كلاكيت: الأستاذ والمجنون

Wednesday 24th of April 2019 12:00:00 AM ,
العدد : 4417
الصفحة : الأعمدة , علاء المفرجي

قصة قاموس أكسفورد

 علاء المفرجي

العلاقة بين العبقرية والجنون، حيث يتميز العباقرة بقدرتهم على إقامة روابط بين أحداث واتجاهات غير متوقعة، والذين يعانون من أمراض عقلية يقيمون روابط غير متوقعة بين أحداث الحياة اليومية..
ووفق هذه النظرية نجد معظم العباقرة في عصرنا الحاضر من النوع الذي يعاني الاهتزازات النفسية . فكيف إذا تجاورت العبقرية والجنون، ليصنعا فتحاً انسانياً كبيراً، حيث العبقري يستمد من عطاء المجنون نتائج غير متوقعة تتوّج المنجز العظيم للعبقري.
في فيلم (الاستاذ والمجنون) 2018 وهو من أفلام السيرة الذاتية، للمخرج الأميركي من أصل إيراني فيرهاد سافينيا والمعد عن كتاب صدر عام 1999، للبريطاني سيمون وينشستر، نتابع قصة قاموس اكسفورد، قاموس الانكليزية الشهير الذي بدأ جمعه منتصف القرن التاسع عشر، لجمع الكلمات الإنكليزية المتباينة في قاموس واحد بدعم من جامعة أكسفورد، ويلعب الممثلان الكبيران ميل جيبسون وشون بين في أول لقاء سينمائي بينهما خلال رحلتها في السينما، ليقدما قصة إنشاء القاموس وسيرتيهما معاً، من خلال عمل الرجلين معاً، الذين جمعتهما المصادفة .. الإسكتلندي جيمس موراي، الذي لعب دوره «ميل جيبسون» وهو المتخصص في قواعد اللغة والمحرر الرئيس فيما بعد لقاموس أكسفورد الإنكليزي، والطبيب الأميركي ويليام ماينور «شون بين»، الذي أمد الأول بكلمات انكليزية، جمعها من قراءاته الكثيرة من داخل زنزانته، وهذه المساهمة كان لها الأثر الكبير في نجاح مشروع موراي.
يبدأ الفيلم الذي استطاع مخرجه منذ اللقطات الأولى أن يستولي على اهتمام المشاهد بألوانه وأماكن التصوير ودقة الإضاءة، يبدأ الفيلم بمطاردة بين الجراح المجنون وشخص آخر، تنتهي بمصرع هذا الشخص على يد المجنون أمام بيته وزوجته التي تؤدي دورها (ناتالي دورمر)، لينتقل بمونتاج متوازي عند (جيمس موراي)، الذي يعيش حياة هادئة مع زوجته وأبنائه، ثم ننتقل بين محاكمة الطبيب المجنون، الذي يتضح إنه مصاب باهتزازات نفسية، ليتم إصدار الحكم عليه بتحويله الى مصحّة عقلية، ولقطات اجتماع موراي مع أساتذة اكسفورد، حيث يتم اختياره بعد تأجيل المشروع أكثر من مرة، كمحرر لإصدار الطبعة الأولى من قاموس اكسفورد، على الرغم من كونه لم ينل تأهيلاً علمياً كافياً.
يباشر موراي بعمله بالطلب من القراء في أنحاء بريطانيا أن يبعثوا إليه بالكلمات التي يتداولونها في حياتهم اليومية من خلال ورقة يرفقها مع كل كتاب، ليصل طلبه ل(ويليام ماينور) الطبيب الأميركي في المصحّة، ليسهم بشكل فاعل بهذا المشروع، بسبب عبقريته في جمع الكلمات وملاحقة أثرها في الكتب القديمة والدينية حيث يزود موراي بأكثر من عشرة آلاف كلمة، ولتنشأ صداقة نادرة بين الاثنين تكون مناسبة للمشاهد بمتابعة منافسة شيّقة في الأداء بين شون بين وميل غيبسون،يقول موراي لماينور: "ربما يجب أن تكتب التعاريف ، وسأكون عديم النفع في رعاية مرضاك... ويرد ماينور: سأجمع أفكاري وأطلق شرارتها من أفكارك... نحن كما الحديد يشحذه الحديد كذلك يشحذ الرجل همة صديقه" حيث يقدم الاثنان خلاصة مهاراتهم بالاداء، الذي يمكن اعتباره حمل العبء الأكبر من القيمة الجمالية للفيلم.
وإضافة الى علاقة الصداقة بين موراي وشريكه المجنون، نقف عند محور آخر وعلاقة إنسانية أخرى في قصة الفيلم، وهي علاقة تناولها المخرج بشكل رائع بين أرملة القتيل (ناتالي دورمر) وقاتله الطبيب المجنون ماينور، التي تبدأ بتخصيص راتبه التقاعدي في الجيش لتربية أولادها، وتنتهي باهداء الكتب إليه وجلبها الى داخل المصحّة.
فيلم (الاستاذ والمجنون) فيلم سيرة ذاتية متكامل، فإضافة الى الإداء العبقري لأبطاله، فإنه توافر على سيناريو مكتوب باتقان وبسرد سلس قام بكتابته إضافة للمخرج تود كومارنيسكي، فضلاً عن أزياء الفيلم وموسيقاه التصويرية ومؤثراته.