البكاء على الأطلال

Wednesday 30th of October 2019 07:10:19 PM ,
العدد : 4537
الصفحة : آراء وأفكار ,

سليم سوزه

لدي ملاحظة واحدة فقط تخص فكرة "ما البديل". هذه الفكرة تصاحب كل عملية احتجاج أو تغيير أو ثورة أو انتفاضة. صاحبتنا في عام ٢٠٠٣، ما البديل عن نظام صدام؟ صاحبتنا في عام ٢٠١٤،

ما البديل عن حكومة المالكي؟ وهكذا هي تصاحبنا منذ تأسيس الدولة العراقية. فكرة "ما البديل" واحدة من أهم الافكار التي تساهم في قتل تطلعات الشعوب نحو أي تغيير، جزئي أو كلي، إذ إنها في العادة ليست سوى رؤية رغبوية يحاول من خلالها المرء تمرير موقفه الرافض للتغيير عبر الظهور بمظهر الخائف والقلق من انهيار الدولة وحدوث الفراغ. وحتى لا تنكشف محاولته تلك، يعمد الى الاتيان بنماذج وتجارب تاريخية بطريقة انتقائية ويحاكمها بعقلية أداتية، مكشوفة لأبسط مطلّع على حيل الخطاب وفخاخه وخفاياه.

 

 

 

مع إني أدرك تماماً خطورة فراغ السلطة عند حدوث الثورات الكبرى، ولكن التشديد على هذا الأمر بهذه الطريقة ونسيان إدانة القمع المفرط للسلطة ممارسة غير بريئة لأنها تقفز على حقيقة أن السلطة هي من تتحمل كل فراغ وفوضى إن سقط النظام وليس شعب يتظاهر في الشارع، وذلك نتيجة عنادها وطغيانها وقمعها المفرط لأبناء شعبها. الأصرار على الخلط بين النظام والدولة مضحك لأن هذا الخلط يغيب تماماً في اللحظات التي يكون فيها التغيير لصالح "معسكرنا" ولكنه سبحان الله يظهر بقوة عندما لا يكون التغيير في صفنا وصالحنا. بكل الأحوال، النظام شيء والدولة شيء آخر. سقوط النظام لا يعني سقوط الدولة، ومهما تم الحديث عن فراغ وفوضى وحرق ونهب وقتل وسحل، لن يمحي ثورة شباب أثاروا إعجاب العالم برمته، ليس بروحهم القتالية وإصرارهم العجيب على الصمود فحسب، وانما بخفة دمهم وبنكاتهم وسخريتهم من غاز السلطة ورصاصاتها أيضاً. يا لهذه الروح العجيبة التي تتلبس هؤلاء الشباب. روح وجدوها في فينومينولوجيا هيغل والتي لم تستطع كل التراجم العربية أن تجد مقابلاً عربياً لمفهوم ال Geist عنده. وحدها ساحات التظاهر العراقية ترجمتها بطريقة دقيقة وعملية كما نشاهدها.

خليط من الفكاهة والغضب يصنع قدراً لطالما تمناه العديد منا. فكاهة وغضب تعي تماماً أن التغيير بقواعد اللعبة القديمة ليس هدماً للدولة بل تصحيحاً لمساراتها وتحولاً راديكالياً عن قيمها، القيم البالية التي انتعشت في بركة المحاصصة والطائفية والفساد وتجاوز الدستور وخنق الحريات نحو قيم أكثر عدالة، جوهرها المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

لا بأس بمن يبكي على سقوط النظام أو الدولة كما يحب تسميتها، لكن ليتذكر في بكائه عدد الشهداء والجرحى،لا سيما مجزرة كربلاء يوم أمس والتي سحب فيها المتظاهرون الشجعان "الحسين" من الطبقة السياسية وأرجعوه الى الشارع مرةً أخرى. لقد انقذوا "الحسين" منهم، ذلك الشعار الذي لطالما خدّرت به الطبقة السياسية أتباعها، انقلب اليوم عليهم وعاد الى وضعه الطبيعي الثوري. هذا ما يخيف الطبقة السياسية اليوم.