سطور من سنوات عجاف

Tuesday 1st of December 2020 09:16:32 PM ,
العدد : 4823
الصفحة : آراء وأفكار ,

 د. جاسم الصفار

منذ خمسينيات القرن الفائت، حاولت الولايات المتحدة بانتظام الإطاحة بالحكومات في الشرق الأوسط الكبير. حصل ذلك في إيران وأفغانستان والعراق ومصر، إضافة الى ليبيا وسوريا.

تشمل هذه القائمة فقط الحالات التي كان فيها إزاحة رئيس البلاد وتغيير نظامها السياسي هو الهدف المباشر للولايات المتحدة، وبذلت واشنطن جهوداً متواصلة لتحقيق ذلك. كانت دوافع التدخل، وكذلك الأساليب التي استخدمتها واشنطن، مختلفة تماماً، في بعض الحالات رعت الانقلابات، وفي حالات أخرى غزت البلاد، أو اعتمدت على الضغوط الدبلوماسية والإغراءات والعقوبات الاقتصادية.

وفي غالب الأحوال كانت نتائج تلك المحاولات غير موفقة وينقصها بُعد النظر. فعادةً ما استهان السياسيون الأميركيون بتبعات التغيير وآثاره المدمرة على شعوب تلك البلدان، إضافة الى المبالغة في استخدام أساليب أضرت بالشعوب قبل الحكام. ونتيجة لرهاناتها الخاطئة على قوى وأطراف في المعارضة بعيدة تماماً عن طموحات وهموم شعوبها، فشلت في توقع الفوضى التي ستتبع حتماً سقوط النظام، ودفعت تلك الدول أثماناً باهظة للتغيير كلفتها ضحايا بشرية وخسائر مالية ضخمة لعقود قادمة.

وبغض النظر عن مدى دقة الإعداد لعملية تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، كانت هنالك عواقب كارثية، غابت عن ذهن المخططين لها. ولعل المثال الأبرز هو غزو العراق في عام 2003، عندما قامت واشنطن بالإطاحة بنظام صدام حسين الديكتاتوري الدموي، وتركت السلطة في بغداد خاضعة لتجاذبات وصراعات بين قوى إسلامية شيعية مدعومة من إيران وحركات جهادية تمدها دول عربية بالمال والسلاح، إضافة الى قوى علمانية مدنية لا حول لها ولا قوة، عدا تلك التي بقيت متكئة على الوسادة الأميركية. 

الحقيقة التي مراراً ما تتجاهلها الإدارة الأميركية هي أن الفراغ الأمني الناجم عن تغيير أي نظام كان، لا يولد إلا صراعات على السلطة داخل الدولة التي يجري تغيير نظامها، ويثير حتماً منافسة لا هوادة فيها بين الخصوم الإقليميين. فعندما يتم الإطاحة بالحكومات (أو يبدو أن هذا على وشك الحدوث)، تندفع القوى الإقليمية وحتى العالمية على الفور إلى البلاد بأموالها وأسلحتها، وأحياناً قوتها العسكرية، لجلب وكلائها إلى السلطة ووضع الدولة في فلكها.

كررت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس مراراً وتكراراً أن سعي واشنطن لتحقيق "الاستقرار من خلال الديمقراطية" في الشرق الأوسط لم يؤد دائماً إلى النتائج المطلوبة. ويجب أن نعترف بأن هذه العبارة صحيحة بشكل عام. فالسعي لتحقيق "الديمقراطية على حساب الاستقرار" لا يؤدي، لا الى الديمقراطية ولا الى الاستقرار وتكون تكاليفه عالية وعواقبه وخيمة. وعلى الرغم من عدم وجود صيغ عالمية للتطور الديمقراطي، فإن العديد من الدراسات العلمية تظهر أن المكونات الرئيسة للتطور الديمقراطي هي درجة عالية من التنمية الاقتصادية، وتجانس أو وفاق عرقي وسياسي وثقافي كبير، مع خبرة، أو دراية، بالقواعد والممارسات والمؤسسات الديمقراطية. للأسف، تفتقر دول الشرق الأوسط الحديث، ومنها العراق، إلى كل هذه السمات.

