القناع «الوجه» في كتاب هايدن هيريرا سيرة حياة فريدا كاهلو

Wednesday 15th of May 2019 12:00:00 AM ,
العدد : 4431
الصفحة : عام ,

مروان ياسين الدليمي

■ عام 1983 صدرت باللغة الإنكليزية الطبعة الأولى من كتاب «سيرة حياة فريدا كاهلو» وهو باكورة مؤلفات مؤرخة الفن هايدن هيريرا المولودة في المكسيك، المختصة في كتابة السير الذاتية للفنانين، وفي عام 2019 صدر الكتاب باللغة العربية عن دار المدى حيث تولى ترجمته علي عبد الأمير صالح ، وبهذه النسخة مُنِحَ عشاق الفن في العالم العربي فرصة ثمينة لمعرفة جوانب خفية ومدهشة من حياة الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو (1907- 1954)، التي عدتها المؤلفة أكثر الشخصيات حيوية في النهضة المكسيكية الحديثة، حتى أن أندريه بريتون، كان قد وصفها بأنها رسامة سريالية بعد أن غلبت نزعة فانتازية فطرية جميع لوحاتها.

أصول العائلة
والدها مصور فوتوغرافي محترف كان في بداية شبابه عندما وصل إلى المكسيك قبل ولادتها بثلاثة عشر عاماً، قادماً من ألمانيا، والسجلات الرسمية تشير إلى أن والديه ياكوب هنريش كاهلو وهنرييته كاوفمان من اليهود الهنغاريين، هاجرا إلى ألمانيا واستقرا في مدينة بانبادن التي شهدت ولادة ابنهم فيلهلم عام 1872 والد فريدا كاهلو الذي سيغادر إلى المكسيك عام 1890 ويغير اسمه إلى غويلير موكاهلو ويتزوج من امرأة مكسيكية عام 1898 لكنها توفيت بعد أربعة أعوام أثناء ولادتها ابنتها الثانية، وتالياً وقع في غرام ماتيلدا كالديرون، وهي ابنة جنرال إسباني، لم ينتظر طويلاً حتى تزوجها وأنجبت له فريدا.

حادث إصابتها
عند قراءة سيرة فريدة كاهلوا لابد أن تستحوذ المعاناة الجسدية التي كابدتها إلى آخر لحظة من حياتها، ففي السابع عشر من سبتمبر/أيلول 1925كانت في ربيعها الثامن عشر حين اصطدمت الحافلة التي كانت تأخذها إلى منزلها بترام في مكسيكو سيتي، فاخترقها من الخلف قضيب معدني وضغط عليها بقوة خلال تحطم الحافلة، فكسر عمودها الفقري، وسحق حوضها، وكسرت إحدى قدميها، ومنذ ذلك اليوم إلى ساعة وفاتها بعد تسعة وعشرين عاما عاشت مع الألم، وسبّب لها حوضها المهشم لاحقاً عددا من الإجهاضات. هذه المعاناة تركت أثراً عميقاً في ذاتها، فسعت بكل قوة إلى أن ترسم حقيقتها «إن الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني أرسم لأنني أريد أن أفعل ذلك، وأنا أرسم دوماً كل ما يخطر في بالي من دون أي اعتبار» .

