تظاهرات الشباب و مقياس بناء الثقة

Wednesday 30th of October 2019 07:12:09 PM ,
العدد : 4537
الصفحة : آراء وأفكار ,

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

لا اعتقد أن إثنين يختلفان بإنه وعقب مرور قرابة 16 عاماً من إنتهاء النظام الدكتاتوري الاستبدادي السابق في 2003 مايزال العراق بحاجة بل وبأمس الحاجة لتشكيل وبلورة مقياس لبناء الثقة

يتضمن مؤشرات متعددة مهمة في مختلف ميادين الحياة العامة من المنظور الجيوسياسي - - الجيو إجتماعي – الجيو- إقتصادي والجيو –ثقافي في الإطارين الداخلي والخارجي تأصيلاً للحوكمة الرشيدة. لنعترف بداية أن عالم اليوم مخضب بالتحديات التي تجابه مدى إمكانية قيام حوكمة رشيدة قائمة على الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم حوكمة يمكنها ضبط إيقاع مختلف أنواع التفاعلات التي تصل أحياناً لحدود أزمات طاحنة معززة بهندسة سياق منتظم نسبياً لضرورة التفاعل بين مؤسسات الدولة من جهة وحركة الشارع الغاضب المحتج من جهة أخرى .

جماهير خرجت بعفوية تطالب بحقوقها وحرياتها الأساسية بقصد الاستجابة لها. شعبنا العراقي مثله كمثل شعوب دول أخرى إحتج وتظاهر سلمياً لتحقيق أهداف إنسانية جليلة ونبيلة . الفارق أن بلدنا من بلدان الخير والبركات يتمتع بموارد بشرية وطبيعية ضخمة بكل المقاييس . شعبنا وطوال مرحلة عرفت بالتحرر والديمقراطية - بعيداً عن ضغوط الشديدة التي مارسها النظام السابق - مازال لايجد أذاناً صاغية أو جدية بشكل كافٍ من "أهل الحل والعقد" في وطننا خاصة في مسألة الاحترام بحقوقه وحرياته الاساسية بالرغم من مفارقات عصرنا الراهن (الحادي والعشرين) للرقمية وللتقنيات الجديدة التي تؤكد أن دور شبكات التواصل الاجتماعي قد تم تفعيلها بصورة واضحة مكنت حركة شباب المتنوّر في أنحاء العالم (بضمنه العراقي ) دون إستثناء من الاحتجاج على سوء إدارة الدولة (الحكم في إطار السلطات التنفيذية – الرئاسية – التشريعية الاتحادية والمحلية) . 

علماً بأنه من الإجراءات والسياسات غير السليمة او حتى الفاشلة في تلبية الاحتياجات والمطالب الاساسية للغالبية العظمى من البشر تلك التي شملت الذين يقعون في مراتب متدنية جدا من هرم وسلم مستويات المعيشة إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا . الامر الواضح ان التغيير الايجابي لابد أن يكون سمة العصر المؤكدة بينما المفارقة التي نلحظها تتضح في حالة عدم التيقن والتي ستبقى ملازمة لنا طالما حجبت المعلومات والحقائق المهمة علينا خاصة ونحن نتجه لتحليل وتفسير ماذا حصل أو يحصل في العراق حاضرا ومستقبلا ؟ قبل كل ذلك لابد من الإشارة لعدد من الاحتجاجات والتظاهرات في دول أو أقاليم عدة من عالمنا (فرنسا "أصحاب السترات الصفر" ، الاكوادور "السكان الأصليين وحقوقهم الأصيلة"، جماهير تشيلي المعترضة على ارتفاع أسعار الوقود ، هونك كونك " الشباب الديمقراطي المثقف" المحتج على سلطة إدارية تأتمر بأوامر الصين دون الأخذ بآراء أوحقوق سكان الأقليم ، السودان ممثلاً بشباب وشابات التنسيقات المطالبين بحق للعيش الحر المستقل الكريم ) حقق عدداً منها تحولاً جيوسياسياً إيجابياً جديداً وغيرها من نماذج أو أمثلة. أما أمرنا في العراق فهو مشابه نسبياً للاحتجاجات في عدد من الدول في القارة السمراء مثل الجزائر والسودان . في لبنان أنطلقت بكل عفوية وأنسجام نسبي تظاهرات عدة تطالب بإجراء تصحيحات جوهرية إقتصاديا- إجتماعيا وسياسيا .مقترحات شعبية تجاوزت ورقة رئيس الحكومة اللبنانية التي صادق عليها مجلس الوزراء في 72 ساعة. (ورقة مهمة نسبياً تبناها السيد سعد الحريري رئيس الوزراء الأسبق قبل أن ينظر لأنعكاساتها سياسياً –سيادياً وطنياً مسألة تأخذنا سريعاً لبيتنا العراقي الذي يفترض أن يتوحد برمته أولاً وأخيراً في ظل الهوية الوطنية بعيداً عن أي نوع من الانقسامات الداخلية "دينياً – مذهبياً – عرقياً – جهوياً – قبلياً" . 