وفقاً لما نشره مؤرخ وكالة المخابرات المركزية ديفيد روبارج، فأن الولايات المتحدة الأميركية، كانت قد تبنت سياسة التدخل في الحملات الانتخابية للدول الأخرى منذ بداية الحرب الباردة في القرن الماضي. وكانت أول عملية سرية لوكالة المخابرات المركزية، في هذا السياق، هي التدخل في الانتخابات الإيطالية عام 1948. في ذلك الوقت، ولضمان فوز مرشحي الحزب الديمقراطي المسيحي على مرشحي اليسار الإيطالي، قدمت وكالة المخابرات الاميركية والبريطانية، دعماً غير محدود، إعلامياً ومالياً ولوجستياً، للحزب الديمقراطي المسيحي آنذاك. 

وبعد هزيمة الحزب الشيوعي الإيطالي في تلك الانتخابات، أصبحت عملية عام 1948 "نموذجاً" يحتذى به لاحقاً في التأثير على سير ونتائج الانتخابات في بلدان أخرى. ووفقاً لهذا "النموذج"، كما وصفه ديفيد روبارج، تدخلت وكالة المخابرات المركزية الاميركية في مسار الانتخابات "في العديد من البلدان"، من تشيلي وغيانا إلى السلفادور واليابان. أحيانا يقتصر دعمها على الجانب الدعائي والمالي وفي بعض الأحيان كان هناك تلاعب مباشر في بطاقات الاقتراع، لكن الهدف كان دائماً هو نفسه - التأثير على نتيجة التصويت.

في آذار (مارس) 2003، غزت الولايات المتحدة العراق للإطاحة بالديكتاتور صدام حسين والاستيلاء على أسلحة الدمار الشامل التي زُعم أنه يمتلكها. سقط نظام صدام في غضون أسابيع، لكن لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل. ولتبرير الحرب، أعاد جورج بوش صياغة أهدافها بطريقة أخرى، مؤكداً على أهمية تغيير النظام السياسي العراقي. وفي أواخر عام 2003، أعلن أن "الديمقراطية العراقية سوف تسود" وأن المواطنين سيحصلون على تمثيل شعبي. 

لذا كان من المهم للغاية بالنسبة للحكومة الأميركية في ذلك الوقت إجراء انتخابات ديمقراطية، لأن ذلك بالذات ما كان يمكن أن يبرر الغزو. قال أرتورو مونيوز، الذي كان وقتها ضابطاً في وكالة المخابرات المركزية، "بما أننا لم نعثر على أسلحة دمار شامل، كان علينا أن نخلق تبريراً معقولاً للحرب، لذلك، على الأقل، كان علينا إنشاء ديمقراطية". 

عندها بدأت المنظمات الأميركية التي تروج للديمقراطية بضخ الموارد في العراق. على وجه الخصوص، أطلق المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الديمقراطي الوطني برامج واسعة النطاق لتوفير متطلبات الانتخابات، وتدريب ممثلي الأحزاب، وعقد النقاشات، والتشجيع على زيادة إقبال الجمهور العراقي على المساهمة في الفعاليات الانتخابية.

في الانتخابات، كان على المواطنين تحديد التوجهات السياسية والاقتصادية لبلدهم. لذا، كان على الإدارة الاميركية بذل كل مساعيها من أجل ضمان توجهات سياسية مستقبلية للحكومة القادمة في العراق، ترسخ بقائه في الفلك الأميركي. الا أن المساعي الأميركية، في هذا الاتجاه، سرعان ما واجهت مشكلة حقيقية، فوفقاً للمعلومات الاستخباراتية، كان الاحتمال الراجح هو خسارة المرشح المفضل للأميركان، إياد علاوي، في أول انتخابات برلمانية في العراق، من المقرر إجراؤها في كانون الثاني (يناير) 2005.

