جرائم المعلوماتية.. سلطة قمعية في زمن الديمقراطية

Wednesday 2nd of December 2020 09:08:44 PM ,
العدد : 4824
الصفحة : آراء وأفكار ,

 حسين رشيد

تشمل حقوق الإنسان حسبما جاء في الإعلان العالمي لها الحق في الحياة وفي السلامة والأمن وفي ممارسة الحرية الدينية وحرية الرأي والتعبير، خاصة في المجتمعات التي تأتي حكوماتها عبر صناديق الانتخابات وإن كانت مزورة أو تشوبها الشبهات كما في انتخابات العراق.

كذلك يضمن الاعلان حرية الاجتماع والتجمع والتظاهر والاحتجاج، والحق في حماية الحرية الشخصية، ويندرج تحت هذا العنوان حقوق فرعية أخرى أهمها: الحق في احترام الحياة الخاصة والاعتراف للفرد بشخصيته القانونية، المعاملة الجنائية العادلة، والحماية القضائية، طلب اللجوء السياسي، والحق في التنقل واختيار محل الإقامة، كذلك يشمل تحريم التعذيب والمعاملة القاسية غير الإنسانية، إذ لا يجوز اعتقال أي شخص أو حجره أو نفيه تعسفاً، لكل شخص بوصفه عضوًا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومستوى معيشي مناسب يضمن الحياة الكريمة ، وأن يكون التعليم مجاناً على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية.

فيما تشمل الحقوق السياسية: حق الانتخاب والترشيح والمشاركة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، الوظائف على قدم المساواة مع الآخرين، الحق بالجنسية وعدم حرمانه منه لأي سبب كان، أما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقد شملت حق الملكية والعمل، وتكوين النقابات العمالية والمهنية، وحق الإضراب عن العمل، وتحريم التمييز لأي سبب كان، والحق في الامتناع عن ممارسة أي شكل من أشكال السخرة أو العمل القسري أو الجبري.

هذه الفقرات وأخرى سبق وأن اقرها مجلس النواب العراقي، عبر لجنة حقوق الإنسان النيابية التي يفترض إنها تمثل واجهة لحماية الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، مع مفوضية حقوق الإنسان المرتبطة بمجلس النواب والتي يتقاضى مفوضيها رواتب ومخصصات عالية جداً دون أن نلتمس لهم أي دور في حماية حقوق الإنسان في العراق. فمجمل الفقرات أعلاه منتهكة، من القوى السياسية المشاركة في الحكومات منذ أول حكومة "ديمقراطية" حتى الحكومة المستقيلة، وهذا ما يثير الضحك والسخرية حين يلجأ نظام يراد لها أن يكون ديمقراطياً الى ممارسات دكتاتورية، تعزز سطوة الحكومة واجهزتها الامنية وقمع الحريات الخاصة والعامة، فيما شهدنا ونشهد أن ساسة البلاد بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم يتغنون بالنظام الديمقراطي الذي أوصلهم الى سدة السلطة.

في الوقت الذي ناقش فيه مجلس النواب قانون المعلوماتية أو كما أعاد تسميته قانون الجرائم الالكترونية، المعلق منذ 2011. فالذي يبدو أن القوى والأحزاب والتكتلات والتجمعات والتحالفات المختلفة على كل شيء، اتفقت على قمع صوت الشعب المطالب بالإصلاح والحياة الكريمة. كذلك ثمة خشية وخوف على مستقبل حرية الإعلام الالكتروني بشكل خاص وحرية التعبير في البلاد في حال إقرار القانون والعقوبات التي تنص عليها مجمل فقراته، في الوقت الذي يغيب فيها قانون الحصول على المعلومة المركون، مع عدة قوانين أخرى فيها فائدة للمجتمع العراقي والطبقات الفقيرة وترسيخ للنظم الديمقراطية.

