فـي حوار مع الفيلسوف والمحلل النفسي الفرنسي بوريس سيرولنيك:

Saturday 26th of December 2020 08:36:17 PM ,
العدد : 4839
الصفحة : ترجمة ,

 الروابط البشرية تعيد تشكيل نفسها في زمن كورونا

 الحجر المنزلي حماية جسدية لكنه ألم نفسي

ترجمة : عدوية الهلالي

هل يمكن أن تكون الفلسفة قد ساعدت البعض على العيش بشكل جيد خلال فترة الحجر المنزلي ؟..وجهت صحيفة لاكروا هذا السؤال الى الفيلسوف والمحلل النفسي ومدير تحرير مجلة (فلسفة) الدكتور بوريس سيرولنيك ضمن اجراء حوار معه عن تاثير وباء فايروس كورونا على حياتنا وكيف كان دور الفلسفة في ذلك وماالحكمة التي استمدها منه ، فقال :

-أتساءل ، هل كان الفيلسوف بليز باسكال محقاً في القرن السابع عشر عندما قال إن " كل مصائب البشر تأتي من شيء واحد ، وهو عدم بقاء الفرد مستريحاً في حجرته " ..في مايخصني ، اعتقد أن هذا الوضع لايطاق لأنه يرغمنا على التفكير في وضعنا البائس ، وفي الخوف من المرض والموت ، وربما هذا هو السبب الذي يجعلنا نحاول بأي ثمن ألا نكون وحدنا مع أنفسنا ..وبالنسبة للعديد من الناس ،لم تعد حجرة النوم أو أماكن الحجر المنزلية خلال فترة الحجر الصحي مجرد أماكن خاصة ، اذ تضاعف المكان بأبعاد أخرى مثل : مدرسة للتعلم عن بعد ، ومكتب للعمل عن بعد ، ومكان للتفكير في الأزمة الاجتماعية والسياسية ..كل هذه الأماكن التي عادة ماتكون مبعثرة ، تتجمع فجأة في مكان واحد فريد في معناه ومحتواه بالنسبة لي ..أنا اعتقد أن كل شيء على قيد الحياة سيموت يوماً ما ،وهذا يعني اننا مرغمون على أن نعيش الحياة بليلها ونهارها ، بأوقات التعب والراحة فيها ، بحجرة أو ضمن حياة اجتماعية ..مايعني ، بكل متناقضاتها لأنها تعمل معاً مهما تعارضت ..نحن مضطرون أيضاً الى التواصل الاجتماعي بشرط أن نكون قادرين على الالتجاء الى أنفسنا من وقت الى آخر ..وهذا وجه آخر للتناقض أيضاً ..

*ما الذي يمكن أن تقدمه لنا الفلسفة في هذا الوقت؟

-إن اللحظة التي نمر بها حاليا هي لحظة فلسفية جوهرية ..إنها في حد ذاتها تجربة فلسفية ..إنها لحظة توقف تحت ضغط العولمة الليبرالية والاقتصادات التي يحركها النمو ، ذلك أن مجتمعاتنا الحديثة باتت تعيش شغف التسريع ، كما ان هنالك نقطة توقف ليست فردية مثل المرض او التقاعد ..انه توقف جماعي ..أما الآن ، فلم يعد بامكانك مواكبة سرعة العصر ، إذ صار عليك البقاء في المنزل ..نحن الآن نمر بشكل جماعي بوقت عصيب لأننا بتنا نشكك في قيمنا وربما صار لقراءة نصوص الفلسفة والاستماع الى الحوارات مع الفلاسفة أو المفكرين أهمية تطمينية الى حد ما ..فالعلاج الفلسفي – في رأيي – يعني توضيح المفاهيم وعدم الانجراف مع التأثيرات السلبية ، فضلاً عن القدرة على تسمية التجارب التي نعيشها بدقة ليكون الفرد قادرا على الرؤية بشكل أوضح قليلاً لكي لايقع تحت تأثير القلق النابع من الداخل بسبب الحجر المنزلي والعزلة ..

يمكن أن نعتبرلحظة التوقف هذه إذن تجربة فلسفية كما أن البعض يرى فيها ترفاً وتجربة مميزة ، كما يجد البعض في الفلسفة دعائم لأفكارهم وآفاقاً للهروب من العزلة ..في هذه الفترة ، هنالك أناس محتجزون في منازلهم وآخرون ملزمون بالخروج بسبب مهنهم حفاظاً على الحضارة المادية وهذا يخلق بذرة صراع طبقي محتمل !!

