أبرز اعمال أسطورة الهندسة المعمارية العراقية الراحلة زها حديد

Saturday 10th of August 2019 01:45:24 PM ,
العدد : 4487
الصفحة : فديوهات ,

د.خالد السلطاني 

ثمة شعور خاص واستثنائي، ينتاب المرء، عندما يجول في فضاءات واقعية، سبق وان تعرف عليها افتراضا ً عبر مخططات معمارية مشغولة هي ايضا بشكل استثنائي. وهذا ما يحس به زائر التوسعة الجديدة لمتحف " اودغوبغو " Ordrupgaard، الواقع في شمال ضواحي العاصمة الدانمركية – كوبنهاغن، والمصمم من قبل المعمارية العراقية الاصل ذات الشهرة العالمية:

 

 

" زها حديد ". وقد جرت مراسيم حفل انتهاء بناء التوسعة وتدشين افتتاحها يوم 30 آب (اغسطس) 2005، بحضور ملكة الدانمرك " مارغيته الثانية "، وبمشاركة المعمارية المشهورة نفسها.

ومعلوم، ان " زها حديد " في جميع مشاريعها تتكأ في مقارباتها التصميمية على استراتيجية " التفكيك Deconstruction "، تلك الاستراتيجية التى تدرك الفضاء المصمم و " غطاءه " معا ً، كقيمة تصميمية مميزة،تفضي الى تشكيل هيئات معمارية غير عادية " تتلبسها " حركة موارة، تحيل تلك الهيئات الى محض كتل، تندمج فيها وظائف مفردات الانشاء فيما بينها، وتتلاشي خصوصيتها، ويتأسس هذا الادراك على قاعدة التفسير الذاتي والتأويل الشخصي لمجمل البرنامج التصميمي للمنشأ المصمم، مع الاهتمام بخصوصية المكان، ومن ثم ترجمة كل ذلك الى رسومات تخطيطية تقود لاحقا الى تشكيل نماذج تصميمة عديدة. ومن خلال الاشتغال على هذا الاسلوب، فانها نجحت في دمج متطلبات برنامج " التوسعة " المتشعب نوعا ما، للخروج بهيئة معمارية نادرة حافلة بحضور اسلوب " انسياب " الفضاءات بصورة معبرة وجريئة. وفي النتيجة فنحن امام بلاغة متقنة لصياغة معمارية لامعة،" ليس فقط لجهة الاحساس بها لذاتها، وانما ايضا لجهة ارتقاء بالامكانات غير العادية، المرتبطة باسلوب عرض اعمال المتحف الفنية."؛ وفقا لتقييم احد النقاد المعمارين الدانمركيين.

... عندما اخبرني المعمار العراقي الراحل " عبد الله احسان كامل " في النصف الاول من عقد الثمانينات، بانه اطلع مؤخرا، على مخططات مشاريع " زها حديد "،المـُعارة اليه من قبل والدها، الشخصية السياسية العراقية المرموقة " محمد حديد "،، كان ذلك اول " معرفة " لي بعمارة " زها"، واسمها، التى ستضحى لاحقا وسريعا من ابرز رموز العمارة العالمية. كان الانطباع الاولي الذي خرج به احد مؤسسي العمارة العراقية الحديثة الاساسيين، بان رسوم مخططاتها لا يمكن ادراكها بسهولة... وفي حينها نزلت عليّ كلماته كالصاعقة!. اذ كيف يمكن لمعمار متمرس، واستاذ قدير كعبد الله احسان كامل، عالي الثقافة وخريج " هارفرد " المشهورة، ان يجد مشقة في قراءة مخططات معمارية؟؛ وماهي طبيعية تلك الرسوم التى يتعذر " فك " شفرتها؟. ورغم احساسنا باننا كنا في العراق، وقتذاك، وبسبب سيطرة النظام الديكتاتوري التوتاليتاري، معزولين تماما، عن ما يدور في " الورشة " المعمارية العالمية المجاورة، من شيوع مفاهيم وتحقيق منجزات، ذلك لان الجو المهني والعلمي كان " مترعا " بجدب ثقافي عميق، يزيده ترسيخا ً، سلوك " الاباء " الجدد الغارقين في اميتهم، والاتين من قيعان الارياف الرثة، والمتبوؤيين لاعلى المناصب القيادية في الدولة العراقية؛ رغم ذلك الاحساس بالعزلة، فقد كان عصيا ً علي ّ " هضم " قبول حادثة " عدم القدرة " في فك طلاسم المخططات اياها. الامر الذي شوقني كثيرا للاطلاع على تلك المخططات،وامتحان قدرتي في " قراءة " رسوم لا يمكن بسهولة قراءتها، وهو ما وفره زميلي الراحل لي سريعا. 