توصلت وكالة الاستخبارات الأميركية الى قناعة بأن إيران سوف تتلاعب في التصويت من خلال دعم خصوم علاوي. وقال نائب مدير وكالة المخابرات المركزية ماكلولين: «بالطبع إيران متورطة. وإلا كيف؟ إنهم جيران ولديهم فرص وحلفاء في القيادة ". يضاف الى ذلك ظروف التخندق الطائفي التي كان لابد لها من أن تلعب دوراً كبيراً في ترجيح كفة الأحزاب الإسلامية الطائفية، وخاصة التحالف الشيعي.

ناقش بوش ومستشاروه رداً محتملاً من خلال عملية سرية. شارك جون نيغروبونتي، سفير الولايات المتحدة في العراق، بانتظام في تداولات حول الوضع في العراق والسياسة الأميركية مع وكالة الاستخبارات من بغداد بصورة مباشرة عبر شبكة الانترنت. كانت هناك قضية واحدة على جدول الأعمال: تدخل وكالة المخابرات المركزية في الانتخابات. يتذكر نيغروبونتي فيما بعد "كنا نفكر حقاً في هذا الخيار"، مشيراً إلى أنه كان "منفتح على مناقشة هذا الاحتمال" مع مسؤولي الإدارة الآخرين.

وصلت المناقشة إلى مرحلة خطيرة، وأبلغ البيت الأبيض قادة الكونغرس بخططه. قال توم داشل، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ آنذاك: "كان الأمر يتعلق بإمكانية التدخل الذي يمكن أن يوفر نتيجة مضمونة". أحيطت الخطة بدرجة كافية من السرية وكان المسؤولون الأميركيون يتجنبون أي تسريبات إعلامية لأي تفاصيل تكشف عن خطة وكالة المخابرات المركزية، على الرغم من أن داشل أكد أنها تضمنت عدداً من الخطوات التي بدت غير مواتية وغير مناسبة.

بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية، فإن التدخل في الانتخابات العراقية كان يمكن أن يكون، في حالة فوز المرشحين المرغوب بهم أميركياً، بمثابة تبرير مقبول للحرب واسقاط النظام الدكتاتوري الدموي في العراق. وبحلول خريف عام 2004، كانت الوكالة قد بدأت الاستعدادات، وكان أياد علاوي ينتظر المساعدات التي وعد بها من أجل كسب المعركة الانتخابية. الا أنه تفاجأ فيما بعد، بفتور حماس الإدارة الاميركية للتدخل الواسع في الانتخابات العراقية. وقال في عام 2007: "في البداية، أراد الأميركيون دعم القوى المعتدلة، بما في ذلك مادياً ومن خلال وسائل الإعلام". ثم توقفت المساعدات فجأة بحجة أن واشنطن "لا تريد التدخل". فما الذي غير الموقف الأميركي؟

لم تكن وكالة المخابرات والإدارة الاميركية واثقة تماماً من نجاح المساعي المبذولة من أجل تحقيق فوز مضمون للتيار الليبرالي عبر صناديق الاقتراع في ظل ظروف محلية غير مشجعة، إضافة الى الدعم الكبير الذي قدمته إيران للأحزاب الطائفية الموالية لها في العراق. ونتيجة لذلك تشكل تحالف غير متوقع داخل وكالة المخابرات المركزية والكونغرس والبيت الأبيض ضد التدخل في الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2005 (وفقا لمصادر أميركية). 

يتذكر نيغروبونتي، أن آخر شيء فكرت بعمله وكالة المخابرات المركزية هو الانجرار إلى تدخل غير مضمون العواقب، كان، في حال فشلها، سيعرض الإدارة الأميركية لانتقادات شديدة. وأشار مونيوز: "إذا كنت ستؤثر على الانتخابات وينكشف أمرك، بسبب التسريبات المحتملة، سيقول الجميع أن المخابرات المركزية كانت وراء فوز مرشحين بعينهم بسبب الدعم الذي قدم لهم من قبلها". لذا، تم وضع خطة وكالة المخابرات المركزية على الرف. وفي يناير 2005، هُزم تحالف علاوي وسط عدم الاستقرار والهجمات الإرهابية، ووصل تحالف تربطه علاقات وثيقة مع طهران إلى السلطة.

*اعتمدت في اعدادي للمقالة مصادر أميركية حصراً.