صحيح إن إحتجاجات العراق ليست نسخة طبق الأصل لاحتجاجات العالم ولكنها مقاربة ومماثلة نسبياً لحدود بعيدة مع حركات إحتجاج وتظاهر بدى سلميا وسيستمر كذلك حتى من منظور الجماهير العراقية التي طالما تنتظر تلبية حقوقها وحرياتها الاساسية بإسرع زمن ممكن . إن ثورة الاول من أوكتوبر 2019 وامتداداتها في يوم ال25 من ذات الشهر اشعرتنا بمدى أهمية إستعادة وطن ضيعه من تمسك بحكم البلاد وبتلابيب الامور حفاظا على كرامة وعزة الانسان حتى قبل تأكيد الضرورة الحيوية لتوفر المطالب الحياتية من غذاء ، ماء ، خدمات وبضمنها تطوير البنية التحتية مسألة لابد من الحصول عليها "تحصيل حاصل" . أما الأزمة الحقيقية التي وصلت لنا فهي لحد حصول هدر غير طبيعي أومقبول ليس فقط للامكانية المادية – الطبيعية ولكن الأهم تبديد الامكانية البشرية المهنية المعول عليها في بناء التنمية المستدامة التي يفترض أن تترك للاجيال القادمة خيراً عميماً وإمتيازات مهمة بالتواز مع تخفيف حقيقي للأعباء الاقتصادية – الاجتماعية والبيئية تلك التي يعاني منها شعبنا يوميا. إنطلاقا مما تقدم لابد من بناء ، ترسيخ وتنمية الثقة المتبادلة بين الحكام والمحكومين إذ بدونها لايمكن ديمومة النظام السياسي حتى وإن حمل كل شعارات الديمقراطية وغابت عنه مضامينها وسلوكياتها وذهبت بعيداً عن العدالة الاجتماعية ما يفسح مجالاً للقلق ولعدم التيقن بكيفية وتداعيات سريان مجريات الامور. 

من هنا أهمية معالجة وضع العراق عقب سريان الدم الغالي أولاً من حيث التطبيق الحازم لسلطة القانون والعدالة القانونية ضد كل من أسهم بإراقة دماء المتظاهرين السلميين حيث يجب أن يتم الامر دون تأخير من خلال أجهزة مختصة قضائية مستقلة "حيادية" . ترتيباً على ذلك وبغض النظر عن بعض الاخفاقات العدلية- القانونية التي تبقى ماثلة لعين العراقي لازال العراقيون يجلون أو يحترمون القضاء. من منظورمكمل ، لاشك إنه بقدر نجاح مخرجات اللجنة التحقيقية العليا التي يفترض حيدتها أو استقلالها يمكن القول إن الثقة المتبادلة بين النظام السياسي الشرعي والشعب ستستمر وتتوطد رغم المآسي الانسانية والعكس صحيح وهو إنه لم إذ تنجح اللجنة التحقيقية العليا بتقديم تقرير واف يضع النقاط على الحروف ستتصاعد حدة العنق والمآسي الانسانية خلال تظاهرات وإحتجاجات ستتعمق (هذا ما حصل فعلا) وتتواصل كنتيجة لحالة عدم الثقة بين المحكومين وصناع القرار خاصة وأن اعداد الضحايا في الدول الاخرى التي تمت الاشارة اليها آنفا لم تصل قطعا الى حدود المئات بينما القتلى والجرحى في بلدنا الحبيب إنتهت إلى خسران نخبة كبيرة نسبيا من شبابه اليافعين المعول عليهم بناء عراق جديد .. في تقديري ان على السلطات العراقية وهي تتابع وتعالج الجروح وتحاول ان تؤكد شرعية ما أصابها من سهام كنتيجة طبيعية لتردي الاداء. أقول من الضروري أن تركز هذه السلطات الرئيسة بصورة جدية متوازية مع الاهتمام القضائي الراهن في الكشف عن كل الأزمات التي بحاجة لحلول مبتكرة تعزز الرؤية الوطنية الستراتيجية والتي قد تنقل العراق من حالة الوضع العام المتردي مجتمعيا واقتصاديا وثقافيا وبيئيا إلى غير ذلك من مضمون وشكل مسار متخلف تنتابه الازمات إلى وضع من الرخاء والرفاهية التي يستحقها كل عراقي. 