واذكر بان قسما من المخططات كانت خاصة بمسابقة " نادي على قمة جبل " في هونك كونغ (1982-83)، والتى اعلن مؤخرا في حينها، فوز المصممة فيها. كانت المخططات فعلا مرسومة باسلوب غير تقليدي، اسلوب تتداخل فيها رسوم المخططات الافقية للطوابق المتعددة مع مقاطعها ومناظيرها؛ ويتم فيها عرض اسلوب معالجات الواجهات المختلفة بنظرة واحدة، وكل ذلك مشغول على خلفية رسوم " كنتورات " تضاريس الموقع، المؤشرة بخطوط متعرجة، داخلة وخارجة!.

لم يكن اسلوب رسم المخططات لوحده امرا غريبا، اذ بدت العمارة ذاتها انجازا فريدا واستثنائيا، انجازا يطمح لان يكون متساوقا مع طبيعة متغيرات فلسفية ومهنية طرأت على المشهد الابستمولوجي المعاصر. واذ تتوالى نتاجات زها حديد لاحقا، مع نتاج معماريين آخرين، فان مرحلة جديدة لعمارة غير مسبوقة بدأت ارهاصاتها تظهر معلنة بوضوح عن تلامس الفعالية المعمارية لتخوم ابداعية، لم تكن مفرداتها متداولة اصلا ولا معروفة مسبقا لدى المصمميين. وها انا الان، اقف في" لجة " الحيز الواقعي لتصميم نادر التنفيذ، من تلك المشاريع العديدة التى عكفت" زها " على تصاميمها في الفترة الاخيرة، وباتت اغلبها رسوما ورقية غامضة وملتبسة، لم يكن من السهل " قراءتها "، ناهيك عن محاولة تنفيذها. اقف، اذن، في منتصف فضاء متحف " اودغوبغو "؛ مستذكرا ً احساسي الاولي، ذلك الاحساس الذي شابته الدهشة، عندما اطلعت لاول مرة، على اسلوب مخططاتها في الثمانينات، واستمرت متابعتي، لاحقا، لنشاطها المهني عبر مقالات نقدية سعيت من وراءها الى اضاءة منجزها المعماري، مقدما اياه الى القارئ العربي، كاسرا، في الوقت عينه، حاجز الصمت الذي لف ّ نتاجها في ادبيات النقد المعماري العربي. 

ورغم فرادة الحدث التصميمي الماثل امامي، واهميته في المسار التطوري للعمارة المعاصرة، ورغم اني بتُُ شاهدا ومستخدما في آن، لتلك العمارة المثيرة لنقاشات صاخبة؛ فقد وددت ان استثمر وجودي الفعلي، غير الافتراضي، في فضاء المتحف الواقعي، لاختبار صدقية اطروحة عمارة التفكيك، التى تعتبر " زها " واحدة من ممثليها الاساسين، بقراءة " نص " عمارتها باسلوبين، احدهما يقف بعيدا عن الانقياد لتبعات ضغوط التصورات المسبقة، والتسليم بصوابية مناهج النقد الحديث المفسرة (والمبررة.. ايضا ً) لتلك العمارة؛ والاسلوب الثاني الاستعانة باطروحة التفكيك، وما تفرزه من مفاهيم غير مسبوقة، تؤسس لعمارة مخالفة: عمارة ما بعد الحداثة. بكلمات آخرى، نشدتُ تعقب عمل عواقب الفكر التصميمي الذي تظهره رسومات تخطيطية ذات نفس تشكيلي ملتبس، كانت دوما تتجنب الالتزام بمعايير القراءة المبسطة.

ويتعين عليّ قبل الشروع برصد التأثيرات الحسيّة التى تولدها عمارة المبنى، ان اذّكرّ بمسار التصميم ومتطاباته. ففي مارس من عام 2001، نظمت وزارة الثقافة الدانمركية مباراة معمارية مغلقة لتوسعة " متحف اودغوبغو ". وقدرت مساحة التوسعة بـ 1.150 مترا مربعا لاضافة قاعات عرض جديدة، منها 254 مترا مربعا مخصصة الى المعارض الخاصة، ومثلها من الامتار لعرض المقتنيات الدائمية للمتحف، كما توخت التوسعة تأمين تسهيلات اضافية الى الجمهور وتأمين فضاءات الى بهوالمتحف، بالاضافة الى تأمين 220 م2 مخصصة الى فضاءات مقهى مع خداماته، و قاعة متعددة الاغراض.

