتقدون بأنه لا يمكن اختزال السينما إلى تقنيةٍ تُستخدم لالتقاط الواقع بهدفٍ تسجيلي، أو سرد قصص جميلة خاضعة لقيود صناعة هوليود، وهكذا استحوذوا على الكاميرا لجعل الفن السابع موقع تجارب، مرددين صدى حركاتٍ فنية طليعية أخرى ظهرت في أوائل القرن العشرين.
وبالتناوب، أو في الوقت نفسه، أصبحت السينما مستقبلية، تكعيبية، دادائية، بنائية، تجريدية، سوريالية ... مع الحرية كشرطٍ، وقد جاء هؤلاء الفنانين-السينمائيين غالباً من الفنون التشكيلية، يحركهم طموح استكشاف جميع الإمكانيات التي يوفرها اختراع السينما من أجل تجربة طرقٍ جديدة لمشاهدة الصور، والتفكير فيها.
وعلى سبيل المثال، تمّ التشكيك (كما الحال عند الرسامين) بالمنظور الأحاديّ، أو اعتماد حدود متعامدة للشاشة.
وهكذا تمّ استكشاف إجراءاتٍ غير مسبوقة:
ـ التدخل المباشر على الدعامة السينمائية (الطبقة الحساسة).
ـ مونتاج قصير جداً يعتمد على القطعات في إطارات الصور المنفردة بدلاً من اللقطات المستمرة.
ـ اختراع منظومات عرض جديدة.
ـ جذب مشاركة المشاهد ...
ـ رفض مبدأ التقسيم المهمّ للعمل في صناعة السينما لصالح المشروع الوحيد للفنان.
استفادت هذه التجارب الاستثنائية، والمعروفة بشكلٍ سيئ من الدعم المتحمس، وأحيانا تعاون العديد من الجهات الفاعلة من الطليعيين المهمين، سواء المعروفين كشعراء: أرتو، ماياكوفسكي، ديسنوس، كرافان، فوندان، تسارا..
أو الرسامين : ماليفيتش، فان دوزبيرغ، رودشينكو، ماغريت، إجلينج، شتوكا، أوسمان..
أو الموسيقيين : ساتي، أنتايل، أفراموف، والراقصين (الباليه السويدي).
أو المهندسين المعماريين : ماليه ـ ستيفنز، كيسلر..
يهدف هذا الكتاب (السينما الصرفة، الطليعة 1920-1930) للباحث الفرنسي "باتريك دو هاس" إلى تحليل المسارات المُتفردة التي قادت هؤلاء الفنانين نحو السينما، وحول أبعاد تُميزها، والتي كانت الذريعة السردية تقللّ من أهميتها: الحركة، الإضاءة، الآلة.
يتطرق الكتاب، على سبيل المثال، إلى المناقشات حول "هنري لوي بيرغسون"، و"إيتيين جول ماريه" حول طبيعة (استمرارية/عدم استمرارية) الحركة.
هذه النقاشات الجمالية، والسياسية الحامية التي تدشنها هذه الأفلام، بين تمجيد الأشكال الجديدة، والدعوة إلى أشكال جديدة من الحياة، تقود إلى إعادة تقييم محفزة لمفاهيم الطليعة، والتجريب.
ونفهم بأن هذا التاريخ الذي يستند على أسئلةٍ لم يتمّ التطرق إليها أبداً في سياق الفيلم الروائي، تتوافق مع الفن المعاصر الأكثر حيويةً، وتظل جوهرية لفهم السينما التجريبية اليوم.

• المؤلف "باتريك دي هاس"، محاضرٌ في تاريخ الفن المعاصر بجامعة باريس 1، ويُعتبر أحد أفضل خبراء تاريخ السينما التجريبية، حيث قضى أكثر من عشرين عاماً في هذا البحث، وقدم هنا أكثر الأعمال اكتمالاً حول هذا الموضوع، والأفلام، والمناقشات الجمالية في ذلك الوقت.