مُلهِمة النساء المكسيكيات
تشير مؤلفة الكتاب إلى أن ما مرّ في ذهن فريدا وما توغل إلى فنها مِن أكثر التخيلات إثارة في القرن العشرين، فقد رسمت نفسها وهي تنزف وتتصدع، ثم حوّلت وجعها إلى فن يحمل صراحة استثنائية خففتها بحس الفكاهة والفانتازيا، فكانت مميزة وذاتية، وسيرتها في مجال الرسم تتمتع بقوة خاصة تشد الناظر، ولكي تنقل وحدة معاناتها الجسدية والعاطفية، رسمت نفسها معزولة إزاء سهل عميق وقاحل، ولم تكن الغربان التي تقتحم المشهد الطبيعي إلا استعارة لجسدها المثخن بالجراح، كصحراء محرومة من قدرتها على صنع الحياة.
حاولت هيريرا في قراءتها النقدية تشريح ذاتها فهي ليست قديسة من وجهة نظرها، لأنها تقيّمُ وضعها بعلمانية متمردة، وبدلا من التضرع للسماء من أجل السلوى، تحدق أمامها مباشرة، كما لو أنها تتحدى نفسها في المرآة، وكذلك جمهورها، كي يواجهوا «أي نفسها وجمهورها» مأزقها من دون سخرية، ومثلما تفعل في الرسوم الكثيرة عن السيدة العذراء في المكسيك كانت الدموع تنقط على خديها، إلا أن ملامحها ترفض البكاء، فتبدو مثل قناع وثنٍ هندي، كما إنها كانت تعرض جراحها مثل قديس مسيحي شهيد، حيث تستخدم الألم الجسدي والعري والشؤون الجنسية لتكشف رسالة معاناتها الروحية، وهذا يعني من وجهة نظر هيريرا، أن القوة والتوكيد على المعاناة سادا معا رسوماتها، وحين كانت تظهر نفسها جريحة وباكية فهذا مرادف لابتهال رسائلها، ابتهال جروحها المعنوية والجسدية، إنها صرخة من أجل لفت الانتباه، ومع ذلك حتى أشد الصور الذاتية إيلاما لم تكن تدفع المرء لسفح الدمع أو الإشفاق على الذات، لأن كبرياءها وقوة عزيمتها في تحمل الأشياء كانتا واضحتين في عربتها الفخمة اللائقة بملكةٍ، وتضيف هيريرا أن هذا الخليط من الصراحة والمكر من التكامل واكتشاف الذات، هو الذي منح صورها الذاتية إلحاحها الخاص، وقوتها الفولاذية الممكنة التمييز. وفي هذا السياق فسرت إحدى الفنانات المكسيكيات تبجيلها لها قائلة "جسدت فريدا كل مفهوم الثقافة بالنسبة للنساء المكسيكيات الأميركيات، لقد ألهمتنا، حيث لا يوجد في أعمالها الإشفاق على الذات، فهي تمتلك القوة" .
حاولت هيريرا في قراءتها النقدية تشريح ذاتها فهي ليست قديسة من وجهة نظرها، لأنها تقيّمُ وضعها بعلمانية متمردة، وبدلاً من التضرع للسماء من أجل السلوى، تحدق أمامها مباشرة، كما لو أنها تتحدى نفسها في المرآة.
في عام 1929 أصبحت الزوجة الثالثة لرسام الجداريات الشهير في حينه دييغو ريفيرا، فتعبر المؤلفة هيريرا عن إعجابها قائلة يا له من ثنائي هذا الذي كوناه! كاهلو الصغيرة الحجم والعنيفة، وريفيرا البدين المتهور الذي كان يعمل ساعات وساعات حتى كان لديه الاستعداد أن ينام على السقالة، وتحول منزلهما في مكسيكو سيتي بمثابة قبلة المثقفين والمفكرين العالميين، بدءا من بابلو نيرودا وأندريه بريتون وسيرغي أيزنشتاين، وكذلك ليون تروتسكي بعد أن لجأ إلى المكسيك عام 1936 وتم استضافته في بيت والدها، فسقط هو الآخر في غرامها، واتسعت دائرة صداقاتهما لتشمل، قائمة عريضة من نجوم السينما والسياسيين ورجال أعمال مشهورين، مثل هنري فورد زعيم الصناعة الأميركية، ونيلسون روكفيلر، ودولوريس ديل ريو أول نجمة كبيرة في أمريكا اللاتينية تعمل في هوليوود.
أما عن طبيعة العلاقة التي كانت تجمعها مع زوجها، فهنالك إسهاب حول خصوصيتها، إذ لم تكن في فنها تتنافس، معه ولم تذعن له، ولم يكن يتردد في أن يقول عنها إنها أفضل منه، وهناك عدد غير قليل من النقاد كانوا يشعرون بأنها الرسامة الأفضل، وبهذا الخصوص دائما ما كان يتباهى زوجها برسالة مهمة كان قد استلمها من بابلو بيكاسو يقول فيها: «لا أنا ولا حتى أنت نستطيع أن نرسم رأساً من مثل تلك الرؤوس التي ترسمها فريدا» .
أما عن لوحاتها وما كانت تحمل من ملامح فنية، فقد اتسمت بأنها صغيرة الحجم، بقياس 15 × 12 بوصة، وهذا شيء ليس بالغريب، وقياساتها تناسب حميمية موضوعاتها، كما أنها تضع ضرباتها اللونية الرقيقة بعناية، ولأنها جعلت الفانتازيا في لوحاتها مقنعة عبر بلاغة واقعية، فقد احتفى بها السيرياليون في ثلاثينيات القرن الماضي أمثال خوان ميرو وكاندنسكي وتانغوي.

