الفوتوغرافي أنور الدرويش..احتضارُ المدنِ واختفاءُ أبطالها

Sunday 4th of April 2021 10:08:00 PM ,
العدد : 4915
الصفحة : عام ,

خالد خضير الصالحي

"تلك زوجتي الراحلة معلقة على الحائط ترنو كما لو كانت حية" (براوننغ)

نعتقد أن تجارب الفن التشكيلي، والفن الفوتوغرافي كذلك، غالباً ما تنبني على موضوعة (ثيمة) أساسية مهيمنة، أو ربما ثيمات مهيمنة، تستعاد، وتتكرر إعادتها طوال التجربة، وما جلب اهتمامنا في تجربة الفوتوغرافي أنور درويش إنها تعمل على الارتقاء بالعابر، والمهمل، والمندثر، الى مرتبة الفن الجمالي الراقي دونما تفريط بالعناصر التقنية للتصوير الفوتوغرافي ومنها:

التكوين، والإنشاء، والاتزان، ومادية (شيئية) الصورة، وزاوية الالتقاط، وكل هذه العناصر يجمّعها، ويؤطرها، (الأثر) و(المندثر)، وعلاقات الأشكال والعلامات المتهرئة على السطوح والجدران وغيرها، وهو ما يسميها أنور درويش (التاثيرات التشكيلية)، ونحن نسميها (مادية) أو (شيئية) الصورة الفوتوغرافية، فحينما يصور الدرويش الكرسي الفارغ في صورة من أجمل صوره فانما هو لا يصور ما هو موجود قدر تصويره ما هو مفقود وغائب، لذلك أجده يتتبع، بأرقى الدرجات، خطى رولاند بارت، وسوزان سونتاغ اللذين تمثل الفوتوغرافيا عندهما تسجيلاً للموت، والفقدان، والأثر، والاندثار، وهو ما عناه الدرويش حينما صور مئات الصور التي أرخت لتهديم مدينة الموصل بعد إخراج داعش منها، كما أن غياب الإنسان من غالبية صوره كان بسبب انغماسه الكبير في محاولة تسجيل غياب الإنسان أكثر من تسجيل حضوره، حيث إن افتقاد الصورة للوجود الإنساني قد يشكل سمة من سمات الثقافة المدينية، وتسجيلاً لآثار جدرانها، كما إنها تصب في بناء الصورة الفوتوغرافية لتكون حقلاً خصباً للتلقي، فلا يكتفي المتلقي بالرؤية السلبية للصورة انما ينغمس في قراءة تأويلية (هرمنيوطيقية) تحاول ملء (فراغات) الصورة، بجعل هوامشها متوناً لها..

لا يكتفي أنور الدرويش بوثائقية الصورة، فلا تشكل تلك الوثائقية إلا منطلقاً أولياً للصورة الفوتوغرافية، لذلك نحن نؤكد بان ملاحظاتنا لا تشكل دليلاً على أن المصور الفوتوغرافي (أنور درويش) كان يهمل (مادية) الصورة الفوتوغرافية مطلقا، بل كان في أشد حالات الحرص على توكيد (مادية الصورة) و(شكلية الصورة) التي نعني بها شيئاً أوسع من طبيعتها المادية كونها أحباراً أو مركبات على ورق، أو ضوءاً على شاشة، بل إنها تعبير يستند على مادية التعبير الذي بسببه اعتبر غاستون باشلار علم الجمال حقلاً مهمِلاً بإجحاف لـ(مادية الصورة)، التي كان أنور درويش مخلصاً لها بقوة، وتلك واحدة من أهم الخصائص الجوهرية في تجربته الفوتوغرافية.

إن تجربة الفوتوغرافي أنور الدرويش تؤكد أنه يمتلك خبرة تقنية وجمالية في التعامل مع عناصر الصورة، وقدرة استثنائية على تركيب وإنشاء أهم عناصرها التي يبدو واضحاً بانها ناتج اعداد مسبق، في اختيار عناصرها الأهم، واختيار الزاوية الأمثل والأشد فاعلية للالتقاط بالترابط مع مصدر الإضاءة في المشهد، وهذه الخبرة كانت مرتكزه في الارتقاء بالأحداث العابرة التي قد لا تلفت نظر أحد غيره؛ فيصنع منها لقطات فوتوغرافية تشكل موضوعاً للتلقي الجمالي.

تعتبر مسوحات كاميرا أنور درويش للأمكنة تسجيلاً أميناً لتحولات أمكنة المدن العراقية نحو شيخوختها، فكان أن قضى عقوداً، وهو يسجل موت المدن العراقية رويداً رويداً ربما الى الحد الذي اعتبر فيه تلك جوهر مهماته، وجوهر تجربته الفوتوغرافية التي يضع لها مهمة صعبة وخطيرة وهي توثيق احتضار الأمكنة عبر سلسلة من اللقطات التي تسجل مرور السنوات عليها، موت كان مستمراً تحت شتى الأسباب والمسوغات، وهو كذلك يسجل أمراً خطيراً آخر سجله بعض من كتب عن تجربته، وهو اختفاء الأبطال من كل نوع: الأبطال المنفردون الذين كانوا فاعلين في الرسم التشكيلي، واختفاء المجاميع المهمشة التي أورثها السرد الروائي الى القصة القصيرة، تماما كما أورثها الرسم الى الفوتوغراف، بل واختفاء الأبطال المهمشين هؤلاء أحيانا كذلك، حتى يمكن القول إن تجربة أنور الدرويش كانت تجربة دونما أبطال حينما تحولت الأمكنة فيها الى أبطال متخفين، فكانت تحكم هيمنتها على الصورة بغياب الإنسان الفرد، وذلك أمر مهم في الفوتوغراف الذي تشكل إطلالة الواقع أمراً لا فكاك منه في كل التقاطة فوتوغرافية، وكل سحنة مهما كانت ضئيلة الشأن، وذلك أهم فروقات ىالفوتوغراف عن فن الرسم بتقاليده الغابرة التي تمتد الى آلاف غابرة من السنوات منذ الكهوف الأولى.