العمود الثامن: داعية الوطنية

Friday 26th of February 2021 09:58:22 PM ,
العدد : 4883 (نسخة الكترونية)
الصفحة : الأعمدة , علي حسين

 علي حسين

لم أكن من المقربين من الشخصية الوطنية نجيب محيي الدين، وكانت معرفتي به متواضعة، لكنني عندما أفكر في تاريخ العراق المعاصر، أتذكر رجالاً مثل حسين جميل، ومصطفى علي وحسين الرحال وصفاء الحافظ ورجل علم ومعرفة ووطنية مثل إبراهيم كبة ،

مثلما أتذكر نجيب محيي الدين صاحب الصوت الهادئ والعميق في نفس الوقت، والابتسامة التي لا تفارق ملامح وجه الرجل التسعيني، تعرفت على نجيب محيي الدين قبل أكثر من خمسة عشر عاماً وتوطدت علاقتي به وهو يثابر على حضور فعاليات بيت المدى ليسمع منه الحضور حديثاً رائقاً عن الوطنية وشخصياتها.. قال لي ذات يوم ببساطة محببة: أجد فيما تكتبه لمحات من شبابي عندما كنت عنيداً في مواجهة الاستبداد والظلم، وأنظر إلى وجهه وأرى أن هذه المقارنة مجحفة مع شخصية ناضلت وسجنت وتغربت من أجل عراق ديمقراطي حقيقي، فيما العبد الفقير لله لا يجد من سلاح سوى هذه الزاوية التي صدع رؤوس قرائها بحديث عن الوطنية ونبذ الطائفية والتفتيش بين أوراق الكتب.

ظلّ نجيب محيي الدين، على مدى تسعين عاماً، صورة عن العراق الذي أحبّه وعشقه، لا الطائفية أغرته، ولا المحاصصة اقتربت من بابه، كان مثل العراق الذي حلم به، أنيقاً، طافحاً بالأمل. ولم يكن يدري أنّ العراق سيدير له ظهره في أواخر حياته، ليعيش ما تبقى له من العمر غريباً ، في الوقت الذي نجد خيل السياسة يترافسون فيما بينهم من أجل الكراسي.

ودع نجيب محي الدين عراقه الذي كان يأمل أن يراه يذهب باتجاه المستقبل، فإذا به يثير معارك الماضي، ويصر ساسته على أن لا حل لمشاكل العراق إلا المحاصصة الطائفية.

ما هذه البلاد التي تدير ظهرها للجواهري والسياب والرصافي والشبيبي؟ وتستكثر على نجيب محي الدين برقية تعزية؟.

في هذه البلاد فقط، تقرأ أخبار معارك هيثم الجبوري الذي يريد أن يفصل ميزانية العراق على مقاسه، وتشاهد فيديوهات جمال الكربولي الثورية، وتنتظر ما يقوله الإصلاحي عزت الشابندر، وكلها أخبار تصلح عنواناً للمرحلة التي عشنا فيها أحداث مسرحية الضحك على القانون.

عاش نجيب محيي الدين سنواته التسعين مؤمناً بأن هذا الوطن المثير للدهشة لن يكف عن صوغ نفسه كل يوم، يختلف أبناؤه على أشياء كثيرة، لكنهم يتفقون جميعاً على شغف حب هذه البلاد والدفاع عن حريات الناس وآمالهم ومستقبلهم.. والأهم أن يتعلموا الجرأة التي يملكونها، والشجاعة التي يجب أن ترافقهم، والإقدام والتضحية التي يجب أن تكون شعاراً لهم.

لايهمّ، في كل الأحوال الحمد لله على نعمته أن نكون ونظلّ عراقيين على طريقة نجيب محيي الدين، لا على طريقة برلمان 2021 .