الرسم تحكُّم بالعالم
قبل أن تتعرض إلى حادث الاصطدام كانت تطمح إلى أن تدرس الطب، إلا أن الفترة الطويلة التي رقدت فيها على السرير، أرغمتها على أن تتحول كلياً إلى الرسم كشكل من أشكال الجراحة النفسية. فكانت رسومها محاولة منها أن تجعل الشعور المؤلم معروفا للآخرين، فقَلبَت جسمها ظَهراً على عقب، وكشفت أسراره، وأظهرت عمودها الفقري المكسور كما لو أن لخيالها قوة رؤية الأشعة السينية، أو الحافة القاطعة لمشرط الجراح، وهنا تعلق إزاء إصرارها على رسم ذاتها "أنا أرسم نفسي لأنني وحيدة في كثير من الأحيان، لأنني أنا الموضوع الذي أعرفه أكثر من المواضيع كلها" .
تجد هيريرا في أسلوب كاهلوا بسبب الحادثة التي تعرَّضت لها، أنها عندما ترسم الفاكهة والأزهار فهي ترسمها من خلال العدسة المرشحة لذاتها "كان هاجسي أن أبدأ ثانية، أن أرسم الأشياء، كما أراها بعيني ولا شيء أكثر، بينما غيرت الحادثة مسار حياتي، أشياء كثيرة منعتني من تحقيق رغباتي التي يعدها الجميع رغبات طبيعية، وبالنسبة لي لا شيء يبدو طبيعيا أكثر من رسم ما لم يتحقق" .
وفي سياق رؤيتها لعالمها الذاتي تصل هيريرا إلى أن الرسم بالنسبة لفريدا يمثل معركتها من أجل الحياة، كما أنه لا ينفصل عن إبداعها الذاتي في فنها.
أما التقديم الذاتي المسرحي الذي دمغ حضورها في الحياة العامة، فقد كان وسيلة من وسائل التحكم بعالمها والسيطرة عليه، كلما كانت تستعيد عافيتها بعد كل انتكاسة جسدية تتعرض لها بين فترة وأخرى. وهنا تقول عنها صديقتها الحميمة المصورة الفوتوغرافية لولا الفاريز برافو: «فريدا ماتت أثناء الحادثة، فالنزاع بين الفريداتين كان يثوي في أعماقها على الدوام، إنه النزاع بين فريدا الميتة وفريدا التي كانت على قيد الحياة». وتضيف أيضا "بعد الحادثة حصلت ولادة ثانية، تجدد حبها للطبيعة، والشيء عينه ينطبق على حبها للحيوانات، وللألوان والفاكهة، ولأي شيء جميل وإيجابي من حولها" .
لاحظت مؤلفة الكتاب أن فريدا في داخلها كانت تعيش صراعاً داخلياً، فهي مرغمة على أن تخفي معاناتها عن أفراد أسرتها وأن تبدو على عكس حقيقتها الداخلية "لا أحد في منزلي يصدق أنني عليلة فعلاً، بما أنني حتى لا أستطيع أن أقول هذا لأن أمي وهي الوحيدة التي تحزن حزناً قليلاً، التي تمرض، وهم يقولون أن مرضها بسببي، وإنني وقحة جداً، وبناء على هذا فأنا ولا أحد سواي هو الذي يعاني" .
تختصر هيريرا قناعتها حول شخصيتها فتقول عنها، أضحى دور المعذبة قوية الإرادة جزءاً متمماً من فريدا، بمعنى بات القناع هو الوجه.