دُعيت سبعة مكاتب استشارية للمشاركة في المسابقة المعمارية، منها ثلاثة مكاتب دانمركية (بضمنهم مكتب هنينغ لارسن – معمار الدانمرك الاول، ومصمم مبنى وزارة الخارجية في الرياض بالسعودية 1981-84)، ومكتب " زها حديد معماريون" من لندن، ومكاتب من فرنسا وهولندا والمانيا. ومنحت لجنة التحكيم بالاجماع، في 28 ايلول 2001 مقترح " زها " المرتبة الاولى " واعتبرته احسن تقديم ضمن التقديمات السبعة، واوصت بتنفيذه على ان يراعي التصميم مقترحات اللجنة، فيما يخص النواحي الوظيفية والتقنية. وفي 6 تشرين الاول 2003، تم وضع حجر الاساس للمبنى ايذانا ببدء عمليات التشييد، التى اكـتملت بافتتاح توسعة المتحف في 30 آب < اغسطس > 2005، كما اشير سابقا ً. 

لا يشعر المرء وهو داخل " حيز " توسعة المتحف الجديدة بان الفضاء الذي يحيطه هو فضاء مألوف وعادي؛ وفقا لاشتراطات مفاهيم الاسلوب الاول، الذي حددنا خصائصه توا. ومرد هذا الشعور " الغريب " يعود الى اسلوب وضعية العناصر التركيبية واشكالها التى تغلف ذلك الفضاء وتحدده. فليس ثمة " الواح " جدران في كل التوسعة تنهض باستقامة. وماعدا استواء ارضية فضاء قاعات العرض (التى يصل الزائر الى اقسامها،ايضا، عبرمراقي بارتفاع خفيف)، فان عناصرالتوسعة الانشائية، بضمنها سطوح السقوف المائلة، تخلو تماما من حالة استخدام زوايا قائمة، تعبيرا عن تغاضي المصممة وانكارها " لولع " الاخرين في انتقاءهم و <.. اكتفاءهم > بزاوية واحدة ووحيدة، هي زاوية 90 درجة، من مقياس مجموع 360 زاوية آخرى تعرفها الهندسة الاقليديسية المألوفة، كمـا تصرح بذلك المصمـمة جهارا ومرارا. 

تخلق طبيعة الفضاء المصمم احساسا حافلا بالتشويش والارباك لدى المتلقي، مقارنة مع تصوراته المسبقة عن طبيعة حجوم الاحياز المعتادة. فلا يعرف على وجه الدقة حدود وابعاد الفضاء الذي يتحرك فيه؛ كما ينتج عن تماثل سماكة الجدران الحاملة مع ثخانة القواطع الفاصلة،التى تقطع الفضاء بشكل اعتباطي ومفاجئ، ينتج فقدان امكانية التوجية او الدلالة في تلك الاحياز،الامر الذي يفضي الى الاحساس بالمتاهة، رغم صغر تلك الفضاءات وتواضع ابعادها. كما يترك الممر الطويل نوعا ما، الرابط بين بهو التوسعة الجديد وفضاءات المقهى والقاعة المتعددة الاغراض (والتى ستدعى الان " قاعة زها حديد "، اكراما للمعمارية المعروفة)، يترك احساسا مربكا لجهة عدم تيقن الزائر فيما اذا كان لايزال يسير داخل الحيز المصمم ام خارجه، بسبب نوعية القرار التصميمي الجرئ الذي يجعل جانب الممر باكمله من الاعلى وحتى الاسفل مزججا وشفافا مكتنزا باشكال القواطع ذات الخطوط المائلة.

لا تمنح المصممة زائر المتحف خيارات عديدة لجهة تهيئته نفسيا ً ومكانيا ً لحدث العبور من المبنى الجديد الى القديم. فالاتصال بينهما يتم بغتة ً: سريعا ومفاجئا ً؛ لا يترك للزائر فرصة التأقلم مع تغاير اجواء فضاءات نوعية العمارتين المتناقضتين والمتجاورتين. ويذكر صدفوية اسلوب تلاقي الجديد مع القديم في مبنى متحف " اودغوبغو " بالتصاق خرطوم المسافرين الناقل مع طائرة جاثمة. ويتعزز حضور هذا الشعور من خلال قرار المصممة مد ّ كتلة جانبية من " جسم " المبنى الجديد نحو القديم، وتعليقها بتفريغ ما حولها من بناء، وحتى حفر اسفل ذلك الامتداد الكتلوي، والذي توظفه المصممة كمدخل خدمي وخاص لقسم الخدمات الواقع في طابق التسوية. 

