كمال مظهر أحمد وأثره في تعميق الثقافة المشتركة

Saturday 3rd of April 2021 09:21:38 PM ,
العدد : 4914
الصفحة : عام ,

د. باقر الكرباسي

على مدى أربعة عقود كتب الأستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد ودوّن التاريخ بروحية المؤرخ النزيه مدفوعاً بموضوعية علم التاريخ ،

كتَبَه باللغتين العربية والكردية وعندما كتب تاريخ الشعب الكردي ( وهو الكردي العراقي العريق في أصالتِهِ ) ، كتبه في ضوء المعادلة الصحيحة وهي كشف النقاب عن الأخطاء التي ألصقت بحيوية التاريخ الكردي ، كان الدكتور مظهر يكتب التاريخ ويحرك العقول ولا يسجنها في قمقم مغلق ، فهو مؤرخ كبير ومفكر كبير أيضاً وله نظرة إلى التاريخ بأنه ليس مجرد تراكم جميع المعطيات بقدر ما هو استشراف للماضي بإيجابياته وسلبياته ومقاربة للحقائق في ثناياه

هو مؤرخ ينتمي إلى المدرسة الواقعية التي تؤمن بالتحليل التاريخي ، ويؤكد الدكتور مظهر باستمرار على مبدأ ثابت عبر عنه أكثر من مرّة وملخصه : ( إذا لم أكن كردياً أصيلاً فلن أكون عراقياً أصيلاً) .. والقضية المهمة التي كان يؤكد عليها دائماً هي أهمية الأخوة العربية الكوردية ليس على مستوى الوطن فحسب وإنما على المستوى القومي ومما كان يصرّح به باستمرار: ( إن الكورد كسبوا بعد دخولهم الدين الإسلامي الشيء الكثير فقد تحولوا إلى عنصر مهم من عناصر بناء الحضارة العربية الإسلامية ) .. ويلحظ القارئ لكتاباته ومقابلاته أنه يؤكد على : (أن المصالح المشتركة تجمع عادة مجموعة من القوميات في إطار شعب واحد وما يجمعنا نحن العرب والكورد أكثر بكثير مما يفرقنا وان بسطاء الناس يدركون هذه الحقيقة بصورة جيدة ) ..

يرى الدكتور كمال مظهر أنّ دراسة التاريخ في العراق تفتقر إلى التحليل إلى حدّ ما وتغلب عليها العواطف والهواجس الشخصية ثم يقول (ما أريده هو التحليل وهذا هو الجانب الذي ينقص العديد من الدراسات التاريخية)، ويؤكد كثيراً على أنه ينتمي إلى المدرسة الواقعية التي تؤمن بالتحليل التاريخي ،علماً انّ الطريقة التحليلية تعتمد مبدأ التحليل للنص في العمل الكتابي وهي تضمن للمؤرخ مادة بحث تاريخية غزيرة لا توفرها طرائق البحث الأخرى بأساليب الأسئلة والمقارنة المستمرة ووسائل التحليل الأخرى بحيث تضمن للقارئ في نهايتها قراءة مشوقة ، ويعود السبب لميل منهجية الدكتور مظهر إلى التحليل في كتابة التاريخ لاعتقادِهِ أنّ مهمة المؤرخ ليس سرد الأحداث بقدر تحليلها بصورة موضوعية ويدعو إلى ضرورة دراسة عصر المؤرخ لأن ذلك يوصلك إلى مقدار ما يتعرض له المؤرخ من ضغوط خلال كتابة الأحداث ، ويتبين من ذلك أن الدكتور مظهر يميل إلى إعادة كتابة التاريخ وفقاً للحقائق التاريخية لا وفقاً للأهواء والميول ، ولعل المنهجية والمسلك الصريح والصحيح في النقد والتحليل هي التي جعلت منه كمال مظهر، والحقيقة أنّ الصراحة والجرأة هي أهم ما يميز هذا المؤرخ الذي يقف في طليعة المؤرخين الكورد بل على رأس المؤرخين العراقيين .

