على فكرة: (القصيدة اليوميّة)

Monday 8th of March 2021 08:39:35 PM ,
العدد : 4892 (نسخة الكترونية)
الصفحة : الأعمدة , د. أحمد الزبيدي

 د. أحمد الزبيدي

ليست القصيدة اليوميّة موظَّفة دائمة على المِلاك اليوميّ للشعر، ولا تشملها العُطل الرسميّة، وغير الرسميّة، أو الحظر الصحّيّ، أو الأمنيّ .. القصيدة اليوميّة لا تعني 360 قصيدة في السنة ! إنّها بحسب التصوّرات النقديّة _ تصوّرات البلح المرّ_: ( الموضوع اليوميّ، أو الاهتمام بالحوادث الجارية، والتجارِب الحاضرة في كتابة الشعر، وإعطائها الأولويّة أمام القضايا التأريخيّة، والمصائر الكونيّة واللّاهوتيّة والنشوئيّة والفلسفيّة الكبرى ).

تبلورت القصيدة اليوميّة بتصاعد وتيرة الصراع بين مختلف اتّجاهات الحياة وتزاحم الرؤى، وبروز ظاهرة التحرّر الفرديّ؛ إذ ظهر مصطلح: المواطن، الحزب، الاستعمار، المقاومة، الجريدة، المقالة، الحكومة، الوظيفة، المظاهرة، الانتفاضة، المرأة، الدستور، الانتخابات، السجن، المكتبة، الشارع، الباص، .. فبدأ الفرد يشارك الجماعة في همومها ومشاكلها.. أعني أنّ ظاهرة القصيدة اليوميّة بدأت تبزغ مع تشكّلات الخطاب الثقافيّ الجديد ونشوء الطبقات الاجتماعية المختلفة ومنها الطبقة البروليتارية والطبقة الوسطى .. وأرى أنّ الاحتدام السياسيّ وجّه الشاعر إلى رصد انعكاساته على الحياة اليوميّة بغضّ النظر عن الرؤية الشعريّة الّتي ينطلق منها الشاعر. فطائفة من النقاد العرب ترى أنّ الرومانسية هي من وجّهت القصيدة نحو الأبعاد اليوميّة بوصفها ردّة فعل على الخطاب الكلاسيكيّ الرسميّ المتعالي؛ ومنهم من يرى أنّ الواقعيّة والواقعيّة الجديدة هي مَن كانت وراء توجيه الشاعر توجيهاً يوميّاً؛ يتّفق كلاهما أنّ الحداثة هي من أبرز المؤثّرات الجماليّة والثقافيّة الموجّهة للشاعر نحو اليوميّة .. فكانت شعارًا حاول استثماره ما بعد الستينيّين؛ فأصدروا بياناً يدعون فيه إلى كتابتها باعتبارها همًّا اجتماعياً ومعطى حداثياً؛ وذلك حين دأب الشاعر العراقيّ الحديث نحو التنافس على ريادة المغايرة فلجأ بعضهم إلى اتّخاذها ثيمة رئيسة للتشكّل الشعريّ الجديد؛ على أنّها محاولة لرسم خارطة جماليّة جديدة تُنْسب إليهم؛ ومن هنا ينبثق التساؤل : هل القصيدة اليوميّة جديدة على الشعر العربيّ؟ وهل تعني القصيدة اليوميّة (الحاضر ) فحسب ؟ أ يمكن أن يُلغِيَ التأريخُ يوميّةَ القصيدة من غيرها ؟ ولو نظرنا إلى المرحلة الرياديّة في الشعر العراقيّ الحديث : أ فَأغفل أم تغافل الروّاد عن القصيدة اليومية ؟ أ لم تكن قصيدة (الكوليرا) قصيدة يوميّة في ضمن المواصفات النقديّة الّتي حدّدها النقّاد المحدثون للمصطلح ؟ وهذا ما يمكن أن ينطبق على (سالم المرزوق)، و (الأربعاء 9 آذار) لسعدي يوسف . و (أغنيات العريف صباح) و (المدينة) لعدنان الصائغ الّذي عدّه عبد الجبّار داوّد البصريّ من أكثر الشعراء العراقيّين توظيفًا للقصيدة اليوميّة.

ويبدو لي أنّ (سهولة) المصطلح (القصيدة اليوميّة) أدّت إلى إصابته بعدوى الجناس البلاغيّ؛ إذ تصوّر بعض الشعراء أنّ (اليوميّة) تعني توظيف اللّغة اليوميّة والمحكيّة في النّصّ الشعريّ كالّذي فعله الشعراء الروّاد؛ ولعلّ حسين مردان لفت أنظار النقّاد إلى توظيفاته اليوميّة، ولمَ نبحث عن شاهد عمّن وظّف اللّغة اليوميّة والشعبيّة بين الأموات وعندنا موفّق محمّد ؟ ولا تعني القصيدة اليوميّة الأربعة والعشرين ساعة، بحيث لا يجنّ اللّيل على قصيدة حتّى تتهيّأ أختها للولادة .. فقد نجد شاعرًا ، ما ، ولّاداً ، للأسطر الشعريّة ولكن ليس بالضرورة ما يكتبه قصيدة يوميّة ! وليس بالضرورة أن تكون الرؤى الثقافيّة والنقديّة للشاعر منغرسة في بنيته الشعريّة : فمَنْ أصدر بيانًا يعبِّر عن إيمانه بها ودعوته لها كتب (وردة لعيون البعثيّة ليلى) ! فأين اليوميّة؛ وهو يكتب لعيون الحزب الرسميّ ؟! وحين تقلّب صفحات ديوانه لا تجد همًّا يوميًّا، أو تفاصيل حياة يعيشها العامّة .. وحتّى لا نقع باللّوم كلّه على أنموذج فرديّ ابتلاه المقال بالمثال؛ فأمامكم هذا الكمّ الهائل من الشعر الّذي انتجته التقانة الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعيّ والعاطفيّ؛ وكيف انعكس ذلك على دلالة المصطلح حتّى توهّم بعضهم أنّه يكتب (قصيدة يوميّة) في حين هو يكتب (يوميًّا قصيدة)! ومن حقّ ( المشترك ) الفيسبوكي أن يكتب ما شاءت له قريحته من منشورات، ونصوص، وصور؛ في ضمن اشتراطات مارك طبعاً؛ ولكن من حقّ الرؤية النقديّة أن تنظر إلى هذه الظاهرة المتمثّلة بكثرة الولادات الشعريّة؛ ولا سيّما أنّ مصطلح ( القصيدة اليومية) يجاورها كثيراً تركيبتُه اللّغويّة حتّى أصحبت اليوميّة موظّفة على مِلاك ( الشاعر ) بأجور ( يوميّة)..عظّم الله أجورها وأجوركم .