نُـشـارك أم نُـقــاطــــع ؟

Wednesday 2nd of December 2020 09:07:59 PM ,
العدد : 4824
الصفحة : آراء وأفكار ,

 حكمة إقبال

بدأ الناس يطرحون هذا السؤال في أحاديثهم اليومية ، ومثلهم بعض الأوساط السياسية والثقافية ، ويحاول أصحاب كلا الرأيين تقديم مبررات لرأيه والترويج له ، وتجاوز مستوى الحديث الى إعلان إحدى الجهات السياسية المتنفذة ، ويتهديد السلاح ، إن رئيس مجلس الوزراء القادم من حصتها . أحاول هنا التنبيه الى نقطة أعتبرها مهمة للإجابة على سؤال المشاركة من عدمها وهي عدالة القانون الإنتخابي .

كانت انتفاضة تشرين الكبيرة والتي كشفت عن أن شباب العراق مستعد للتضحية بكل أشكالها من اجل استعادة وطن يؤمّن الحياة الكريمة للمواطنين ، وكان أحد شعاراتهم هو الإنتخابات المبكرة ، وربما يعتقد البعض ان ذلك سيتحقق لهم ذلك في 6 حزيران القادم ولكن الشعار لايكفي يل طريقة تحقيق الهدف بالتغيير في تشكيلة البرلمان الجديد . 

أعتقد المتضامنون مع انتفاضة تشرين وبزخمها السابق قبل كورونا ، إنها ستغيّر تركيبة البرلمان الحالي ، وسيكون لهم مقاعد كثيرة ومؤثرة اذا ما حشدوا للانتخابات جيداً ، وبدأت أصوات ترفض المقاطعة ، وهذا الرأي يعتمد على عاطفة التضامن وليس على تدقيق حسابات وآليات الكسب الانتخابي .

إنتفاضة تشرين البطلة ، وبكل ماقدمته من ضحايا لم تكن منسجمة سياسياً ، ولم تستطيع تنظيم نفسها لتشكيل كيان سياسي يعبر عنهم ويدخل الانتخابات لمواجهة أحزاب الفساد ، ودعوات تشكيل هذا الكيان لن تكون مؤثرة كثيراً في نتائج الامتخابات لسببين : أولهماعدم اتساع المشاركة الجماهيرية من المواطنين الآخرين غير الشباب لتتحول الى عصيان مدني عام يؤدي الى تغيير هيكيلة وتركيبة العملية السياسية برمتها ، وثانيهما إغفال الإنتفاضة أن الاشراف الدولي على الانتخابات يجب أن يكون منذ بداية التهيئة للإنتخابات وليس الحضور في يوم الانتخابات للتجول بين المحطات والمراكز الانتخابية ، وأن تشرف الامم المتحدة منذ البداية على إصدار قانون إنتخابي ، وتشكيل مفوضية جديدة مستقلة حقاً ، أو استخدام القضاة لإدارتها . ولذلك بقي البرلمان الفاسد الذي انتفض الشباب ضده عملياً هو من قرر شكل قانون الانتخابات بطريقة الدوائر المتعددة التي لاتمنح أية فرصة لأحزاب مدنية غير طائفية وغير مسلحة بالحصول على عدد مقاعد مؤثر في البرلمان القادم .

لمن يريد أن يعيد سؤال العنوان أن يفكر أكثر من مرة قبل اتخاذ قراره ، وأن يجيب على سؤال : هل القانون الإنتخابي الذي أقره الفاسدون ، عادل أم غير عادل؟ وليس التفكير في أن المقاطعة ستبقي الفاسدين ، وإن المشاركة بالاستفادة من زخم تشرين لتحقيق مايمكن . وإن من ينشد التغيير الفاعل عليه أن يقتنع أن المشاركة ستعطي الأحزاب الإصلاحية ، المدنية والديمقراطية القديمة ، والأحزاب المحتمل تشكيلها من ابناء تشرين ، عدد مقاعد مؤثر في البرلمن القادم ، أم سنقبل بعدد محدود غير مؤثر .

القانون الإنتخابي العادل هو حجز الزاوية في أية انتخابات نزيهة وعادلة ، والقانون الحالي والقوانين السابقة لم تكن عادلة ، وخدعة الدوائر المتعددة ستعيد الفاسدين ولو بوجوه بعضها جديد واسماء جديدة ، ولن تستطيع الأحزاب المدنية تحقيق نجاح ملموس لتشتت أصواتها بين الناخبين في هذه الدوائر المتعددة .