كان الدكتور كمال مظهر يمسك بالمعضلة التاريخية من زواياها كافة من دون انحياز أي أنه تصدى للمعضلات التاريخية بعيداً عن مزاجه الذاتي الخاص ،هذه هي رسالته في تدوين عناصر التاريخ ويسميها الأكاديميون ( مدرسة كمال مظهر في كتابة وتوريخ التاريخ) ..

نشأ الشاب كمال مظهر أحمد وترعرع في ربوع كردستان العراق بين مدينتي كركوك والسليمانية ، والذي قاده البحث عن مستقبله إلى إكمال دراسته الجامعية في بغداد سنة 1955-1959، انتمى في مطلع شبابه إلى التيار اليساري الوطني التقدمي العراقي (الشيوعي) ، ويقر هو بذلك في مقابلة له مع أحد الصحافيين العراقيين في هذا الشأن قائلاً )كنت في شبابي أميل للفكر الاشتراكي لاعتقادي بأن هذا الفكر يضمن سعادة الإنسان ويساعد على حل المشكلات القومية حلاَّ عادلاً جذرياً ، هذه العاطفة دفعتني وأنا طالب في المدرسة الثانوية إلى ان انتمي إلى اتحاد الطلبة الذي كان منظمة شيوعية تعمل وتجتمع في الخفاء سنة 1952... ويضيف الدكتور قائلاً: (وكان معظم أصدقائي من الوطنيين الماركسيين وعندما دخلت الجامعة أصبحت مرشحاً في الحزب الشيوعي ونلت العضوية عام 1958، ولكن ابتعدت عن الحياة الحزبية نهائياً عام 1961 وكنت طالباً في الاتحاد السوفيتي ، ومع ذلك فاني لم أزل مؤمناً بالفكر الاشتراكي ومدارسه الواقعية حسب قناعتي ) .

شارك الدكتور كمال شعبه العراقي في العديد من المناسبات الوطنية العراقية بمنتهى الصدق والحماس ، ومع عدم تخليه عن اعتزازه بقوميته الكردية وعدم تخليه ايضاً عن وطنيته العراقية،وهذا الولاء الوطني والقومي مثار اعتزازه الدائم في غير مناسبة اذ غالباً ما كان يكرر القول : (كيف لي أن أعتز بعراقيتي ولم أعتز بكرديتي) ، وربما وجد الدكتور مظهر في تلك العلاقة بين الوطنية العراقية والقومية الكردية ، علاقة جدلية ، ولذلك نراه يكرر القول دائماً في المرحلة الحالية:(بقدر ما أعتز بمشاعري الكردية أعتز بمشاعري الوطنية العراقية).

سأله أحد الصحافيين عن سبب بقائه في بغداد في عهد النظام السابق ، أجاب بروح الوطني العراقي الصادق قائلاً: (انّ بقائي ببغداد استمر ضمن الشعور بالانتماء العراقي من جهة ، ومن جهة اخرى عندي أجيال من الطلبة ، هم بالنسبة لي مثل الأبناء والأحفاد ،يصعب عليّ تغيير المكان بعد هذه التجربة ).

وعلى الرغم من اعتزازه بكرديته ، إلا أنه ظل يعتز بعراقيته كذلك وقوله المشهور خير دليل على ذلك :( إن لم أكن كرديا صادقاً لن أكون عراقياً صادقاً)، وهذا الربط بين كرديته وعراقيته، ربط جدلي عراقي أصيل ، وهو لا يقول ذلك مجاملة لأحد ، انما كان يعنيها بحق ، بل وعمل بجد وإخلاص من اجل ذلك، بل وأكثر من ذلك فان الدكتور كمال كان مؤمناً بقوة ، بأن العراقيين بكل فئاتهم ، وفي مختلف فروع الحياة والثقافة ، كانوا دائماً من المبدعين ، وإبداعهم كان متواصلاً ,