ويظل، في رأي، الجهد المبذول في تصميم قسم الخدمات جهدا متواضعا، ولاسيما ما يخص فضاءات خدمات المقهى كالمطبخ وملحقاته، التى لم يعرها التصميم اهتماما زائدا، فجاءت حلولها غير مكتملة، وفضاءتها ضيقة ومحشورة ومتسمة بعدم الكفاءة الوظيفية. ولا ادري، لماذا ذكرّتني " حيرة " عامل المطبخ، ذي الملامح شرق اوسطية الذي قابلته في الاسفل، عند المطبخ، اثناء تجوالي في المبنى، واستغرابه لدوافع تصميم مثل هذه الاحياز غير المريحة والمجحفة بحقه، ذكرتني " بعذابات " احياز غاسل الصحون بطل رواية < Down and Out in Paris and London > لـ " جورج اوريل "، التى ترجمها سعدي يوسف بعنوان " متشردا في باريس ولندن"!. لم اشأ ان اخبره بان صاحب التصميم، ربما يكون احد مواطنيه، وتركته يتحدث مع زميله الدانمركي، الذي افصح الاخير صراحة ً عن عدم " سعادته " للعمل مع هكذا احياز!. 

بيد ان انجاز التصميم الحقيقي ما فتأ يكمن في نوعية اختيار المعالجات الكتلوية الخارجية لتوسعة المتحف، وتحديد اشكالها الملتوية الانسابية وتموضعها في الموقع المختار. وربما كان تحقيق صياغات كتلوية خارجية نادرة في لغتها المعمارية، هو الباعث الرئيس لخلق مثل الفضاءات الداخلية التى رأيناها سابقا والمتسمة على قدر كبير من اللانظلم والتشويش الهيئاتي.

لا تود تكوينات كتل توسعة المتحف، المرئية بوضوح على خلفية المشهد الحدائقي المحيط بها، ان تنقاد لاية مرجعية " فورماتوية " سابقة، ذلك لانها تتوق لتأسيس ذائقة جمالية جديدة، ذائقة معتمدة في خصائصها على قطيعة معرفية تامة، لما كان يعرف بجماليات الحداثة. ومع ان القطيعة قائمة بين ما كان مألوفا وشائعا، وما هو مرئي؛ فان الذاكرة البصرية ما انفكت تعمل على تجميع تماثلات تصميمية، غايتها تبيان اهمية الحدث المرئي، والمقارنة فيما بينهما، بحيث تكون عمارة التوسعة احد طرفيها، والاخر مثال مستقى من احداث معمارية بالغة الاهمية، ان كان لجهة مناسبة ظهورها، ام لجهة لغتها التصميمة ذات النفس الاستثنائي الحافل بالفرادة. وفي هذا المجال، تُستحضر عمارة " الجناح الالماني " في معرض برشلونة الدولي (1929)، والمصمم من قبل المعمار " لودفيك ميس فان ديرّ رو "، لتشكل تماثلا ابداعيا مع عمارة توسعة متحف " اودغوبغو ". فكلا المبنيين، على تباين منطلقاتهما التصميمية، يجسدان تجسيدا بليغا ً لانموذجين متقنيين لمقاربات معمارية، مافتئت لغتها التكوينية تثير جدلا ونقاشا ً واسعين في الخطاب المعماري الحديث؛ لكنهما كلاهما يعلنان بوضوح قطيعة كاملة مع ذائقة فنية سبق وان كانت، قبل ظهورهما، ذات تأثير ونفوذ كبيرين في الممارسة المهنية المعمارية. والفرق البسيط بينهما يكمن في ان عمارة " الجناح " لم يلحظ " ظهورها " يومئذٍ احد من النقاد المعمارين المعروفين، كما لم يتعاطف معها جمهور المعرض العريض؛ في حين تحظى عمارة " التوسعة " على قبول ايجابي من النقاد وعلى جمهور متعاطف، ومبهور كثيرا بهيئات كتلها غير العادية، هذا عدا من ان عمارة التوسعة، وبفضل الميديا المعاصرة قد حازت على شهرة واسعة في اوساط دانمركية عديدة، حتى قبل ان يزور البعض موقعها ميدانيا ً.

