حكايتي مع عبد الرزاق قرنح

Saturday 9th of October 2021 11:06:14 PM ,
العدد : 5039 (نسخة الكترونية)
الصفحة : عام ,

د. خالد يسلم بلخشر

اسمه عبدالرزاق سالم قرنح، هاجرت أسرته من بلدة الديس الشرقية، 10 كلم إلى الشرق من مدينة المكلا إلى جزيرة زنجبار القريبة من الساحل الشرقي لأفريقيا في أربعينيات القرن الماضي.

يوم السبت 6 فبراير 2016 قدّمتُ محاضرة عنه في بلدة أسرته، وكنت أظن بأنني سأكون كمن يبيع الماء في حارة السقايين، ولكني تفاجأت بأن كل الحاضرين لا يعرفون عنه شيئاً عدا أن أسرته من هذه المنطقة، ولحسن الحظ كان بحوزتي روايتان عرضتهما كدليل على صحة ما أقول. في تلك الأمسية قابلت ابن شقيقه ويدعى جمال الذي عاش طفولته مع عبدالرزاق في زنجبار، طلبت منه أن يساعدني في الجزئية الخاصة بالأسرة وحجمها وبعض الموضوعات التي لم أجد لها إشارة في الكتب التي تناولت هذا العلم الكبير.

كانت أمسية جميلة أثارت العديد من الأسئلة والنقاشات، ولكن لاهتمامي بهذا الروائي قصة أوجزها في الأتي:

قبل حوالي 8 سنوات اتفقت مع أستاذتي الأمريكية أ. كلیر برانديور أن نتشارك في كتابة بحوث في الرواية في إطار النقد الكولونيالي وما بعده، واقترحَت كلير الروائي عبدالرزاق قرنح كونه يتناول الموضوعات والثيمات التي تقع في دائرة اهتمامنا البحثية المشتركة، ولم يُدرس بعد بشكل مؤثر، وقتها كانت تعمل في جامعة دوقس Dogus University في إسطنبول بتركيا، وكنت أعرف بأن رئيس قسمها اسمه محمد بكاري من خلال مراسلتنا ولم يكن لدي أي تفاصيل أخرى عنه منذ تلك اللحظة بدأت أقرأ روايات قرنح وكان عددها سبعاً قبل أن يكتب روايته الثامنة العطية الأخيرة في 2011.

كنت أقرأ اسمه حسب اللغة الإنجليزية (قرنه) وللأسف لم ترد إشارة واضحة في رواياته عن حضرموت، بل لم أجد مرجعاً عربياً يشير لهذا العلم عدا مقابلة يتيمة أجرتها معه صحيفة المدى الثقافي العراقية في مايو 2008(*) عندما كان في جنيف، لم يخطر في بالي -إطلاقاً- أن أصوله حضرمية. في أحد الأيام اتصلت عليّ د. كلير هاتفياً وكانت تعاتبني: خالد لماذا لم تقل لي بأن قرنه (قرنح) بلدياتك؟

- ومن قال لك انه بلدياتي؟

- د. محمد بكاري.

- وكيف عرف د. محمد أنه بلدياتي؟

- لأن د. محمد بلدياتك هو الأخر!!

