كورونا تشعل الأسعار وتدفع أهالي بغداد إلى تخزين البضائع

Monday 16th of March 2020 08:25:07 PM ,
العدد : 4633
الصفحة : محليات ,

 متابعة المدى

على خلفيّة الإجراءات الوقائية للحدّ من انتشار فيروس كورونا في العراق، وإعلان حظر التجوال لمدة أسبوع راح المواطنون في بغداد يتهافتون على المتاجر بهدف التموين، خوفاً من إغلاق تلك المتاجر أو منع خروجهم من المنازل بشكل جزئي أو كلي في إطار التدابير الاحترازية لمنع العدوى بين السكان.

وتشهد متاجر المواد الغذائية والمستلزمات المنزلية وحتى الصيدليات ازحاماً غير مسبوق، فالعراقيون كثيراً ما يعمدون كلّ بحسب وضعه الاقتصادي إلى تخزين الأغذية والأدوية ومواد التنظيف والتعقيم.

يأتي ذلك عقب سلسلة قرارات جديدة أصدرتها خليّة الأزمة الحكومية لمواجهة كورونا، منها منع الزيارات الدينية وعدم التنقّل بين المحافظات، فيما قرّرت وزارة الداخلية في إقليم كردستان العراق منع التجوّل في مدينتَي أربيل والسليمانية على مدى ساعات.

فهد يقول " إنّ "كثيرين من تجّار الجملة في المدينة عمدوا إلى رفع الأسعار بسبب قلة المواد المتوفّرة، لكنّ هذا لم يمنع المتبضّعين من ملء أكياس وأكياس". يضيف أنّ "الخبز ينفد سريعاً من الأفران والمخابز بسبب كثرة الطلب على أنواعه ومنها الصمون"، مشيراً إلى أنّ "المنظفات ومواد التعقيم نفدت كذلك من بعض المتاجر، لأنّ الوقاية من فيروس كورونا الجديد تتطلّب غسل اليدين والتنظيف والتعقيم باستمرار". ويتابع الجنابي: "اليوم مثلاً، طلبت منّي والدتي شراء مواد غذائية تكفينا لمدّة أسبوع على أقلّ تقدير، منها الخبز والخضار والفواكه. كذلك استبدلنا إسطوانات الغاز الفارغة خوفاً من انقطاعه في الأيام المقبلة".

من جهته، يقول أبو صفا الذي يملك متجراً للمواد استهلاكية في منطقة الدورة، إنّ "مواد كثيرة نفدت من متجري، لا سيّما الأساسية منها، خصوصاً بعد إغلاق الحدود مع إيران وتركيا ووقف استيراد البضائع الصينية، علماً أنّ بلدنا يعاني أصلاً من قلة الإنتاج المحلي في مختلف القطاعات". يضيف أبو صفا أنّ "ثمّة مواد لم تكن لتُباع بهذه السهولة، لكنّها نفدت كما هي حال بعض المنظفات والمعقمات محلية الصنع أو من منشأ غير معروف. كذلك نفدت اللحوم في برادات التخزين لدينا"، مشيراً إلى أنّه "من الواضح الهوس بفيروس كورونا اليوم". ويتابع أنّ ذلك "انعكس سلباً على حياة الناس، فيما أنعش سوق المواد الاستهلاكية بشكل لافت كما هي الحال في كلّ الأزمات والحروب التي شهدتها البلاد في وقت سابق".

في السياق، تقول الباحثة الاجتماعية رؤى الجبوري "لم يأتِ الفيروس بأيّ جديد إلى العراقيين. فهذا الشعب اعتاد الأزمات وغلق الطرقات والمحلات التجارية ومحطات الوقود بالإضافة إلى منع التجوّل. والحروب المستمرة علّمته كيفية إدارة الأزمات والتعامل معها". تضيف: "الجديد الذي حمله كورونا هو منع السفر إلى معظم الدول التي اعتاد العراقيون السفر إليها، بالإضافة إلى هذا الوباء ليس حكراً عليهم كما الحروب التي شهدوها".

وتلفت الجبوري ، إلى أنّ "تخزين المواد بشكل كبير هو طبيعي في حياة العراقيين الذين يدركون أنّ لكلّ أزمة تبعاتها. والخوف من نفاد المواد بمختلف أصنافها لم يولد من فراغ بل من أزمات عاشها العراقيون على مرّ أربعة عقود. لكن هذه المرّة، ليست المواد الغذائية وحدها التي يحرص المواطنون على تخزينها، فمواد التنظيف والتعقيم خصوصاً أضيفت إلى قائمة مشترياتهم، علماً أنّهم كانوا في السابق يركّزون على المواد الغذائية الأساسية كالأرزّ والطحين والزيت والشاي والسكّر".

