كلاكيت: لنوثّق ثورة تشرين

Saturday 9th of November 2019 06:00:00 PM ,
العدد : 4542
الصفحة : الأعمدة , علاء المفرجي

 علاء المفرجي

قد لا أكون مخطئاً عندما أقول المثقف السينمائي إذن هو أول من يتحسس نبض الشارع ويستجيب له.. مشاركاً فاعلاً، وموثقاً أميناً.. وفناناً حقيقياً.

فالسينمائيون كانوا أول من تمثل الزلزال الذي ضرب عواصم العرب، على مدى أشهر ، موقفاً وتوثيقاً.. ابتداءً من لحظة ظهور المخرج خالد يوسف حاملاً كاميرته مشتركاً وموثقاً إيقاع الجموع الغاضبة في ميدان التحرير في ثورة يناير في مصر، وليس انتهاء بتنفيذ أفلام استمدت موضوعاتها من الحدث المزلزل، عرضتها مهرجانات سينمائية عديدة، الأمر لم يكن بحاجة إلى تأمل طويل، بل إلى انفعال آني يحاول أن يلم بالحدث.

وخلال أيام الاحتجاجات التي انطلقت في وطننا وحملت عنوان انتفاضة تشرين، راقبت من خلال منصات التواصل الاجتماعي إسهامات فنانينا التشكيليين بنشر لوحات ورسوم، تستلهم تفاصيل الانتفاضة وأحداثها اليومية والتي أصبحت بنظر العالم ملحمة عراقية جديرة بالتوثيق والمتابعة، فقد شارك الفنانون فيصل لعيبي، وعبد الكريم سعدون، وستار كاووش، وهاشم تايه، وصفاء حسن وآخرون. 

وكان يجدر بالسينمائيين العراقيين أن ينتهزوا هذه الفرصة التاريخية لتوثيق كل تفصيلة، وحدث يديم هذا الاحتجاج والرفض، وأيضاً ليوثقوا كل مايحصل في الساحة وتداعياته... فقد وفرت ساحة التحرير كماً هائلاً من الوقائع التي لم نكن نتخيلها، وجملة كبيرة من النشاطات الاجتماعية والثقافية والفنية... هذا كله فضلاً عن التضحيات الجسام التي قدمها شبابنا والأساليب المفزعة التي اعتمدها النظام في مواجهة سلميتهم.

دوران العدسة والتقاط كل مايمكن اقتناصها كفيل أن يخلق كماً هائلاً من المواد الأرشيفية التي يحتاجها المتظاهرون، وأيضاً يحتاجها السينمائي نفسه عندما ينسج منها قصصاً عن هؤلاء الأبطال.

وربما لهذا السبب تجلى استلهام الحدث عبر الوثائقيات او الأفلام القصيرة، التي لا شك ستكون خلفية مناسبة لرؤى صناع الأفلام في المستقبل، عندها تفرض الحاجة إلى أن يكون الروائي الطويل الإطار المناسب لسيرة الحدث..نظرة سريعة إلى برنامج مهرجانات سينمائية عقدت عقب عام الربيع العربي عام 2011، بما تضمنته من أفلام اعتمدت موضوعات ما اصطلح عليه (الربيع العربي)، تؤكد حقيقة أن السينمائيين الذين انفعلوا بهذا الحدث جاءوا بعدة الوثائقي أو القصير.عشرة مخرجين تناوبوا على تنفيذ الفيلم المصري (18 يوما) الذي يتناول جوانب مختلفة من انتفاضة شباب مصر عبر قصص قصيرة تحكي تفاصيل الحدث.. ، فيما المخرج المصري أحمد رشوان يجسد وجهة نظره الشخصية في فيلمه (مولود في 25 يناير) حيث جالت كاميرته منذ اليوم الأول لسقوط مبارك لتكتمل الفكرة بتصاعد الأحداث التي أعقبت هذا الحدث، من خلال تجربته الشخصية وتفاعله مع الحدث، وتسليط الضوء على شخصيات هامشية، ترصد كاميرته تأثير هذا الحدث فيها. أما المخرجان عمر الشرقاوي وكريم الحكيم فيتحدثان في فيلمها (نصف ثورة) عن تجربتها قبل الأحداث في التخطيط لفيلم عن القاهرة، وإذا بالأحداث الدراماتيكية التي عصفت بالشارع المصري تجبرهما على تغيير مسار الموضوع بما ينسجم مع هذا الحدث الزلزال، وهم يشاركون به كمتظاهرين ومشاركين.ويختار المخرج التونسي مراد بن الشيخ جانباً مهماً في الثورة التونسية في فيلمه (لا خوف بعد اليوم)، من خلال وجهة نظر (لينا بن مهني) التي كان لما تكتبه في مدونتها ضد استبداد حكم بن علي وثورة شعبها دور مهم في إشعال فتيل الشارع التونسي ، ويقف الفيلم أيضاً عند قصة الناشطة في حقوق الإنسان (راضية نصراوي) التي أسهمت في مواقفها في الحراك الشعبي الذي اجتاح تونس كلها، وفي فيلم (ميدان التحرير) نتعرف إلى وجهة نظر الآخر في الأحداث التي عصفت بمصر بداية هذا العام. فالمخرج الفرنسي (ستيفانو سافونا) يرصد بعدسته مشاعر اليأس والغضب ثم الفخر والابتهاج التي طغت على الشارع المصري حينها. وبصرف النظر عن الشكل الفيلمي الذي يستوعب هذه الموضوعة إن كان وثائقياً أو قصيراً أو طويلاً، ومن غير أن يكتمل الحدث للتوافر فسحة من التأمل لقراءته، فإن السينما مثلما هو دورها في تمثل الحدث وعرضه برؤى مختلفة.