- لا تكوني أنت كمان بلدياتي يادكتورة كلير؟؟

ضحكت وقالت ممكن سوف أتأكد من تاريخ العائلة. اتضح لي فيما بعد أن د. محمد بكاري هو من عائلة السادة «آل السقاف» الحضرمية المعروفة واسمه الكامل محمد أبوبكر السقاف وهو يحمل الجنسية الكينية، طلبت منها أن ترسل لي إيميل د. بكاري ثم تواصلت معه، بعدها بفترة أرسل لي بحثاً عن الهجرة الحضرمية وطلب مني أن أراجعه لأنه سيشارك به في مؤتمر عن الهجرة الحضرمية في ماليزيا. في سياق علاقتي بهما طلبَت مني د. كلير أن أرسل ملفي لأنظمّ لجامعتهم، لم استحسن الفكرة وقتئذ لالتزامات أكاديمية وأسرية، ولكني قلت للدكتورة كلير يبدو أن قدر الحضارمة الهجرة والغربة والشتات لكن دعيني أكون استثناء لهذه القاعدة ولو إلى حين. لم تمر فترة طويلة إلا وأصيبت د. كلير بالسرطان، بقينا على تواصل ولكن كانت في وضع لم يسعفها للقيام بأي نشاط بحثي، لهذا قررَت تصفية أمورها في تركيا والعودة إلى شيكاغو لترقد روحها في سلام في 6 مارس 2015م، كتبت بحثاً وحيداً عنه بعنوان «الذاكرة الأليمة: التاريخ والهجرة والعنصرية في رواية طريق الحجيج لعبدالرزاق قرنح» ونشرته في 2012م، ولكن ما زال هذا الروائي يثير في داخلي شجوناً انثرها كلمات بين الفينة والأخرى.

أعود لقرنح موضوعنا الأساس وأوجز عنه الآتي:

عبد الرزاق قرنح من مواليد زنجبار في عام 1948 من أبوين حضرميين حيث أن أمه من عائلة «باسلامة» الحضرمية المعروفة.

تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في زنجبار، وبعد الأحداث الدموية التي عصفت بزنجبار بعد الاستقلال وحالة الهستيريا الانتقامية من العرب والهنود وغيرهم من الأجناس المستوطنة في الجزيرة، اضطر للهجرة إلى بريطانيا في عام 1968، عمل منظفاً في أحد المشافي ثم أكمل تعليمه إلى أن حصل على درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من كلية رذرفورد بجامعة كنت عام 1982.

في عام 1985 عُيّن أستاذاً للأدب ودراسات ما بعد الكولونيالية في الجامعة نفسها.

لعبدالرزاق قرنح ثماني روايات:

Memory of Departure

(ذاكرة الرحيل) 1988.

Pilgrims Way

(طريق الحجيج) 1988.

Dottie (دوتی ) 1990.

Paradise (الفردوس) 1994

Admiring Silence

(إعجاب بالصمت) 1996

By the Sea (عبر البحر) 2001.

Desertion (فرار) 2005.

The Last Gift (العطية الأخيرة) 2011.

نال جائزة راديو فرنسا العالمي «Timoin du Monde» وكانت روايته (عبر البحر) على القائمة القصيرة لجائزة البوكر. تتناول روايات قرنح الثمان الإرث الاستعماري وما بعد الاستعماري للساحل الشرقي لأفريقيا وتحديد زنجبار والساحل الأفريقي المقابل لها من خلال تعرية الممارسات الاستعمارية العنصرية في بلده وفي بلاد المهجر، كما تتناول الانعكاسات السلبية لما بعد الاستعمار وحالات الهجرة والشتات والتمييز العنصري الذي يواجهه المهاجرون الأفارقة

في بريطانيا تحديداً، والملاحظ أن هناك خيطاً رفيعاً يربط الروايات كلها بالسيرة الذاتية للمؤلف.. حيث إن أكثر الشخصيات تجسد حياة قرنح نفسه في مرحلة ما، وكيف هاجر من جزيرته الخضراء التي عشقها وحياته المبكرة في بريطانيا، لهذا نجد تكنيك «الفلاش باك» طاغياً في أكثر روايته من خلال العودة بالذاكرة إلى مراتع الطفولة والصبا.

ترجمت رواياته إلى العديد من اللغات (ولكن للأسف الشديد لم تترجم إلى العربية)، وتدرس هذه الروايات في أعرق الجامعات الأوروبية والأمريكية كشاهد على الاستعمار وما أفرزه من مشكلات للقارة السمراء ممثلة بجزيرة القرنفل زنجبار.

اعداد كريم راهي عن مجلة حضرموت الثقافية ( 2016)

____________

* «عبد الرزاق قرنح.. مصير الفرد الأعزل في دوامة التاريخ». حوار أجراه سعيد فرحان ونُشر في المدى الثقافي العدد 1217 في الثامن من مايو 2008.