قد يكون الإعلام الالكتروني وحرية التعبير في مواقع التواصل الاجتماعي طاغية على الجدل العام حول اقرار القانون، في حين تم تجاهل أو عدم معرفة باستخدامات أخرى عديدة ومهمة في تسير شؤون الحياة اليومية متمثلة، بالأمن السبراني الذي هو عبارة عن أمن الفضاء الالكتروني، الذي بات بفضل ثورة الاتصالات والاستخدمات الكثيرة للانترنت، منظومة أمنية وعلماً جديداً تسخره العديد من الدول في توفير بيئة برمجية وتقنية متطورة، تستند الى قواعد وأسس عمل وقوانين ضابطة تهدف لحماية الأفراد والدول، وتسخر في توفير الخدمات العامة للشعب.

إذ استطاعت الكثير من الدول بما فيها دول اقليمة وعربية الاستفادة من الأمن السبراني في الأمن والإدارة والخدمات الطبية والصحة ومنظومات الماء والكهرباء والطيران والموصلات وفي النظم المصرفية، فضلاً عن والبحوث والدراسات المتعلقة في الفضاء الالكتروني بشكل عام، لكن الذي يبدو أن برلماننا العتيد ولجانه المختصة بعيدة عن هكذا معارف وتخصصات، يمكن أن تسهم في تطور وتقدم البلاد وتوفير الخدمات للناس، لكنها حتماً ستحد من الفساد والسرقة وهذا ما لايراد له أن يتم وإذا تم ففيه خسارة للجميع وفقدان مراكز القرار والسلطة وعدم القدرة على خوض الانتخابات والتلاعب بها.

ينص الدستور العراقي في مادته (2) ‏‌ب- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية. ‏‌ج- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور. ‏ ومشروع القانون مخالف لأبسط مبادئ الديمقراطية، ويتعارض مع أحكام الدستور في حرية التعبير والرأي، لكن الذي يبدو أن الجيوش الالكترونية باتت غير مجدية ومكلفة للقوى والشخصيات السياسية والدينية، خاصة بعد انتفاضة تشرين المجيدة وما أوجدته من حالة جديدة ومغايرة في البلاد، رغم ما تعرضت لها من عنف وقسوة من القوى الحاكمة والمتحكمة التي استشعرت خطر الانتفاضة، إذا ما عزم الشباب العودة لساحات التظاهر، لذا تسارع الجميع المختلف للاتفاق على إقرار قانون جرائم المعلوماتية سيئ الصيت.

من المفترض أن تنص هكذا قوانين على قواعد وضوابط عمل يفترض أن تكون دقيقة وواضحة وصريحة في مجمل فقراته وتراعي القوانين السارية والدستور النافذ في تسير شؤون البلاد، وأن لا تكون مطاطية ويتم تأويلها كما تريد الجهة القضائية، وهنا ثمة إشكال كبير فالكثير من القضاة غير مستقلين كما ينص القانون والدستور وهذا الإشكال قد يتسبب بمظالم كثيرة للمواطنين والمدوّنين. 

كما يستوجب أن تكون الجرائم الالكترونية كما سميت من قبل مجلس النواب واضحة المعالم والدلالة والضرر العام، أو مهددة للأمن القومي للبلاد والسلم المجمتعي كي تضمن العدالة القضائية في التعامل مع أي حالة أو حادثة يراد لها أن تدرج ضمن فقرات القانون. 

ولأن هذا القانون حساس جداً ودقيق وربما يتسبب بكوارث قضائية وعدلية، خاصة في مجال الحريات الخاصة وحرية التعبير وتوجيه النقد لاجل البناء والتقدم، لذلك فان صياغة قواعد وفقرات القانون تحتاج الى خبرات في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والفضاء الالكتروني، والإعلام الالكتروني، بل حتى وجوب تخصص القضاء الالكتروني أو ليكن بشكل أكبر الفضائي إذ يفترض بالقاضي إن يكون ملماً بشكل واسع بهذا العلم مع القوانين السارية، وكيفية قبول الدعوى واسنادها الى قانون العقوبات النافذ أو قانون الجرائم الالكترونية الذي يراد تشريعه وانتهاك الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والدستور العراقي الذي أقره البرلمان وتسخير النظم الديمقراطية في ممارسات قمعية.