دولة المؤسسات لا دولة الافراد والاحزاب

Saturday 9th of April 2005 07:55:43 PM ,
العدد : 357
الصفحة : مقالات رئيس التحرير , فخري كريم

فخري كريم

بعد أيام سيعلن المكلف برئاسة الوزراء السيد ابراهيم الجعفري تشكيل الحكومة والاعلان عن اسماء اعضائها . هذه الخطوة المهمة تشكل تتويجاً لعملية سياسية معقدة جرت في بلدنا

بعد عامين من سقوط النظام. يهمنا هنا ان نؤكد على ان الديمقراطية الوليدة في العراق لا تمتلك تقاليد رصينة بعد، من هنا نجد ان القيمة السياسية والمعنوية للاشخاص تسبق، أو تحظى بأهمية اكبر، من الوزارات والمؤسسات ، من حيث الآلية والتنظيم والصيرورة الموضوعية لها. ودعونا نوضح هذه النقطة أكثر، فقد جرى في العراق، تبديد ما يسمى بـ (الطبقة السياسية) لمصلحة اشخاص بعينهم، ثم جرى الحط من القيمة المؤسساتية لدوائر الدولة لمصلحة الاشخاص، وقد جرّ هذا الخط المشؤوم إلى تسليم شخص واحد كل شيء، وبات اشبه بالمعبود، الذي بيده مفتاح المخرجات والمدخلات في الاقتصاد والسياسة والثقافة وكل شيء يدب على ارض العراق.

نظن ان هذا المثال معروف جداً، وقد كلفنا غالياً، واليوم فان الدستور المؤقت، والدستور القادم، يحدّان من مثل هذه الامكانية لولادة دكتاتورية جديدة، والسؤال القائم اليوم هو كيف نمنع ظهور تقاليد يصبح فيها الاشخاص المسؤولون يمارسون ادوارهم بمعزل عن طموحاتهم وطموحات احزابهم؟، وكيف نجعل الاشخاص، مهما كانت سماتهم الكارزمية، يمارسون عملهم بوصفهم جزءاً من نظام كامل تنطلق مرجعياته من آليته الموضوعية، ومن استقلاليته المؤسساتية، وليس من المزاعم والمصالح الحزبية الضيقة؟

لا نسأل هذا السؤال من منطلقات احترازية فقط، بل عن تجربة اداء الوزارات والمؤسسات طيلة السنتين الماضيتين. فقد راينا كيف ان بعض الوزراء عمدوا إلى تحويل وزاراتهم إلى ما يشبه المكاتب للأحزاب والطوائف التي ينتمون اليها.

وملأوها بأعوانهم واصدقائهم واخضعوها إلى تصورات وآليات ضيقة.

ان انطلاق العمل الحزبي الحر هو واحد من مكاسب الديمقراطية الوليدة، لكن على المناضلين في هذا الحزب أو ذاك ان يفرقوا بين العمل في الدولة والعمل في الاحزاب، فدولة تخضع لتوجيه واحد، وتأتمر بمصالح حزبية ضيقة لن تستطيع ان تؤدي مهماتها في خدمة المواطنين.

في البلدان الديمقراطية تعمل الدولة بمعزل عن هذا الحزب الذي فاز بالانتخابات، أو هذا الحزب الذي خسرها، فالافراد يتغيرون، تنزع عنهم صلاحياتهم أو اهليتهم أو يموتون، أو يمرضون ، أو يستقيلون ، والاحزاب تموت أو تتطور ، تخسر أو تربح، وفي كل الاحوال، يبقى النظام الديمقراطي محافظاًٍ على آلياته ومستقلاً عن الاشخاص والقادة والمسؤولين. من هنا نطلق على هذا النظام بانه مؤسساتي، واكثر من هذا، تعددي.

الاشخاص يتغيرون، وادوارهم المبنية والمعرّفة تعريفاً جيداً مستقرة، لكن إذا ما شعر بعض الاشخاص ان الدور المؤسسي هو مجرد ملحق صغير به أو بحزبه، وقام بتغيير هذه المعادلة ، فعلى الدولة بوصفها طرفا في العقد الاجتماعي، وحامية لمصالح المجتمع، ان تقف ضد هذا التوجه، وتقيم الحد، وتحمي المجتمع