جــم الخـليـلـي يساعـدُنا عـلى فهـم العـالـم

Tuesday 17th of November 2020 06:45:30 PM ,
العدد : 4813
الصفحة : عام ,

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

غمرتني السعادة وأنا أطالعُ في الصحافة البريطانية خبر وصول أحدث كتب البروفسور جم الخليلي Jim Al-Khalili

المنشور بعنوان (العالم كما تفهمه الفيزياء The World According to Physics ) في آذار من هذا العام ( 2020) إلى القائمة القصيرة لجائزة أفضل كتاب علمي في بريطانيا ؛ فهذا بعض التنويه المستحق لعالم فيزيائي ذي اهتمامات معرفية متعددة كتبتُ عنها في أعداد سابقة من المدى فضلاً عن نشري حواراً مطوّلاً معه إلى جانب مقالاتي العديدة التي تناولت نشأته العراقية الأولى . 

أواصلُ في القسم الثاني هذا تقديم ترجمة للمقدّمة التي كتبها البروفسور جم الخليلي في كتابه (العالم كما تفهمه الفيزياء) .

المترجمة

القسم الثاني

 

هناك مايجب توضيحه منذ البدء : الموضوعات التي أكتبُ عنها في هذا الكتاب ليست هي الموضوعات ذاتها - على الأغلب - التي تعاملتَ معها في دروس الفيزياء المدرسية . قد يبدو الكتاب بالنسبة لبعض القرّاء أوّل دعوة يحظون بها لعالم الفيزياء – دعوة أرجو أن تكون حافزاً لهم للإستزادة من تعلّم الفيزياء ، بل وقد تدفعهم هذه الدعوة لأن يجعلوا من الفيزياء رحلة من الدراسة والإكتشاف تمتدّ معهم مدى العمر على الشاكلة ذاتها التي حصلت معي . بالنسبة للبعض الآخر قد لاتكون هذه الدعوة أكثر من إعادة تذكرة مُلطّفة ورقيقة بالفيزياء ولاشيء أكثر يرتجى ، والسبب في هذا أنهم حصلوا على فكرة خاطئة عن الفيزياء ( بكلمات أخرى : وضعوا أقدامهم في المواضع الخطأ في عالم الفيزياء ) منذ البواكير الأولى من تحصيلهم المدرسي ( وبات أمراً شاقاً وعصياً تغيير مقاربتهم الفكرية تجاه الفيزياء ) ؛ لكن بالنسبة لكثيرين من القرّاء قد تستثيرُ هذه الدعوة لعالم الفيزياء الساحر مكامن الدهشة بعدما يدركون كم سعت البشرية حثيثاً لحيازة فهم مقبول للعالم .

سعيتُ في هذا الكتاب لإمداد القارئ بمعرفة ناشطة وفاعلة بشأن قدرة الفيزياء على رسم صورة تكشف عن طبيعة هذا العالم الذي نعيش فيه ، ومن أجل تحقيق هذا المسعى فقد إنتخبتُ لائحة بالمفاهيم الأكثر أهمية في الفيزياء الحديثة ، وحاولتُ في الوقت ذاته الكشف عن الكيفية التي ترتبط بها هذه المفاهيم مع بعضها . سنُجري في هذا الكتاب مسحاً شاملاً لمجموعة واسعة من التضاريس الفكرية المفاهيمية بدءاً من فيزياء المقاييس الكونية المُفرطة في الكِبَر حتى المستويات الكمومية المفرطة في الصّغَر ، ومن المسعى الحثيث للفيزيائيين في توحيد قوانين الطبيعة حتى بحثهم المستديم عن المبادئ الفيزيائية الممكنة والأكثر بساطة التي تحكم ظاهرة " الحياة " ، ومن الجبهات التأملية ( الحدسية ) في البحث الفيزيائي النظري حتى الفيزياء التي تتناولُ أدقّ تفاصيل خبراتنا اليومية وتقنياتنا المتطوّرة . سأقدّمُ للقرّاء ، بالإضافة لكلّ هذا ، بعضاً من الرؤى المنظورية الجديدة ، وأعني بها أفكاراً تعلّمنا - نحن الفيزيائيين - أن نقبلها ونتداولها في الأوساط العلمية على الرغم من أننا لم نقم سوى بالقليل من العمل الرصين في محاولة نشر تلك الأفكار خارج نطاق الدوائر الضيّقة من الإختصاصيين . 

لو أردتُ تقديم مثال واحد فحسب من المقياس دون الذري subatomic فإليكم المثال التالي : تتواصل الجسيمات المنفصلة دون الذرية فيما بينها بطريقة آنية برغم كونها بعيدة للغاية عن بعضها ، وهذه الطريقة تخالفُ بداهتنا الجمعية العامّة . تدعى هذه الخاصية اللاتموضعية Nonlocality ، وهي تدفعُنا دفعاً لتعديل كامل فهمنا لبُنية الفضاء ذاته ؛ لكنْ من الأمور المحزنة أنّ العديد من غير الفيزيائيين - ومعهم بالتأكيد بعض الفيزيائيين – يمتلكون فهماً سيئاً لما تعنيه هذه الخاصية حقاً ، أو أنهم قد يقدّمون تفسيراً سيئاً لها .

