برنامج متواضع نحو إصلاح الأجهزة الأمنية

Wednesday 17th of February 2021 10:19:58 PM ,
العدد : 4876
الصفحة : آراء وأفكار ,

 غالب حسن الشابندر

الحلقة الثالثة

تحدثنا في الحلقة الأولى والثانية عن مؤشرات أربعة تحول دون عمل المؤسسات الأمنية على المستوى المطلوب منها ، وهي على التوالي :

أولاً : النفوذ الحزبي داخل المؤسسة .

ثانياً التوارث الوظيفي في المؤسسة .

ثالثاً : المحورية الشخصية .

رابعاً : التضخم الوظيفي في المؤسسة .

وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن مؤشرات أخرى في هذا الصدد ....

المؤشر الخامس : انعدام التنسيق بين دوائر وأقسام هذه المؤسسة ، سواء كانت هذه الدوائر والأقسام تحت خانة عنوان إداري واحد أو عدة دوائر ، فنحن في العراق تكاد تشترك وزارة الداخلية ومستشارية الأمن الوطني ، ومكافحة الإرهاب والمخابرات وربما حتى الاستخبارات في أهداف متجانسة متقاربة ، إلا وهي محاربة الإرهاب والتجسس المضاد وحماية أمن البلد وتحصينه من المخربين والإرهابيين ومهربي العمل والمتلاعبين في قوت الناس ...

وبفعل تقارب وتجانس وتماثل المهمات يتطلب ذلك التنسيق الجاد بين كل هذه الدوائر أو الوزارات والفعاليات والنشاطات ، وقد اشتكى أكثر من مسؤول عراقي له صلة عميقة بالموضوع الذي نحن بشأنه أن من أسباب التدهور الأمني هو انعدام التنسيق وتبادل المعلومات بين هذه الأقسام والدوائر المعنية !

والحقيقة إنه مما يدعو الى الدهشة مثل هذه الثغرة ، لأن التنسيق بين هذه الأقسام والأجهزة والأنظمة بديهة لا يحتاج إدراكها إلى مزيد من التفكير ، بل إن ذلك يتطلب التنسيق حتى مع وزارة الدفاع ، باعتبارها وزارة أمنية بشكل وآخر .

إن فقدان عنصر التنسيق وتبادل المعلومات وتوزيع المهمات والاشتراك في التخطيط والتنفيذ بين الأجهزة والدوائر والأقسام الأمنية سواء داخل المؤسسة الواحدة أو أكثر يدل على غياب نظرية أمن وطني أو نظرية أمن قومي ناضجة لدى الدولة ، إنها دولة بلا نظرية أمن قومي أو وطني ، فمن المستحيل فيما لو كانت هناك نظرية أمن وطني أو أمن قومي نشهد مثل هذه الظاهرة المأساوية .

تبادل المعلومات والخبرات والتعاون في أداء مشترك من أنضج العلامات والدلائل على وجود نظرية أمن قومي أو نظرية أمن وطني محكمة ...

وهناك كلام عن تنافس غير حميد بين هذه الأجهزة والدوائر والأقسام لحيازة المعلومة وإخفائها عن الآخر لهدف أو أهداف مقصودة، منها التفرد بالإنجاز ، والمتاجرة به ، واتخاذه وسيلة لمزيد من الترقيات والمكاسب المادية والمعنوية .

إن أهم عنصر في ( ممكنات ) العملية الأمنية النظرية والإدارية والعملية هو التعاون المشترك ، التنسيق المشترك ، ويجب أن يتشكل فريق عمل متخصص من كل الجهات المختصة بالقضية الأمنية لوضع خطة لهذا التنسيق ، خطة محكمة ، تشكل العمود الفقري لكل هذه الجهات ، وتتولى عملية التنسيق هذه لجنة مشتركة من ذوي الاختصاص والخبرة والممارسة ، بحيث تمثل الرأس الذي يقود العملية الأمنية في البلاد ...

المؤشر السادس : تدجين الأجهزة بالغرباء على المهنة والمهمة ، وقد شهدت وزارة الداخلية والدفاع والأمن القومي تدجيناً ممؤسساً للأسف الشديد ، بحجة وأخرى ، وقد أطلق على هذه العملية بـ ( الدمج )، وهي عملية تدجين سياسية أكثر من كونها مهنية ، وكل الحجج التي سيقت لتبرير هذا الإجراء غير مقنعة ، وإذا كان ولابد ، فإن المفروض أن يمر هؤلاء بدورات تربية وتعلّم وتدريب دقيقة وشاقة قبل تدجين القوات المسلحة بهم ، لقد كانت العملية غير ناجحة ، وفيما لو تم إعدادهم قبل الدمج ثم تم دمجهم ربما كان حجم الخطأ أقل ، أو ربما لم يكن هناك خطأ بل إضافة نوعية .

يجب على الحكومة أن تعمل لتلافي المضاعفات التي ترتبت على هذا الخطأ بل الخطيئة الفاضحة ، وفي مقدمة ما يجب عمله هنا هو جرد هذه العناصر (الغريبة ) وإخضاعها لبرامج إعداد وتأهيل علمي وعملي يرتفع بمستواها الى الرتب التي أُعطيت لهم بشكل جزافي ، ومن دون استحقاق وظيفي طبق المعايير العلمية والمهنية .

إن مثل هذا الإجراء حجَّم من قيمة الرتبة العسكرية، وقلَّص من هيبتها المعنوية ، ومن الطبيعي أن تشيع في الأوساط العسكرية المهنية حقا حسرة على الأتعاب والقراءات والمشاق التي عانوها وهم يخوضون مهامهم عبر سنوات ليست بالقليلة ، فمن المهم جداً أن تعمل الدولة والحكومة والجهات ذات الاختصاص في هذا الشأن على تلافي هذه المضاعفات السلبية التي تمخضت عن هذا الإجراء غير العلمي وغير الموضوعي .

يتبع