لا ثوابت في السياسة

Saturday 3rd of April 2021 09:08:43 PM ,
العدد : 4914
الصفحة : آراء وأفكار ,

 د. أثير ناظم الجاسور

في السياسة لا توجد ثوابت لأن الثابت الوحيد فيها هو المتغير الذي تتحدد من خلاله المصلحة والأهداف بعد أن تساهم الأدوات والوسائل في رسمهما، وإذا دققنا في متبنيات المدارس الفكرية التي تناولت العلاقات الدولية والسياسة الدولية نجد أن كل بنائها كائن على مجموعة من المتغيرات التي حددت ماض وحاضر ومستقبل النظام الدولي،

من خلال دراسة سلوك الدول وكيفية تفاعلها مع محيطها وتعاطيها مع الأحداث، وقد تتحدّد الثوابت من قبل الباحثين والدارسين بمجموعة من العوامل أولها القوة التي ليست بالضرورة ما تمتلكه الدولة من جيش وترسانة عسكرية، بل أن عوامل أخرى اليوم هي أكثر فاعلية تتحدد من خلالها قوة الدولة سواء تكنولوجية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية (دبلوماسية بمختلف أنواعها)، الأهم أن الدولة تعمل على تحديد ثوابتها لا أساس الصورة التي ترسمها نتائج البيئتين الإقليمية والدولية بل من خلال متغيرات المراحل التي يمر بها النظام الدولي أو الإقليمي.

في هذا الجانب بالتحديد هناك جملة من القواعد التي تستند عليها الدول في رسم خارطة طريقها وتحديد أولوياتها، قواعد حدّدت الأصدقاء والأعداء وكيفية التعامل فيما بينهم ومستويات العلاقة وفق معطيات المراحل التي تمر بها الدول، فعلى سبيل المثال مع انتهاء الحرب الباردة وترتيب أوراق السياسة الدولية والنظام الجديد كانت المرحلة تتطلب أن تكون لبعض الدول توجهات جديدة تتماشى معها ومع المتغيرات الجديدة ضمن أجندات ترتيب الأولويات، أيضاً أغلب الدول التي تعادي الولايات المتحدة الأميركية تعاطفت معها في أحداث 11 سبتمبر 2001 لا للحالة الإنسانية والضحايا التي راحوا في هذه الهجمات بل إن المصلحة هنا اقتضت أن تكون هذه الدول إلى جانب الولايات المتحدة لأمرين الأول هو وضع حد للتمادي الأميركي في وضع مجموعة دول على قائمة الأعداء الخطرين والثانية كانت من ضرورات المرحلة أن يتم تخفيف حدة العداء لتفادي الدخول في الأمر الأول، فنجد الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران ودولاً أخرى لم تكتف بالتعاطف بل ساعدت الولايات المتحدة في حربها ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان، وحتى الدول التي عارضت احتلال العراق عام 2003 رتبت أولوياتها مع متغيرات هذا الاحتلال وعملت على أن يكون لها دور في هذا الحدث الذي غير خارطة المنطقة، فقد تكون هذه الدول حليفة مباشرة وقد تعمل وفق فكرة التخادم غير المباشر بالنتيجة هي تعمل لصالح تحقيق أهدافها.

وعندما يكون الحديث عن حروب عادلة وأخرى شرسة بالضرورة يحتكم الجميع فيها إلى أن تكون متناسقة مع القوانين الدولية حتى وإن كان فحوى هذه الحروب غير عادل، لكن منطق القوة والسيطرة والهيمنة والتغييرات الحاصلة هي من تحدد إذا ما كانت المصلحة ستتحدد من خلال هذه الحرب أو تلك، فكم من حرب قامت على مفاهيم إنسانية بالعلن لكن الباطن غير ذلك تماماً وكم من مشروع عالمي صيغت نقاطه الأساسية وفق نظريات سياسية وفكرية وهو بالأساس صيغ وفق منطق القوة والنفوذ، وكم من مشروع أخذ صفة دينية أو مذهبية وأيديولوجية وهو خلاف ذلك تماماً، بالمحصلة فإن كل التجارب تحدثنا عن أن المتغيرات الحاصلة هي بالحقيقة ثوابت تعامل معها الدول وفق الانساق والمعتقات والمتبنيات التي تراها تعمل وفق مصالحها وأهدافها التي تنوي تحقيقها لاسيما وأنها تعمل ضمن أجواء بات التغيير هو السمة الأساس فيها.