ثمة نقدٌ كثير مُوجّهٌ للعلماء ( وبخاصة نحو الفيزيائيين النظريين ) يمكن أن نقرأه في الكتب العلمية الشعبية التي تتناول المفاهيم الأساسية في الفيزياء ، ومفادُ تلك النقودات الكثيرة أنّ هؤلاء الفيزيائيين لايعملون بشكل مستديم على مساعدة القارئ العام في فهم ماالذي تعنيه هذه المفاهيم الفيزيائية حقاً . هنا لابدّ من توضيح الحقيقة التالية : الفيزيائيون الذين يبتدعون هذه المفاهيم الأساسية ولاينفكّون يطوّرونها دوماً ، وكذلك الفيزيائيون الذين يكتبون البحوث الفيزيائية ويأتون لنا بنظريات فيزيائية جديدة هم ليسوا - بالضرورة - الأفضل بين الفيزيائيين ممّن يمتلكون القدرة على شرح وتوضيح أفكارهم الخاصة لغير الفيزيائيين ؛ لكن في المقابل فإنّ هؤلاء الفيزيائيين الذين قد يمتلكون خبرة أعظم وحقّقوا نجاحاً مشهوداً في تمرير أفكارهم للجمهور العام قد لايفهمون هم أنفسهم بعض المفاهيم الفيزيائية بما يكفي من العمق والدراية وبطريقة قادرة على تجاوز حدود المقايسات التشبيهية البسيطة ، وحتّى لو إستطاع المرء ( المقصود هو الفيزيائي ، المترجمة ) فهم النظريات الفيزيائية السائدة وتمكّن بنجاح ( كما آملُ ) في إشاعة هذا الفهم بين حلقات العامة من غير الفيزيائيين فلن يكون تحدّياً يسيراً أبداً أن يقدّم توضيحاً كافياً ومناسباً لمصطلحاتً فيزيائية على شاكلة : ثبات المقياس Gauge Invariance ، الثنائية Duality ، التضخّم الأبدي Eternal Inflation ، المبدأ الهولوغرافي Holographic Principle ، نظريات المجال المُطابقة Conformal Field Theories ، فضاءات دي- سيتر الضديدة Anti – de Sitter Spaces ، طاقة الفراغ Vacuum Energy ،،،، بطريقة تنقلُ تبصراً حقيقياً بالجوهر الفيزيائي الذي تنطوي عليه هذه المفاهيم من غير الإستعانة بصياغات رياضياتية معقّدة . حاولتُ بأقصى مافي قدرتي من الاستطاعة الممكنة أن أقدّم الأفضل في هذا الكتاب ؛ لكن قد يوجد بعض القرّاء ممّن يشعرون بقدرتي على تقديم عمل أفضل ممّا قدّمتُ في هذا الكتاب ، وأرى من جانبي في هذا الشعور أمراً صحيحاً .

لكن برغم كلّ هذا لو أردتَ - صديقي القارئ - لأن تدلف عميقاً في أيّ موضوع خاص أو موضوعات خاصة من تلك التي قاربتُها مقاربة مختصرة أو عابرة في ثنايا هذا الكتاب فثمة الكثير من الكتب التي ستكون مصدر عونٍ عظيم لك وستزوّدك بفهم رائع وبطريقة مشرقة ، ومن أجل هذا قدّمتُ في نهاية الكتاب قائمة ببعضٍ من هذه الكتب التي ستجدُها يسيرة الولوج إلى مغاليقها ومثيرة للبصيرة والتفكّر في محتواها . تصف العديد من هذه الكتب المذكورة في القائمة رحلة التقدّم العلمي المثيرة التي شهدتها الفيزياء عبر الألفيات العديدة منذ زمن قُدَماء الإغريق ، والكيفية التي تحققت بها المكتشفات المثيرة ، والطريقة التي وُضِعت بها النظريات والفرضيات إلى جانب الطريقة التي كانت تهملُ بها نظريات وفرضيات أخرى وتُنحّى جانباً . تركّزُ هذه الكتب غالباً على الثورات التي قلبت الرؤى القديمة الراسخة بشأن الكون ، وتصفُ اللاعبين القياديين الذين قادوا الحركات الطليعية في هذه الأطروحات التأريخية المفصلية في العلم الفيزيائي . 

لن أعمل في هذا الكتاب الوجيز على النظر في ثنايا التأريخ ومعرفة المدى البعيد لما بلغناه في وقتنا الحاضر ، كما لن أحكي الكثير بشأن المدى الأبعد الذي يتوجّب علينا بلوغه ؛ والسبب وراء ذلك واضح وبسيط : أنا لاأعرف المدى الذي ينبغي علينا بلوغه ، فضلاً عن أنّ هذا المدى لايزالُ يمثّلُ - كما أحسبُ - طريقاً طويلاً بعدُ ؛ ولكن برغم ذلك سأقدّمُ في الفصل الثامن من الكتاب خلاصة مركّزة لما نعرفه وكذلك لما لانعرفه بعدُ . 

