خالد السلطاني في كتابه تناص معماري : قـراءة الحـداثة المعـمـاريـة وتعمـيق فـهـم الآخـر

Sunday 28th of April 2019 12:00:00 AM ,
العدد : 4419
الصفحة : عام ,

بندر عبد الحميد

في دراسة موسعة ومدعمة بالصور والمخططات الهندسية يرصد الباحث المعماري العراقي المقيم في كوبنهاغن د. خالد السلطاني تطبيقات اتجاهات العمارة الحديثة في البلدان العربية من خلال الأعمال والمشروعات المتميزة التي نفذها مهندسون أجانب، مع تركيز خاص على تجارب المعماريين الدانمركيين، ورصد اجتهاداتهم في ملاءمة الأنماط المعمارية المختلفة مع البيئة المحيطة بها، وجاءت هذه الدراسة في كتاب "تناص معماري، تنويع على تطبيقات المفهوم" – دار المدى – ويضم الكتاب ثلاثة فصول ومقدمة وخاتمة وملاحق مختصرة.
ويؤكد المؤلف على اهتمامه بفهم "الآخر" وتقبله والاعتراف بمنجزه دون أوهام "لتعميق المعرفة بمنجزنا الثقافي والمعرفي وتقييمه، عن طريق حضور الآخر، وترسيخ نوع من الرؤى المفيدة في موضوعة حوار الحضارات، "تلك الموضوعة التي طالما فسّرت من قبل كثر، مع الأسف، على نحو مخالف، وحتى معاكس، لما يمكن أن تؤديه من مهام، في إثراء المعرفة الإنسانية، بوجه عام، وتنوع خطابها الثقافي بوجه خاص"، ويمكننا أن نلاحظ قلة الكتب والدراسات المنشورة بالعربية حول فن العمارة مقارنة بما ينشر عن الفنون الأخرى.
ويأتي "التناص" هنا، قريباً من المفهوم النقدي الأدبي، فهو لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وتشرّب وتحويل لنصوص أخرى، وتقاطع داخل نص مأخوذ عن نصوص أخرى، وهو يتعدى الجانب الأدبي إلى كل ما أنتجته الحضارة الإنسانية من علوم وآداب وفنون، بما فيها العمارة.
ويطرح المؤلف فكرة أساسية عن إشكاليات التعاطي مع الآخر، معمارياً، يمكن أن تنسحب على كافة وجوه الثقافة والفنون، وهي أن منطقتنا نالت اهتماماً خاصاً من الغربيين، لأنها الأقرب إلى قارتهم، ولأن معظم دول المنطقة كانت خاضعة للنفوذ الاستعماري، والمركزية الأوروبية، وبرزت في أكثر هذه البلدان قوى تدعو إلى القطيعة مع الغرب، في سعيها إلى تثبيت الهوية الوطنية والقومية، ولم تجد وسيلة لبلوغ هذا الهدف سوى الارتداد إلى الماضوية، التي وصلت إلى طرق مسدودة، وتناقض حاد مع المفردات اليومية للبناء المعرفي، الذي تشكل معظمه من المعارف والعلوم الغربية، كما تشكلت من تلك العلوم معظم المؤسسات الاقتصادية والسياسية والتعليمية والبنى التحتية لهذه البلدان.
وارتبطت بعض المشروعات المعمارية المنفذة، أو غير المنفذة، بأسماء معماريين كبار من رواد الحداثة في العمارة الغربية مثل والتر غروبيوس، ولوكوربوزيه، واتسمت تلك المشروعات بالفرادة والتميز.
ويرصد المؤلف عشرات التجارب والمعالم المعمارية في وجوهها المختلفة، حيث يأخذ العمل المعماري أهميته من القيمة الجمالية والقيمة النفعية معاً، ولكل من هاتين القيمتين تفاصيل يبحث عنها المؤلف ويقرأ ملامحها بإمعان، ومن أهم تلك المعالم أبراج الكويت ومبنى مجلس الأمة الكويتي، وبرج الفيصلية ومبنى وزارة الخارجية في الرياض، ومطار الحج في جدة، وبرج العرب في دبي، ومجمع جامعة بغداد، ومكتبة الإسكندرية، والمتحف الوطني في البحرين ومشروعات مختلفة في تونس والجزائر، إضافة إلى توصيف وتحليل مخططات مشروعات عمرانية لم تنفذ في لبنان وبغداد وجدة.
ويمكننا أن نلاحظ إن هذه النماذج المعمارية المختلفة لم تخضع لشروط علم الجمال الكلاسيكي الذي ساد في المفاهيم الغربية لفترات طويلة، فهي مشغولة بالتوافق مع أجناس إبداعية أخرى من الفنون البصرية وإيقاعات الفنون الشعبية وتكوينات العمارة المحلية وطبيعة المناخ، مما يعطيها صفة العمارة المهجنة والمخصّبة، الموجهة نحو تأكيد خصوصية المكان، مع ما تحمله من ملامح غرائبية أحياناً.
ويأتي هذا الانزياح الغربي نحو الجنوب بسبب قلة أعداد العاملين في تقنية العمارة والنقص في الخبرات المهنية، في مجالات التصميم والتنفيذ واستخدام التقنيات الحديثة، كما أن للوفرة المالية في الدول النفطية أثراً بارزاً في تمويل المشروعات المعمارية المكلفة.
ويأخذ التناص المعماري أهمية خاصة في أدبيات النقد المعماري الحداثي، فهو يثري المرجعية الفكرية لكبار المهندسين بقيم معمارية مختلفة ويقدم للمهندسين المحليين أمثلة ملموسة تضاف إلى ما هو مألوف لديهم، ويضعهم أمام التطبيقات الناجزة للخطاب الحداثي في المشهد المعماري المحلي والعالمي.