حالياً مرتبة العراق في مقياس حالة الرخاء متدنية جدا مقارنة مع دول اخرى إذ وصلت إلى 143 من اصل مجموع 149 دولة. تساؤلات مطروحة : هل يدرك صناع القرار مدى ضعف علاقة الثقة بين الشعب وصناع القرار وهل ينقل مستشاروا النظام السياسي القائم مثل هذه الرسالة المهمة لصناع القرار الجواب بشكل عام غير إيجابي "أي مسالة فيها نظر؟". المقياس معروف بأسم : The Legatum Prosperity Index – 2018 حيث تضمن تسع ركائز هي : أولاً : نوعية الاقتصاد (مدى الانفتاح الاقتصادي ، مؤشرات الاقتصاد الكلي، اسس النمو، الفرصة الاقتصادية والكفاءة المالية) ، ثانياً: محيط الاعمال الحرة (مبادرات الاعمال الحرة، بنى التحتية للاعمال الحرة، موانع الإبداع، مرونة سوق الاعمال)، ثالثاً: الحوكمة تقيس أداء الحكومة في ثلاث مساحات أو ميادين حيوية : (فاعلية الحوكمة ، الديمقراطية والمشاركة السياسية و حكم القانون)،رابعاً : التعليم : يعالج (إمكانية التعليم ، نوعية التعليم ، رأس المال البشري)، خامساً: الصحة في ظل 3 ميادين:(الصحة الجسدية والنفسية، البنى التحتية للصحة، الرعاية الصحية الوقائية)، سادساً : الأمان والأمن تؤسس على ركيزتي (الأمن الوطني والأمان الشخصي) وهي حيوية جداً في خلق منتخ موات للتنمية البشرية ، سابعاً: الحرية الشخصية حيث تقاس تبعاً لمدى التقدم الوطني تجاه الايفاء بالحقوق القانونية الأساسية، الحريات الشخصية والتسامح الاجتماعي ، ثامناً : رأس المال الاجتماعي يقيس : (مدى قوة العلاقات الشخصية المتبادلة ، دعم شبكات الانقاذ الاجتماعية، الانماط الاجتماعية المتنوعة ، طبيعة ومضمون المشاركة المدنية في الدولة) ، تاسعاً: البيئة الطبيعية حيث يتم قياس أداء الدولة في ثلاث محاور: (نوعية المحيط الطبيعي ، الضغوط البيئية وجهود المحافظة البيئية). إنطلاقاً مما تقدم من المفترض للنظام السياسي العراقي أن يدرك مدى أهمية معالجة كل هذه الشؤون والحقول الحياتية بصورة موضوعية ، علمية ، واقعية تشاركية بالتواز مع أهمية التعامل الجدي المثمر مع منظمات المجتمع المدني وغير الحكومي وتنمية الاتصالات الدولية مع منظمة الامم المتحدة والمنظمات والاقليمية الأخرى التي تهتم وتتابع ملف حقوق الانسان وحرياته الاساسية حماية وتنمية تعزز في نهاية المطاف إستدامة قيم عالية مهمة وتماسك المجتمع العراقي لمرحلة قادمة حبلى بالتحديات والمشكلات . الهدف يتبين جليا من ضرورة تمتين الشرعية الحقيقية لبناء علاقة تضامنية مباشرة مع الشعب العراقي الطامح للوصول لحقوقه الاصلية كاملة في ظل إطار عقد إجتماعي جديد يوازن بين الحقوق والواجبات في ظل استمرارية دولة القانون والعدل الاجتماعي التي يجب أن توفر حماية وضمانة للشرائح المجتمعية من كل انواع القهر والظلم المجتمعي – الاقتصادي والاستبداد حيث إدت مثل هذه الممارسات المجافية لملف الحقوق والحريات إلى انفجار مفاجئ يعرف بثورة الشباب والتي ستتعزز أكثر وأكثر إن لم تتحقق مطالبها الجماهيرية الشاملة للتنمية المستدامة على رأسها جيلي الشباب والشابات بل وحتى جيل الطفولة المضيعة أو المغيبة . كل ذلك ومازالت ثورة الشعبين اللبناني والعراقي تضيء الآفاق وتقدم نموذجاً حضارياً رائعاً للتغيير السلمي الديمقراطي علماً بإن نتائجها النهائية مازالت غير متيقن منها. وربي يحفظ بلادنا وشعبنا من كل شر وسوء.