هل يتسبب جنوح المناخ العالمي بإغراق البصرة، وما هي الحلول المقترحة؟*

Wednesday 8th of July 2020 06:47:30 PM ,
العدد : 4718 (نسخة الكترونية)
الصفحة : آراء وأفكار ,

 د.حسن خليل حسن**

تعد منطقة الحوض الأدنى لوادي الرافدين، البصرة تحديداً، من المناطق التي يتوقع أن تتأثر بارتفاع مستوى سطح البحر، وذلك بسبب أراضيها السهلية المنبسطة التي تميزها عن غيرها من مناطق الجنوب ببيئة نهرية وبحرية. كما أنها تتسم بكثرة المسطحات المائية من أهوار وأنهار ونهيرات صغيرة.

وتقع البصرة والأراضي المجاورة لها في أقصى الجنوب الشرقي وهي في أخفض جزء من العراق؛ تتدرج الأرض بالانخفاض من مناطق ضفاف شط العرب في شمالي ووسط وشرقي المحافظة نحو السباخ الساحلية في جهة الغرب نحو الخليج العربي في أقصى الجنوب، تحيط المسطحات المائية بأغلب مناطقها الاستيطانية. يمتد الجزء الجنوبي من الساحل بين مدخل شط العرب ومدخل خور الزبير، ويصل ارتفاع مسطحاته بين (الصفر - 0.5 متر) فوق مستوى سطح البحر . 

وهي بالتالي منطقة معرضة لخطر الإغراق بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغير المناخ ، فعند وضع توقعات لارتفاع منسوب البحر و تأثيره على المستقرات الريفية والحضرية في البصرة عبر سيناريوهات افتراضية، يظهر أن ارتفاع مستوى سطح البحر 30 سم (وهذا الاحتمال المتوقع حدوثه مع نهاية القرن الحالي)، فأن أجزاء قريبة من شط العرب (السيبة) سوف تكون مهددة بالإغراق، إضافة الى الجهات المنخفضة من الساحل العراقي على خور عبدالله وبعض الأجزاء القريبة من المساحات المائية لأهوار البصرة (هور الحمّار الشرقي).

وفي حال ارتفع مستوى سطح البحر 50 سم (وهذا احتمال افتراضي لبعض الدراسات العلمية الأقل انتشاراً)، ستغمر مياه البحر، إضافة المناطق المذكورة، الجزء الساحلي اقصى رأس البيشة، وبعض الأجزاء القريبة من شط العرب في ناحية السيبة، وحواف الأهوار والقرى القريبة من نهر كرمة علي. أما اذا ارتفع مستوى سطح البحر متراً واحداً (وهذا امر افتراضي مستبعد) فان جهات أخرى ستضاف للاحتمالين أعلاه تتمثل بغمر معظم الجزء الشرقي من الساحل العراقي المحيط برأس البيشة، ومعظم أجزاء جزيرة بوبيان المقابلة للساحل العراقي ، والحافات النهرية لشط العرب في الجزأين الأوسط والجنوبي من مجراه، كما ستتأثر الأراضي المحيطة بأهوار شرق الحمّار بارتفاع المناسيب.

لقد تكيفت مجتمعات جنوبي العراق منذ القدم مع وفرة المياه كواقع بيئي تعايشت معه سواء بالحرف أو بمواد البناء الطبيعية داخل المسطحات المائية، أو صناعة ما تعرف (بالجباشة) وهي مستقرات بشرية عائمة داخل مستنقعات الأهوار العميقة. وقد أصبحت (الجباشة) من أهم مميزات الاستيطان داخل الأهوار في محافظات ميسان وذي قار والبصرة. ولعل التاريخ القديم لحوض وادي الرافدين يروي لنا ارتباط الجماعات البشرية بالحضارة والكتابة والفن المعماري في المعابد الطينية والزقورات. وازدهرت المدن كمدينة أوروك وأور وإريدو في ذات البيئة المائية ناهيك بتطور النصوص المسمارية والاقتصاد والمعتقدات الدينية الخاصة. ويؤكد بعض خبراء الجيولوجيا أن حوض وادي الرافدين شهد تقدماً وتراجعاً للبحر خلال 14000 الف سنة الماضية، واستقر خلال الألفية الخامسة والثالثة قبل الميلاد .