*ما يحدث اليوم ، هل سيغيرنا بشكل فردي وجماعي؟

-بعد كل هذه الصدمات ، سنضطر الى التفكير في الحياة بشكل مختلف ، والا فسنبقى أسرى للماضي والمحن وقد نتوقف عن التفكير ، ويسمى هذا بمتلازمة الصدمة النفسية ..فاذا كنت تعتقد بأن الصدمة تدعوك للتفكير في طريقة أخرى للعيش - وهذا مايعني المرونة –فانك مجبر على التفكير في محاولة للخروج من الأزمة ..يمكنك أن تكون مرتاحاً في حجرتك فقط في أوقات السلم ، أما عندما نكون في حالة حرب مع عدو غير مرئي ، فلابد ان تنشأ لدينا المخاوف ، وإذا لم نفعل شيئاً ، فنحن سجناء ومقيدون ، وإذا مابدأنا في التفكير ، فيمكننا إما خلق العجائب وابتكار طريقة أخرى للعيش ، أو ابتداع كبش فداء ، وهذا يضيف تعاسة الى تعاستنا ..

ويضيف سيرولنيك قائلاً : لقد قرأت في هذه الفترة كتب التاريخ والحضارة وأعدت قراءة الكتب التي تروي كيف غيرت الأوبئة الثقافات ،فمنذ ظهور الكتابة ، رأينا كيف تقتل الأوبئة العديد من الناس وتغير الحضارة وتجبرنا على التفكير بشكل مختلف ..

*الخوف ، هل هو أمر مقبول ؟

- الحجر المنزلي هو حماية جسدية لكنه ألم نفسي ، نحن بحاجة الى وجود الآخرين ومساعدتهم ليتم تنشيط أدمغتنا ، ولايمكن أن نكون أنفسنا إلا إذا كان هنالك شخص قريب منا وإلا فسوف نموت ..أنا أرى أن الحجر ،وعلى الرغم من كونه ضروري ، فقد يسبب اضطرابات عقلية مايجبرنا على زيادة آليات الدفاع ، اما في الفلسفة فسيعيش البعض غوصا داخليا ، ربما يكون صوفيا !! فمع كل كارثة أو وباء ، نلاحظ تكرار نفس العملية : اعني زيادة التصوف ، والغوص في عالم داخلي (الفلسفة ) والتفكير في زيادة حماية الأسرة والجماعة وزيادة الكراهية والبحث عن كبش فداء ..وقد ثبت اخيرا ان الصلاة والمعتقدات النفسية تساعد على مكافحة القلق ..

*وكيف تنظر الى مسألة الإهمال ؟

-نحن نكتشف جانباً آخر من الواقع ، لقد اكتشفنا أن التهديد كان يشكل مصدر قلق للمرضى وكبار السن خلال فترة الحجر ، وشهدنا وقتها وعيا عنيفا لهشاشة عالم او نظام كنا نؤمن به قليلاً ، لكن الإهمال كان من نصيب الشباب غير الواعي فالمراهقة هي عمر انتهاك القواعد ومخالفتها إذ يعتقد المراهقون إنهم يحققون كيانهم من خلال تجاهل القواعد الاجتماعية ، وهكذا ، فهم يفعلون مايشعرون به من الناحية النفسية أما من الناحية الوبائية فهذا السلوك خطير لأنه يساعد على انتقال الوباء ..

*فما هي الروابط البشرية في زمن فايروس كورونا؟

-أرى أن الروابط الإنسانية تعيد تشكيل نفسها وإعادة اختراعها ، وتلعب التكنولوجيا الرقمية دوراً كبيراً إذ أن هنالك تكثيف للتبادلات عبر الانترنت ، كتبادل الصور والكتابات والمحادثات وهو الأمر الذي خلق بعض الدفء اذ بدأ الناس يسألون عن بعضهم البعض ، ونشأ تقارب بين الزملاء وزيادة في الكياسة والأدب وصار يسعدنا أن نرى الآخرين في صحة جيدة ..هنالك إحياء للروابط البشرية إذن في الوقت الحالي ، وهو مايحدث بشكل غريب من خلال هذه البنية التكنولوجية ، فنحن نعيد اكتشاف الهاتف ايضا ، ونتصل ببعضنا البعض ، وهو مالم نعد نفعله مؤخراً ، كما أن هنالك تلامساً إنسانياً في الصوت أكثر من الرسائل ..إنها تجربة رائعة نمر بها يضاف إليها نشوء أشكال جديدة من التضامن كانت قد اختفت الى حد ما بين الجيران والأصدقاء والاقارب..

عن صحيفة لاكروا الفرنسية