ان اقتصار ادراك عمارة توسعة متحف " اودغوبغو "، وفهمها في ضوء مجموعة من قيم مألوفة ومبادئ معروفة تنساب من نبع مرجعية جمالية محددة، لا يمكنه لوحده ان يعتبر امرا وافيا ً وموضوعيا؛ الامر الذي يستدعي الاستعانة، هذه المرة باشتراطات الاسلوب الثاني لقراءة منجز العمارة المبني؛ ذلك لان ما نراه هو ممارسة تطبيقية فريدة تطمح لان تعكس مفاهيم فلسفية متميزة ومعاصرة في آن. وهو ما يبررالزامية وجوب حضور الجانب الفكري جنبا الى جنب تراكيب العمارة المرئية، حتى يستقيم ادراك تلك العمارة وفهم بواعث اشكالها. بمعنى آخر، تستحث فعالية ادراك عمارة التوسعة الى الاهتمام لحالة الحضور، الحضور المادي للمبنى،، كما تتطلب تلك الفعالية الانتباه الى الغياب، المعبر عنه بمفاهيم وقيم فكرية. وبهذا فان " زها " تحيلنا الى التناص " الدريداوي " (نسبة الى جاك دريدا- فيلسوف التفكيك)، فنصها المعماري المرئي لا يقتصر على الملاحظ الحاضر، وانما يكتمل باشتراطات جمالية وفلسفية غائبة. 

من جانب آخر، تسعى المصممة الى تحميل مبناها نوعا من القطيعة التمايزية، قطيعة بين مضمون المبنى كمتحف، وبين شكله كهيئة عاكسة لذلك المضمون. 

اي ان ثمة نزوع للفصل بين الدال والمدلول، او ما اصطلح على تسميته من قبل واحد من اشهرالمعماريين المنظريين لظاهرة العمارة التفكيكية " بيتر ايزنمان Peter Eisenman " بـ " الازاحة " Displacement؛ وهو مفهوم يتطلع نحو نظام يكفل " خلع " الناتج " المعماري من موضعه Dislocate. لكن الوصول الى تلك الحالة " التفكيكية "، مرهون بفصل الاشياء، وعدم التعاطي معها كمقابلات ثنائية، كالمعنى والوظيفة، والمعنى والانشاء، والمعنى والشكل. ويتم ذلك، كما يقترح علينا " بيتر ايزينمان "، منظومة فكرية تسهل حدوث الانقطاع، من خلال ما يسمى باعادة التفكير Rethinking، او توظيف القراءة الخاطئة Misreading؛ عندها يمكن للعمارة ان تزيح معنى الوظيفية من هدفها، او المعنى الجمالي، اوحتى مفهوم الاحتواء الملاصق دوما لها. ولهذا فان المصممة غير معنية هنا في التوسعة، باستعادة " اميج " مألوف للمتحف وتقديمه للمتلقي. وطبقا لتلك الرؤى، فان مفهوما خاصا سيطال معنى الصدفة Chance، اسقاطاته التطبيقية في العمل المعماري تقتضي حضور نوع من الهندسية الاخرى، هندسية تقبل وجود الانحرفات او التشوهات في المنجز المعماري، وهو ما نجده مجسدا، بشكل واضح، في قرارات " زها " التصميمة، المشكلة للهيئة العامة لمبنى توسعة المتحف. 

وفي الاخير، فان مانشاهده في توسعة متحف " اودغوبغو " من عمارة ذات اشكال خاصة غير عادية، وربما غير مفهومة، ما هو الا تمرين تصميمي مثابر، يتوق لتأسيس مصفوفة قيم معمارية معينة، ليس لها اية علاقة بالمنظومة الفكرية التى اعتدنا عليها عبر قرون من النشاط المعماري والفكري. كما ان الوجود الواقعي للمرء داخل المبنى او خارجه، لا يعنى شيئا كثيرا لجهة فهم العمارة المرئية، ما لم يرافق ذلك الوجود امتلاك شحنة معرفية طازجة من الافكار الحداثية،او بالاحرى مابعد حداثية، تسهم في اضـاءة النص المعماري " المقروء " حيزّيا وكتلويا ً.. وجمـاليا ً بصورة واضحة ومتكاملة.