إن المخاطر المتوقعة لارتفاع مستوى سطح البحر لأكثر من متر واحد تؤدي الى غمر أجزاء من الأراضي المنخفضة كالأرياف والقرى المطلة على شط العرب والأهوار، الأمر الذي يسبب حركة نزوح كبرى من القرى الى المدن ومن شأنها ان تهدد النسيج الاجتماعي والعمراني. ومن شأن نزوح السكان من مناطق سكناهم شمالاً، أن يؤدي الى ظهور مشكلات ديموغرافية واستيطانية، تربك الاستقرار الاجتماعي والتخطيط الحضري. وقد حصل شيء من هذا القبيل بعد حركة النزوح الكبرى خلال التسعينيات، إبان تجفيف الأهوار ونتجت عنها مشكلات اجتماعية واقتصادية وثقافية، إضافة الى إرباك خلقته في التخطيط العمراني والسكاني داخل المدن. ويهدد ارتفاع مستوى سطح البحر الاكتفاء الغذائي الذاتي الذي توفره المزارع الواقعة على ضفاف أنهار البصرة والأهوار ذات الخصوبة العالية. وقد تضررت مزارع مهمة وتلفت محاصيلها في ناحية السيبة جنوب البصرة بعدما غمرتها مياه شط العرب خلال فيضان ربيع 2019، ناهيك بتغلغل المياه السطحية ذي الملوحة الشديدة في المزارع المحيطة بالأنهار. أما التأثير الأكبر فسيكون على المشاريع العمرانية والسكنية في المناطق المتأثرة، ذاك انه يؤدي الى تخريب البنى التحية وأنظمة الصرف الصحي.

هذا وقد بلغ معدل ارتفاع مستوى سطح البحر خلال القرن العشرين حوالي 20 سم ومن المتوقع ان يصل هذا المعدل نحو 30 سم في نهاية القرن الحادي والعشرين حسب تقرير الفريق الدولي الحكومي المعني بمراقبة التغير المناخي العالمي التابع للأمم المتحدة ، وتسارعت خلال العقدين الأخيرين معدلات فقدان الجليد في جزيرة الجرينلاند والقارة القطبية الجنوبية،حيث ازداد معدل فقدان الجليد في جزيرة جرينلاند من 34 تريليون طن/ سنة بين عامي 1992-2001 إلى 215 تريليون طن / سنة بين 2002-2011، بسبب ذوبان الجليد السطحي مع ازدياد معدلات تصاريفها والتي ساهمت بتعزيز تصاريف الأنهار الجليدية. 

وكان هناك تزايد مماثل في معدل فقدان الجليد لقارة القطبية الجنوبية، بلغ من 30 تريليون طن / سنة بين عامي 1992-2001 إلى 147 تريليون طن / سنة بين عامي 2002-2011 ، كان معظم هذا الفقدان من غرب القارة القطبية الجنوبية في بحر أموندسن وشبه الجزيرة القطبية الجنوبية، بسبب تسارع تصاريف الأنهار الجليدية أيضا، ذوبان الجليد بمقدار 100 تريليون طن / سنة تقريباً سيسبب ارتفاعا في مستوى البحر العالمي بمقدار 0.280 ملم / سنة . 