حتى تتحقق العدالة يجب أن يكون هناك نسبة 40% من مقاعد البرلمان يتم حسابها على أن العراق دائرة واحدة ، وستحقق هذه النسبة تمثيل الأحزاب الأصغر من الفاسدة والمتنفذة ، ونسبة 60% باعتبار كل محافظة دائرة واحدة ستحقق التوزيع الجغرافي المطلوب لممثلي الشعب . 

وكذلك يجب احتساب أصوات المكونات الدينية والأثنية الأخرى على أن العراق دائرة واحدة بحيث لاتضيع أصوات بعضهم ممن لايسكنون في المحافظة التي حدد المقعد فيها ، ( مثال مقعد الكورد الفيلية حُدد في محافظة واسط فقط ) . 

تعتمد الديمقراطيات الراسخة في أوروبا مثلاً نظام سانت ليغو ، نسبة لعالم الرياضيات الفرنسي أو نظام هونت ، نسبة الى الحقوقي البلجيكي دانيا هونت ، ويعتبر عند بعض البلدان أكثر دقة في توزيع الأصوات ( 1-2-3-5 ) وهذا يعتمد على توزيع البلد جغرافياً وإدارياً . وفي الدنمارك اعتمد هذا النظام حتى عام 1920 حينما استبدل بنظام سانت ليغو ، وجرى إعادة العمل به منذ 2007 بعد تغير تركيبة التقسيم الاداري ودمج المدن وتقليص عددها . ولكن المهم في الموضوع أن كلا النظامين يؤمن توزيع عادل للأصوات ، يتم فيه جمع أصوات الأحزاب الأصغر ليصار الى تمثيلها اذا تجاوزت العتبة الانتخابية . وفي مكان آخر في القانون يُمنح الحزب السياسي الجديد ( غير الموجود في البرلمان مسبقاً ) الحق في دخول قائمة المرشحين بعد ان يُقدم (الكترونياُ) تأييد من 20 ألف مواطن يوافقون على منحهِ فرصة المشاركة في السباق الإنتخابي ، كما في الدنمارك ، وبهذا يتم ضمان عدم إتساع قائمة الأحزاب دون أن يكون لها موافقة شعبية ، ( في انتخابات البرلمان الدنماركي العام الماضي دخل ثلاثة أحزاب سباق المنافسة ، وفاز واحداً منهم فقط ) ، وحسب المعلومات المتوفرة أن في العراق 200 حزب سيتنافس في الانتخابات القادمة .

كان نظام سانت ليغو بدون تعديل وتلاعب من البرلمان مناسباً للوضع في العراق ، ولكن الفاسدين شاطرون ومتفقون مع بعضهم في كيفية ابقاء الفساد يعم البلد منذ 17 عاماً .

إذا أراد شباب الإنتفاضة ، ومن يؤيدهم ، تحقيق نصرهم بعد كل هذه الضحايا الكبيرة ، عليهم العمل مع من يساندهم ، لإعادة تعديل قانون الإنتخابات أو كتابة قانون بديل ، وبدعم مباشر وفعال من الأمم المتحدة ، يؤمن عدالة توزيع الدوائر وعدالة حساب الأصوات للفائز الأعلى ، عدا ذلك فلن تكون المشاركة أو المقاطعة ذات معنى مؤثر في التغيير المنشود .

العراق أمام مفترق طرق ، طريق الأنهيار ، ويبدو أنه بدأ ، ومؤشراته تتزايد يوماً بعد يوم ، وطريق توسيع الإنتفاضة الشبابية لتتحول الى عصيان مدني عام يشارك فيه عوائل الشباب المنتفض وجيرانهم وأقاربهم ، النقابات والاتحادات ، عمال وطلبة ، وكل ابناء الشعب المتضررين ، وتتشكل حكومة ذات صلاحبات دستورية استثنائية ، تُعيد ترتيب البناء السياسي والاقتصادي والمجتمعي من جديد ، لتحقيق عراق علماني يحكمه القانون فقط ، ومن الصعب تصوّر حدوث هذا الخيار لعدم توفر مقوماته الذاتية .