ليس ثمة من نظرية فيزيائية محدّدة أراني منافحاً عنها ونصيراً عنيداً لها في كلّ الأحوال ؛ فعلى سبيل المثال عندما يختصّ الأمر بالمقاربة التوفيقية بين الميكانيك الكمومي والنسبية العامة ( المقاربة التي صارت بمثابة الكأس المقدّسة في الفيزياء النظرية الحديثة ) لاأراني أتخذ موقفاً معاضداً لأيّ من الفريقين العاملين الرئيسيين لتحقيق هذا المسعى : لستُ نصيراً لنظرية الأوتار String Theory مثلما لستُ واحداً من المعجبين المنافحين عن الثقالة الكمومية الحلقية Loop Quantum Gravity وذلك لأنّ أياً من النظريتين لاتقع في إطار تخصصي الفيزيائي الدقيق . عندما يختصُّ الأمر كذلك بتقديم تفسير لمعنى الميكانيك الكمومي فلستُ أتخذُ موقفاً مناصراً لمدرسة كوبنهاغن ، وفي الوقت ذاته لاأراني مسكوناً بالحماسة الفياضة تجاه " تفسير العوالم المتعدّدة Many Worlds Interpretation " ؛ لكنّ هذا الأمر لن يردعني بين الحين والآخر على التأمّل في مثل هذه الموضوعات . سأحاولُ بالقدر الذي أستطيعه أن لاأغور عميقاً في التفصيلات الفلسفية أو الميتافيزيقية حتى لو وجدتُ دافعاً مغوياً يغريني في ولوج هذه العوالم المدهشة وبخاصة عندما يناقشُ المرء بعضاً من أكثر الأفكار إدهاشاً في الجبهات المتقدّمة للفيزياء سواءٌ في طبيعة الزمان والمكان أو في التفسيرات المتعدّدة للميكانيك الكمومي أو حتى في مناقشة طبيعة الواقع ذاته ، وأنا إذ أقول هذا لستُ أعني البتة أنّ الفيزياء ليست في حاجة إلى الفلسفة ، وإذا ماحاولتُ أن أقدّم لك محض فكرة صغيرة عن الكيفية التي يمكن بها للفلسفة أن تدعم موضوعاتي المُناقشة على المستوى الأكثر أساسية فيمكنني - على سبيل المثال وحسب - أن أتوقّع حجم دهشتك عندما تعلمُ بأنّ الفيزيائيين ليس بمستطاعهم حتى الإتفاق حول طبيعة مسعى الفيزياء وهدفها الأعلى الذي تجاهد في بلوغه : هل هو فهم الواقع الجوهري للعالم كما إعتقد آينشتاين ( أي بمعنى آخر : بلوغ شكلٍ ما من الحقيقة النهائية التي تمكث خارجنا وتنتظرُ منّا أن نكتشفها ) ، أم أنّ هدف الفيزياء هو بناء نماذج ( موديلات Models ) للعالم يمكنها الإقترابُ أكثر فأكثر من أفضل مافي حوزتنا من معرفة بشأن الواقع الفيزيائي الذي نعيشه والذي - ربما - لن نعرفه أبداً . إذا ماأريد لي أن أختار واحدة من هاتين المقاربتين فسأختار المقاربة التي إنحاز لها آينشتاين . 

دعوني أضع الأمر في خُلاصة محدّدة بسيطة : أرى بأنّ الفيزياء تمنحُنا الأدوات والوسائل التي تمكّنُنا من فهم الكون ، وأنّ دراسة الفيزياء هي في جوهرها بحثٌ عن التوضيحات التفسيرية ؛ لكنّ الشروع في هذا المسعى البحثي يتطلّبُ منّا أولاً وقبل كلّ شيء أن نسأل الأسئلة الصحيحة ، وهذا شيء يبرع الفلاسفة في أدائه .

تأسيساً على ماقلته أعلاه سنشرعُ في رحلتنا هذه منطلقين من إطار هيكلي عقلي متواضع بصورة مناسبة لرحلة الشروع هذه ، وأقصدُ بهذا الإطار المتواضع ( إذا كنّا نزيهين بما يكفي ) أنّنا كلنا - أطفالاً وبالغين وأجيالاً قديمة وتلك التي ستأتي في المستقبل - نتشارك خصيصة مميزة وهي كوننا لانعرف ونسعى لأن نعرف ، وإذا ماتفكّرنا ملياً فيما لانعرف فيمكننا أن نكتشف الوسائل الفضلى التي تعيننا على معرفته . إنّ الأسئلة الكثيرة التي لطالما سألناها في كلّ أطوار تأريخنا البشري هي التي منحتنا قدرة الحصول على صورة أكثر دقّة من سابقاتها بشأن العالم الذي نعرف ونحبّ . 

إذن ، هاهو العالم معروض أمامكم على الشاكلة التي رسمتها الفيزياء له .