العمود الثامن: إمام العدالة وانتهازية دراويشنا

Sunday 2nd of May 2021 10:38:35 PM ,
العدد : 4935
الصفحة : الأعمدة , علي حسين

 علي حسين

العديد من مسؤولينا وساستنا يتحدثون ليل نهار عن القيم الدينية، وأخلاق الحاكم، ورضا الله والعباد، ومصطلحات وعبارات ضخمة، لكن معظمهم لا ينفذون شيئاً مما يقولونه.

تذكرتهم اليوم وأنا أعيد قراءة صفحات من ملحمة المصري عبد الرحمن الشرقاوي " أمام المتقين " عن الإمام علي بن أبي طالب واتذكر انني حصلت على الكتاب قبل اكثر من ثلاثين عاما من الراحل سليم حمرة الذي أعدمه قائد الحملة الإيمانية ، سحرني كتاب الشرقاوي من الصفحات الأولى، وتراءت لي صورة عبد الرحمن الذي كان علامة من علامات الثقافة العربية، ، الكاتب الذي انتمى لليسار منذ شبابه، وتولّع بكتاب رأس المال ونهج البلاغة واعترافات روسو، وأُغرم بكتابات فولتير وحفظ لزوميات المعرّي، فأصبح يشرحها لقرّاء مقاله الأُسبوعي.

وأنا أعيد قراءة كتاب عبد الرحمن الشرقاوي "إمام المتقين"، قلت لنفسي: هل تساءل أحد من هؤلاء الساسة "الدراويش " كيف مارس علي "ع" السلطة في أعوام خلافته الأربعة؟، لم يجد في الخلافة حقاً استثنائياً في المال والأرض، فساوى نفسه مع الجميع، رفض أن يسكن قصر الإمارة، ونزل مستأجراً في منزل يملكه أفقر فقراء الكوفة، سيقولون هذه مثالية مطلقة وسنقول لهم إنها عدل شامل، فالخليفة لم يرضَ أن يسكن القصور فيما رعيته يسكنون بيوتاً من الصفيح.

كان معارضوه يتجاوزون عليه إلى حدّ شتمه فلا يبطش بهم ولا يمنع عنهم المال، لأنه يرى أنّ الخلاف أمر شخصي بينه وبينهم، وما بيده من حكم ليس سلطة يقاضي بها مخالفيه في الرأي، ولكنه يقاضي بها أعداء الناس ، فمهمّته إقامة الحق ودفع الباطل، يقول لابن عباس: "هذه النعل أحب إلي من إمارتكم هذه، إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً"، ، سيقول " دراويشنا " هذه مثالية مطلقة، لأنهم يعيش مع علي "ع" ظاهراً ، ومع الباطل والانتهازية واللصوصية باطناً. تعالوا نرى ماذا فعل عندما طلب منه سادة قريش أن يميزهم بالعطاء، قال لهم "لو كان المال مالي لسوّيت بينكم فكيف والمال مال الله"، ومن هذا الاعتبار كان موقفه عندما أبلغ أهل الكوفة أنه لن يأخذ حصته من العطاء قائلا: "يا أهل الكوفة إن خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي فحاسبوني". فهو يرى أنه موظف مسؤول على أموال المسلمين وأنها مسؤولية مقدسة لا يمكن التفريط بها وأن القدسية هي في الحفاظ على حياة الناس وأموالهم لا في الشعارات البراقة الكاذبة.

مشكلتنا اليوم أن الجميع يرتكب الجرائم باسم الدين، فيما الناس تريد من يوفر لها الأمن والاستقرار، ويشعرها بالأمل في الغد ويطمئنها على مستقبل أبنائها، الناس لا تريد مسؤول "درويش " يدافع عن الفساد والمفسدين والمرتشين، ويؤلب فئة على أخرى، ويقيم الدنيا ويقعدها من أجل الحفاظ على كرسيه.