تشوهات لعبة الصعود والارتقاء الاجتماعي

Saturday 17th of August 2019 06:53:40 PM ,
العدد : 4488
الصفحة : آراء وأفكار ,

 د. حيدر نزار السيد سلمان

الاستبدالات والانتقالات الطبقية السريعة والثورية التي حدثت في البناء الاجتماعي العراقي بعد ٢٠٠٣، تثير الشهية لدراستها ( سمات وحركة وتنبؤات مستقبلية) تاريخياً واجتماعياً ،

مابعد ٢٠٠٣ حقق افراد من طبقات اجتماعية هزيلة، ويفتقدون للمعايير الطبقية المؤهلة لانتقالهم من أدنى الى أعلى، قفزات ثورية غير مسبوقة بالتاريخ الاجتماعي العراقي، ليتبوؤا صدارة البنيان الاجتماعي والسياسي من خلال اعتمادهم في هذا التسلق غير المنضبط والتلصصي على اسباب حزبية ودينية وقبلية وزبائنية تخادمية ، إندفعت عبرها للصعود المريب فئات اجتماعية ينقصها التماسك والوعي باستحقاقات الانتقال التصاعدي التراتبي ( كأخلاقيات وذوق ونمط معيشي وروح منفتحة وتعليم جيد)، لكنها تحوز على خواص التمسكن والغلبة الاحتيالية والاستغلال المخادع لقوة السلطة والنفوذ الفئوي، ولعل أبرز النماذج الصاعدة حديثاً يمثلها بوضوح بعض السلطويين الماسكين بمقاليد الحكم والقوة الحزبية واتباعهم من المروجين واصحاب القوة والذين أثروا واغتنوا بلمحة زمنية خاطفة ... كان انتقال هؤلاء السريع الصادم من مراتب اجتماعية دنيا الى قمة التراتبية الاجتماعية دون امتلاك شروط حقيقية كالشعور الطبقي الواحد والأصالة وقوة الانتماء والثروة والتعليم الجيد والنزاهة والنقاء واخلاقيات التضحية والايثار والشجاعة الاصيلة انحرافا تاريخيا اجتماعياً مثل استمراراً لبروز هذه الفئات في عقد التسعينيات من القرن العشرين واجتياحهم الجشع للمرافق الاقتصادية والتجارية وظهورهم كوسطاء تجاريين متعاونين بصلافة مع عوائل كبار البعثيين والحاشية المسددة نفوذاً وشرعية من النظام ،في ظل تعاون منفعي جَسر اوضاع الحصار الاقتصادي للعبور الى شاطيء الغنى الفاحش ، من هذا الانقلاب الاجتماعي يمكن تفسير التردي وشيوع السرقات وشرعنة الانحراف والفساد والاستيلاء على المال العام والخاص والتدهور الحاد بمنظومة القيم حين شكلت قيم الصاعدون الجدد تنافراً وتناقضا مع القيم السائدةكما تجسدبالفشل الاداري الذي مثلته بصدق الفئات الاجتماعية الصاعدة حديثاً دون مقومات اصيلة ومتجذرة في الوجدان والتنشئة الاجتماعية من الاصول التي ينحدرون منها . مايمكن ملاحظته من الطبيعة العامة للوافدين الجدد لمرتبة الطبقات الاجتماعية العليا فقدان للنمذجة والرمزية بقيم الفروسية إذ لايحوز هؤلاء على منطلقات قيمية عالية الشأن كروح المروءة والإيثار ومد يد العون لاقاربهم ومعارفهم وابناء بيئتهم الاجتماعية إلا ضمن شروط الحصول على اسم مُمَجد ، وشهرة مشتراة ، وسمعة تدل على الصلاح والتقوى في محاولة للتماهي الثقافي مع مرحلة تاريخية تستدعي هذه الابعاد ، وبغية الاستحواذ على مكاسب سياسية واقتصادية ورأسمال اجتماعي ينفع لحماية الفاعل من ملاحقات قانونية ، من خلال تشكيل بؤر دعم وتأييد تظهر وقت الضرورة لها ، كما أن المعيارية غائبة عند الكثيرين من هؤلاء إذ لايمكن اكتشاف معيارية ذات جودة وعلو في سلوكياتهم ، وعلى سبيل المثال ؛ إن الجشع والطمع وتراكم الثروة يتجاوز المعايير النبيلة ويتجلى هذا بتحالف متين مع أفراد حكوميين فاسدين ، والاستيلاء على ساحات وأراضٍ مخصصة أصلاً كرئات للأحياء السكنية ، والغش الفاضح في انجاز المشاريع ذات الطبيعة الخدمية كالسكن والمياه والطرق وغيرها ، حيث تختفي عند البعض معيارية الأداء الناجح ذو الجودة لتحل معها تشوهات ولُطخ سوداء دون أن يأبه المنفذ بسمعته مادام قد أطال اللحية وتختم بالخاتم اللازوردي ويؤدي بانتظام مثير الطقوس خصوصاً الجماهيرية منها فهي له كدرع واقِ لاأكثر.

كانت الاكثرية من الأفراد المنضويين في خانة هذه الطبقة يؤثرون السمعة الطيبة والعمل الجيد في المشاريع المكلفين بها وحتى في الخدمات الاجتماعية كالتبرعات والمعونات ، مندفعين بمشاعر صادقة ؛ نفسية واجتماعية ولم يك الهدف من الأعمال التطوعية والخدمية وما يناط بهم من أعمال المصلحة فحسب ، بل تترتب عليها أمور أخرى كالشرف والإخلاص وتمظهر للروح الوطنية والشعور بالواجب، فيما يغيب الشعور بالواجب عند أغلب من صعد السلم الاجتماعي حالياً ، غير ان الأكثر خطورة تتمحور في الأضرار الاجتماعية المترتبة ، وهو مانلاحظه في شيوع رذيلة الفساد والتخادم المصلحي والجشع والانغماس بالافعال اللأخلاقية ، والتدهور الحاد في منظومة القيم التي تشكل الدعامات الأساسية للمجتمع ، لتحل هذه محل قيم الفضيلة والشرف المهني والأخلاقي .

لايمكن النظر الى ماحصل ويحصل ببساطة أو بنظرات عابرة بل الأمر يستدعي دراسات وتدخلات مختصين وسيطرة حكومية ، وقد يعترض البعض ؛ كون ماحصل يأتي كنتيجة منطقية لواقع جديد تشكل وجزء من الساري العالمي ، بيد إن الحقيقة معاكسة لذلك فما حدث ويحدث يعد خللاً في البنيان الاجتماعي واهتزازاً للقيم التربوية، وانتهاكاً صارخاً للعبة الصعود والارتقاء كحتمية اجتماعية ، عندما صعد من لايستحق ليسود وينشر أنماط وسلوكيات رثة ومبتذلة .