من أسباب الاحترار العالمي أيضاً ظاهرة النينو التي تسبب ثبات الأنظمة الجوية في النصف الشمالي من الأرض، مما يؤدي إلى زيادة حدة التطرّف الحراري في مناطق متفرقة من العالم ، في أحدث تقرير صدر عن الوكالة الوطنية الأمريكية لإدارة المحيطات والغلاف الجوي (NOAA), أوضح بأن ظاهرة النينو وارتفاع نسب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري تسببت في ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض العالمية فوق المعدل العام للفترة 1981-2010 ، بمقدار 0.42 - 0.46 درجة مئوية، بينما ارتفعت في عام 2015 ، بمقدار 0.33- 0.39 درجة مئوية. وهي الأقوى من كل سابقاتها التي سجلت في عامي 1997-1998. اذ ازدادت درجة حرارة سطح المحيط الهادئ عن معدلاتها إلى 2.8 درجة مئوية في 4 نوفمبر ، و 3.1 درجة مئوية يوم 18 نوفمبر ، وهي أعلى درجات حرارة سجلت على الإطلاق في هذه المنطقة. ومن ضمن ما تسببت به تساقط أمطارٍ غزيرة في مناطق متفرقة من العالم. 

إن السيناريوهات المستقبلية حول ارتفاع مستوى سطح البحر والتهديد الذي يشكله على أقصى جنوبي العراق، تقتضي ابتكار حلول مستدامة ومستندة الى الطبيعة من جانب وحلول أخرى تعتمد التكنولوجيا الحديثة من جانب آخر. كما تقتضي تهيئة المجتمعات للتأقلم مع المتغيرات وإعلامها بما سيحدث في المستقبل بغية اشراكها في وضع الحلول التي يمكن تلخيصها:

- رفع منسوب قاعدة الأبنية المطلة على الساحل العراقي، وتلك القريبة من ضفاف الانهار بمعدل 1 متر ، لتلافي مخاطر ارتفاع منسوب سطح البحر مستقبلاً.

- استخدام مواد بناء ملائمة لتحولات المناخ العام والمحلي في المستقبل، للانشاءات المحيطة بالمسطحات المائية. 

- كري وتعميق الأنهار والمسطحات المائية في البصرة بين الفاو والسيبة، الأنهر الخارجة من الاهوار .، ورفع الغوارق المتكدسة في جوف شط العرب، بعدما أصبحت مصيدة للترسبات التي تتراكم حولها.

- تنظيف الأنهر الآسنة وقطع اتصالها بشط العرب، منعاً لاختلاط القاذورات بمياه الشط في حال ارتفاع المناسيب.

- تقوية السداد الترابية المحيطة بالمناطق المتأثرة، يمكن الاستفادة من الترسبات المرفوعة من القاع النهري في هذا الأمر، إجراء عمليات تسوية وحدل للتربة الضعيفة أو الرخوة وتعزيز الدراسات المسحية للمناطق المنخفضة المطلة على المسطحات المائية والقريبة منها، الانضمام الى فرق مراقبة تذبذب مناسيب سطح البحر العالمية .

- إدارة مشتركة في وضع الخطط بمشاركة الدول الساحلية المجاورة إيران والكويت، تنفيذ سدود مطاطية تعمل كجدران حماية، قابلة للإنشاء والرفع بحسب الحاجة لمواجهة دخول المياه البحرية.

- انشاء خزانات أرضية (مستودعات مائية) في مناطق محددة داخل الأهوار، لحصاد مياه الفيضانات، بالأخص خلال فيضانات الربيعية في بعض السنوات الرطبة جداً، الاستفادة من تدفق سيول مائية من جهة الجبال الإيرانية نحو محافظتي واسط وميسان، أنهار الطيب ودويريج، حيث امتلأ هور الحويزة في الجانب الايراني وبعدها طغت المياه على الجانب العراقي.

- العمل على خفض الملوثات والغازات الدفيئة التي تساهم في تعميق الاحترار المناخي (المحلي)، والتوجه نحو الطاقة المتجددة والتخطيط المستقبلي وفقاً للتخمينيات العلمية لمناسيب سطح البحر، و وضع برنامج تنبؤي وفق مدخلات عالمية لكشف التذبذب في منسوب سطح البحر العالمي.

- تدريب كوادر مهنية من فرق الدفاع المدني لإدارة حالات الغرق المتوقع.

*هذا الموضوع تم إعداده بالتعاون مع

FPU و CLINGENDAEL INSTITUTE

** أكاديمي وباحث بيئي، العراق