بعبارة أخرى: (الفاتح).. محمود نور الدين!

Monday 21st of September 2020 07:47:17 PM ,
العدد : 4775
الصفحة : الأعمدة , علي رياح

 علي رياح

كنت في شديد الحاجة إلى ملعب مناسب في مدينة إسطنبول كي أسجل برنامجا مع نجمنا نشأت أكرم.. بعد أن ضاقت بي السبل جاءني الحل خلال نصف ساعة من حكمنا الدولي محمود نور الدين، قال لي: سيفتحون لنا أبواب ملعب اتاتورك الأولمبي!

قلت له: ملعب أتاتورك ما غيره؟ الملعب الذي شهد معركة نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2005 بين ليفربول والميلان؟! 

ردّ ضاحكا، وهو الضاحك في كل حين: كل زاوية فيه ستتاح لك أنت ونشأت أكرم! 

لم يدهشني رد محمود نور الدوين ولا سرعة استجابته ولا قدرته على فتح الأبواب المغلقة في تركيا.. فخلال سنوات عديدة، أسهم الرجل الخلوق في إنجاح معظم مشاركات الأندية والمنتخبات العراقية على الأرض التركية.. معسكرات، تدريبات، بطولات.. كان الرجل يتحرك في لمح البصر كي يلبي رغبة اتحاد أو ناد في الذهاب إلى هناك وترتيب الكثير من الإجراءات اللوجستية والفنية ومنها تنظيم مباريات ودية في بلد كنا نجهل عنه الكثير قبل عشر سنوات من الآن.. لكن محمود نور الدين كان قادرا على جعل الغريب مألوفا، حتى أنني وبعد أن أنهيت تسجيل برنامجي مع نشأت أكرم، قلت له مازحا: شكرا أيها (الفاتح).. القائد التركي محمد فتح القسطنطينية (إسطنبول) وأنت اليوم تفتح لنا المعاقل الصعبة في المدينة نفسها! 

قبل يومين، كان عصمان بولات الصحفي التركي يسألني عن الإداري العراقي الذي كان علامة فارقة للوفود العراقية الذاهبة إلى تركيا.. كان يقصد محمود نور الدين، وكان مؤلما لي وله أن أؤكد له أن هذا الحكم الدولي قد فارق الحياة قبل أسابيع.. حتى الأتراك كانوا يعلمون أن نور الدين لم يكن ينتظر جزاءً ولا شكورا.. أظن أنه ما زالت لديه ديون أو مستحقات بذمة الكثير من الوفود، فقد كان يسبق الوفود أو يرافقها ويعمل بالمجان، وكثيرا ما كانوا (يمونون) عليه حين يتأخر وصول المدد المالي القادم من بغداد! 

الكرة العراقية تحمل للرجل فضلا في أكثر من اتجاه، فهو الحكم الدولي المبرز محليا وخارجيا خصوصا خلال سنوات الحصار.. كان بالفعل علامة فارقة بقراراته الجريئة التي لم يكن يعرف فيها أي أثرا للمجاملة.. في ديربي جماهيري جرى بين الشرطة والزوراء احتسب أربع ركلات جزاء منها ثلاث للزوراء. من يفعلها غيره ويواجه جمهور ملعب الشعب بأربع ركلات في مباراة واحدة؟! 

كان حب العراق يسري في دمه.. ولديه نوادر عجيبة لا يسعها المجال.. حين كنا في مدينة أنطاليا مع منتخب شباب العراق في مشاركته التاريخية في نهائيات شباب العالم عام 2013.. جاءني خلال وحدة تدريبية في مكان معزول قبل مباراتنا مع منتخب شباب مصر، وقال لاهثا مستعجلا: أبا زيد يجب أن اتحرك وأبعد المُخبرين السريين!! 

أدهشتني المعلومة فلقت له: اتق الله يا أبا صفاء.. نحن في ملعب ولسنا في ثكنة عسكرية. 

وكان رده: سترى بعينك، فقط راقب ما سأقوم به.. 

تحرك محمود نور الدين نحو شخصين انتبذا مكانا سريا في الظل على المدرجات وكانا يراقبان تدريبات منتخبنا الشبابي ويسجلان الملاحظات، ولاحظت أن نور الدين توجه بسرعة البرق نحوهما وطلب منهما مغادرة الملعب بل المجمّع كله، وقد رافقهما بنفسه حتى اطمأن إلى أن الشقيقين المصريين رحلا بعيدا، وبفضول الإعلامي وثـّـقت هذه الحادثة بالصور وكتبت عنها مقالا في ذلك الوقت! 

رحل محمود نور الدين في صمت.. العبارة دقيقة وموجعة وخجولة في الوقت نفسه.. فلقد حالت ظروف الحظر الصحي قبل أسابيع دون أن ينال وداعا يليق به أو يستحقه.. لكن حسبه أنه مازال يتخذ مكانا عزيزا في قلوبنا، أو أنه لم يغادرها بعد، ولا أظن أنه سيغادر!