باستثناء عهود الظلام ، ومنها العهد الأخير ، فالأطباء والمعماريون والمهندسون والمؤرخون كلهم عمالقة في مجالات اختصاصهم ، وله رأي خاص في هذا الموضوع مفاده: ( ان الموروث الحضاري العراقي لم يتحقق اعتباطاً، فمن يسكن مثل هذه البلاد ، بلاد ما بين النهرين ، لابد انْ يكونَ متميزاً، ويطرح السؤال لماذا؟.. ثم يجيب بالقول : أرى ان الواقع الغني جغرافياً وحضارياً يفرز مثل هذا التميز ، ولا اقول انّ العراقيين أفضل من البشر ، لكن للبيئة دورها ، فليس اعتباطاً ان يخترع العراقيون الكتابة قبل المصريين بقرون).. ويؤكد القول على رأيه هذا حين يقول :( دائماً أقول انّ أية جماعة بشرية من أي الأقوام كانت تسكن هذه البقعة من الأرض، وتعيش الظروف نفسها ، لابد أن تصبح جماعة متميزة ) .

ومما يؤكد اعتزازه بعراقيته الصميمية ، وايمانه الراسخ بالمصالح المشتركة بين مكونات الشعب العراقي ، ان بيته وكذلك مكتبه في قسم التاريخ ، كلية الآداب غالباً ما عج بوجود العراقيين من مختلف الأصقاع والمكونات العراقية ، من الجنوب والوسط والشمال، من الكرد والعرب والتركمان، من المسلمين والمسيحيين، نجد في مكتبته وفي بيته العامر التكريتي والعماري والكركوكلي والموصلي والنجفي والأربيلي والأنباري وتلك حقيقة أدركها كل من زاره.

وبعد: انّ كمال مظهر أحمد صاحب التجربة الأكاديمية الطويلة ، استطاع أن يمهد لمدرسة تاريخية تضم كل الأصوات الداعية لاعتماد الحقيقة الموضوعية في الكتابة التاريخية ، بل أراد أن يكون واجهة ضد أي تيار يبغي تشويه التاريخ ، لدوافع طائفية أو اثنية أو غيرها ، وما طرحه من مواضيع لم يتركها سائبة بقدر ما عمد إلى محاربتها بتحليل علمي معتمداً على الحقائق التاريخية في ذلك الحوار ، وهو بالتالي يعد من دعاة تعديل الانحرافات غير الموضوعية التي تكتنف دراساتنا التاريخية ومدى ضرورة إعادة النظر في عدد غير قليل من الأحكام التاريخية الشائعة غير المنصفة ، و أخيرا نقول أن الأستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد ، نسخة قلّما ستحظى مؤسساتنا الأكاديمية العربية بمثلها .

مراجع البحث :-

الكتب المطبوعة:

احمد ، كمال مظهر (الدكتور):

صفحات من تاريخ العراق المعاصر-دراسات تحليلية :بغداد، 1987

الطبقة العاملة العراقية –التكوين وبدايات التحرك – وزارة الثقافة والأعلام،بغداد ،1978

الدليمي، حسن ضاري:

المنهج التاريخي عند الدكتور كامل مظهر احمد ،رسالة ماجستير، جامعة بابل،2006

العبودي، ستار نوري (الدكتور):

الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد المدرسة العلمية والوطنية العراقية الصادقة ، مطبعة جامعة دهوك ،ط ،2010

العلاّف، ابراهيم خليل (الدكتور)

موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين ، تنشرها مجلة علوم إنسانية الالكترونية www.ulum.nl

مزعل ، جمال اسد:

نظام التعليم في العراق ، مطابع جامعة الموصل ،1990

المطبعي،حميد:

موسوعة أعلام القرن العشرين ،ج1،بغداد ،1995

ناجي ،احمد (الدكتور):

الدكتور كمال مظهر احمد ، مطبعة الفردوس ، النجف الاشرف ،2008

2- الصحف والمجلات:

صحفية المدى :

ملحق (عراقيون) ملف خاص بالدكتور كمال مظهر احمد /2011

مقالة للأستاذ الباحث زهير كاظم عبود

مجلة الف باء : العدد 223، مايس ، بغداد ، 1985 – مقابلة مطولة مع الدكتور كمال مظهر احمد .