وتكمل الجبوري: "ومع القرارات الصادرة من قبل خليّة الأزمة التي تطلب منع التنقّل بين المحافظات إلا للضرورة وغلق بعض المجمّعات التجارية والمطاعم، صار يتوجّب على الناس تخزين بعض المواد الغذائية تحسباً لأيّ طارئ قد يمنعهم من الخروج والتبضّع".

البقاء في المنازل وتخزين الطعام والدواء وحظر التجول وقطع الطرق بين المدن وتعطيل الدوام في المدارس لا يختلف كثيراً عمّا سبق، فالماضي القريب مليء بالإجراءات ذاتها، الأمر الذي دفع العراقيين إلى تشبيه ما يعيشونه اليوم بسنوات الحرب والحصار الاقتصادي على بلادهم.

إبراهيم علوان : "أجبرنا كورونا على البقاء في منازلنا. ليس هنالك من وجهة نخرج إليها، المتنزهات مغلقة والمحالّ التجارية لا تفتح أبوابها إلا لساعات معدودة، والإجراءات الوقائية تزداد شدة يوماً بعد آخر، والناس يخزنون الطعام والدواء والمستلزمات الصحية، الوضع بشكل عام يشبه أيام الحرب، لكن المشهد ليس غريباً علينا، فقد اعتدنا ذلك منذ عقود، ربما لم يمرّ عام دون أن تكون هناك أزمة شديدة أو حرب نعيشها بتفاصيلها كافة حتى تعود الحياة إلى طبيعتها غير الطبيعية بالأصل". 

ويضيف علوان الذي يعمل في محل لبيع الأغذية: "الكثير من الناس يأتون إلى دكاني الصغير لتبضع المواد الغذائية، خاصة بعد إعلان فرض حظر للتجول في بعض المحافظات، ومنها العاصمة بغداد، ومن لم يتبضع في الأيام السابقة على أمل أن تزول أزمة كورونا في القريب العاجل، بادر إلى شراء احتياجاته خشية فرض حظر التجول في جميع أنحاء البلاد، وبالتالي نفاد المخزون الموجود في المنازل". من جهتها، تقول هيفاء عبد الله"نحن حبيسو المنازل مرة أخرى، لكن هذه المرة بسبب فيروس كورونا، ويدفعني ذلك إلى تذكر كيف أجبرنا أيضاً على تعطيل الدوام خلال الحرب عام 1990، وكيف منعنا من السفر خلال سنوات الحصار الاقتصادي، ربما باقي سكان العالم يعيشون اليوم لأول مرة ما عشناه كعراقيين منذ أكثر من عقدين، لكن ما مرّرنا به كان أصعب من كورونا وأكثر تعقيداً".

وتضيف: "علينا أيضاً الاستعداد التام لما بعد أزمة كورونا وكيفية تعويض التلاميذ والطلبة عمّا فاتهم من دروس وبأقل الإمكانات. فكما هو معروف في بلدنا، ليس هنالك أي آلية أو خطة حكومية ترتقي إلى مستوى الحدث مهما كان، لذلك نعتمد على أنفسنا في تخطي الأزمة. البعض منا يُعطي دروساً مجانية للطلبة، وخاصة الصفوف المنتهية حتى يتمكنوا من إتمام المواد الدراسية المقررة في حال العودة إلى الدراسة، فما نعيشه اليوم هو حرب كورونا الذي أجبرنا، كما سكان العالم، على أن نلزم منازلنا حتى إشعار آخر". أما أستاذ علم النفس، عدنان محمود، فيقول إن العراقيين صاروا خبراء في إدارة الأزمة والحروب. فالشخصية العراقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأزمات وما مرّوا به لا يمكن أيّ شخص آخر يعيش برفاهية أن يتصوره أو يتحمله ، الكثير من الأحداث اليومية والمتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والثقافية والعادات والتقاليد كلها تأثرت بالحروب وأثرت بشخصية الفرد العراقي. كثرة القتل والموت والتعذيب والاعتقالات والإرهاب جعلت من المواطن العراقي صاحب باع طويل بإدارة الحرب وأزماتها وتخطيها بأقل الإمكانات دون أن يربت على كتفه أحد، لذلك تجد العراقيين اليوم يتعاملون مع فيروس كورونا كما تعاملوا مع حروب وأزمات سابقة.

ويبيّن محمود أن فيروس كورونا ذكّر العراقيين بأسوأ أيام عاشوها في ظل حروب متتالية أقعدتهم في منازلهم وشلّت حركة الحياة وأجبرتهم على التسوق وأخذ الاحتياطات اللازمة، لذلك أصبحت لديهم الخبرة الكبيرة في كيفية التعامل مع أي أزمة جديدة، حتى إنهم غير آبهين إن كان مصيرهم الموت، فهم متهيئون لأسوأ الاحتمالات، وليس بأيديهم فعل شيء غير التزود بالمؤن والمستلزمات الطبية التي تساعدهم على تحمل الأزمة وعدم الخروج من المنازل وربما لديهم تفاؤل كبير بخروجهم من هذا الفيروس بأقل الخسائر البشرية.