كلامٌ عاديٌّ جداً: وحش الشّعر

Tuesday 14th of September 2021 11:07:53 PM ,
العدد : 5024
الصفحة : الأعمدة , حيدر المحسن

 حيدر المحسن

1

لم يكن حسين عبد اللطيف يهتمّ بمظهره كثيرا، وكان أصدقاؤه يتندّرون عليه بأن هيئته كأنها لعامل بناء. يعترف الشاعر بهذه الحقيقة، ويردّ على هؤلاء بهجوم شعريّ كاسح، لا يُبقي للحقيقة والواقع ذكرا:

ثيابي فقيرة

ولكنّني...

قد أفيض

لأغمرَ بالماء

وجه الظّلام

الثّقة بالنّفس مهمّة للفنّان، فإذا بلغت درجة الاعتداد بها صارت ملفتة للنظر، لكنها لن تبلغ ما وصلت إليه صورة الشاعر عن ذاته التي كان يسمو بها فوق الجميع:

ثيابي التي أرتّقها بيدي

لا تقل أبّهة

عن ثيابك الجديدة

أيها الامبراطور!

ورغم ثقافته الواسعة، وانقطاعه إلى دنيا الأدب، كان يُعرف عنه خشونة الكلام التي تقرب من الفظاظة. لتفسير هذا الأمر علينا فحص عالم الشاعر الوحشيّ، إذا صحّ التعبير، فقد جاءنا بلوحات فيها من البدائية ما يمكّننا من إقامة متحف منها لأعمال هنري روسو وجوجان وغيرهما من الرسامين الذين أُطلق عليهم لقب “الوحوش الضّارية”، بسبب قوة الانفعال الذي يولّده نقاء ألوانهم المستعملة، وابتكارهم تشويه الأشكال وتحطيم الخطوط. هل كان الشّاعر متأثّرا بهؤلاء حين قرّر تحطيم شكل القصيدة على الورقة؟ لا يمكننا النظر إلى حسين عبد اللطيف في مظهره وكلامه على أنه شخص عاديّ، بل على أنّه شاعر، حينها سيكون رأينا فيه مختلفا، ومختلفا جدا...

هنالك تركيبات متداخلة ليست عصيّة على الفهم تمّ استعمالها بمهارة لغرض التّشبيه تعتمد على الغريزة أكثر منها على أعمال الذّهن أو القلب:

«خذ نحو الحقل قطيع جواميسك...

يا فرحي

وابحثْ

سنة

لتجدْ

مع جوقة أطفال

أو يعسوب

يلهو مرحا...

قلبي»

في أعماله هنالك أمثلة عديدة لهذا التوهّج للطبيعة، وتصنع وحشيّة الصّورة المستعملة تعارضا بينها وبين القارئ في البدء، لكنه ينتهي من الكتاب وقد اكتشف تداخلا عجيبا وعميقَ التّجذّر مع هذه التجربة، وتعلّم منها أن الشعر يتحوّل إلى شكل متجدد على الدوام، وأن قدميه تسيران على الخطوات الأولى من طريق الحداثة، فهي مستقبل جميع الفنون وقدرها، تأخرنا كثيرا عن بقية الشّعوب في معرفتها، بل إن الكثير من الذين يتعاطون الشّعر والنّقد لم يبلغوا ضفافها حتى اليوم، فكيف بعامّة النّاس؟

ظهر حسين عبد اللطيف وسط جيل انشغل أبرز شعرائه ببيانات بشّروا بها بقصائد سوف تحقّق معجزات صاعقة، وكانوا يصولون بها ويجولون في أكثر من مضمار، واستنفدت هذه البيانات “الثورية” قواهم، وفي النتيجة لم يفعلوا أكثر من إثارة الغبار بقصائد وتنظيرات واعتقادات تدعو قراءتها إلى الشّعور بالملل، مثل سماع نكتة فاشلة. وكان شاعرنا يعمل طوال الوقت في صمت، ويؤسّس لشعره الجديد الذي يزيد سنة بعد سنة من غربته، لأنه لا أحد يحفل بما يقول ويفعل، فالفرق كبير بين ممارسة الشّعر وبين عدمه، وعندما تقبض على اليأس بيديك، تعيش معزولا عن الجميع، مُفرَدا، كأنك بعير طرفة بن العبد المعبّد:

«سأعقد تاجا

من الآس أخفي سقوطي

أحاذر أن تستريب عيون تشاهد هذا السّقوطا

سأرفع وجهي خطوطا...»

في الملاحم القديمة لا بدّ للبطل من زيارة العالم السفلي، مثل أسلافه، كي يحصل على مباركة سكّانه الموقّرين، بشأن تأكيد انتصاره في المعركة المقبلة، وفي الأدب الحديث استمرّ هذا النّهج، لكنه اتخذ نظاما جديدا ومختلفا عن السابق. كلّ كاتب يصنع أسلافه -العبارة لبورخيس-وفي مجاميعه الشّعرية اختار الشاعر اقتباسات من أدباء تكون فاتحة للكتاب، ولو ألقينا نظرة على هؤلاء الأسلاف لوجدناهم جميعا من خارج المحيط العربي، وهو أمر يثير الاستغراب، والتساؤل. هل كان الشّاعر غير مطّلع على التراث، والأدب الحديث في المنطقة؟ الجواب هو النّفي، بالطبع. وعبر فعل الإقصاء هذا لكلّ ما هو عربيّ نحتاج إلى قراءة جديدة لمجمل أعمال الشّاعر.

(يتبع...)