كلامٌ عاديٌّ جداً: أقصى اليمين... أقصى اليسار

Tuesday 30th of November 2021 10:44:36 PM ,
العدد : 5076
الصفحة : الأعمدة , حيدر المحسن

 حيدر المحسن

من فوائد الأدب أنّه يمنحنا القدرة على رؤية أحداث الحاضر مفصّلة في الآتي من الأيام، فالفرد منا لا يعيش حياته فقط، والعبارة لتوماس مان، "بل حياة جيله وعصره". نحن إذن جزء لا ينفصل عن الجوّ الثقافي الذي نحيا فيه، ودراسة القصص تقرّبنا من فهم الأحداث التي جرت، والواقع الثقافي ما هو إلاّ نسخة مكرّرة من طريقة عيش الأمّة،

وهذه شجرة عملاقة لا يتشكّل نموّها الطّبيعي والخالي من المؤثّرات الخارجيّة المشوّهة في سنة، أو في عقد، كما أن محاولة الدّخول إلى دارة الحداثة لا تتمّ بالغمز إلى بابها، أو بالقفز فوق السّياج، إنّما العبرة بالأُهليّة، وبالقدرة على التكيّف مع ظروف السّكن الجديد.

منذ مجموعته القصصية الأولى، وحتى آخر قصة نشرتها له جريدة طريق الشعب قبل أيام، والكاتب جمعة اللاّمي يحاول التّجريب في فنّ السرد، وشاء أن يسير في هذا الدرب إلى أقصاه. في مقدّمة كتابه "أليشن" يعلن لنا أنّه في سبيل بناء مدينة يسكنها "كلّ الذين يراوحون بين السّماء والأرض"، بمعنى أنه اختار جمهورا من القرّاء يسكنون فوق الأرض، وتحت السّحاب، وكان وفيّا لعهده، فقدّم لنا قصصا غريبة، كأنّنا نرى الحياة فيها من خلال زجاج معتم، وهذه ميزة تفرّد بها اللامي عن بقية القصّاصين.

في معجم ألفاظ القرآن يرد معنى الوصف على أنّه تحقيق وتحصيل، وصف الشّيء بمعنى حقّقه وحصّله، وما دام الكاتب يأتينا بما بين السّماء والأرض، فإن تصوير الشّخوص بما لا نمتلك نحن من صفات، يقرّبهم من منزلة الأنبياء، وهذه صورة أحدهم: "رجل... أصلع مبيضّ الرّأس، واللّحية طويلها، واضح البشاشة، أغيد كأنّما عنقه عنق إبريق فضّة، عريض المنكبين لهما مشاش كمشاش السّبع الضّاري... ضخم عضلة السّاق دقيق الكتفين، شنن الكفين يتّكئ في مشيته على نحو يقارب مشية النّبيّ". ويحاول الكاتب في كلّ مناسبة اقتناص الفرصة كي يثبت لجمهوره أنه ثابت العهد الذي قطعه لهم في تقديمه للكتاب. ففي قصّة أخرى نرى الأمّ جالسة على أريكة، و"كان الضّياء في الغرفة الصّغيرة أبيضَ ومتألّقا، ولعلّ هذا هو الذي سمح لي أن أرى فوق رأس الوالدة صورة لمصوّر شعبيّ تمثّل مريم العذراء تحتضن المسيح، وترسل إليه نظرة غامضة من عينين متجمّدتين في محجريهما". تبدو العلاقة بين الثّلاثة مرتبكة، المصوّر الشعبيّ، والمسيح، ومريم العذراء، واللوحة هنا ليست لعبا داخل اللغة، لكنّها توصيف حقيقيّ لرؤى الكاتب، أو لأحلام يقظته، أو لخياله الجامح، أو لهلوسات عطّلت أحاسيسه الأرضيّة، وجاءت معبّرة عما يدور في المساحة بين السّماء والأرض.

تتنوّع قصص "أليشن"، ويهبط المؤلف في بعضها على الأرض، فالكاتب الحقيقيّ يقذف بنفسه بلا فزع في كلّ مكان، وفي أي زمان يختاره. قصّة أخرى نطّلع فيها على وصف مدهش: "نظرَ إلى وجهه في المرآة: هو وجهي بالتّأكيد: وجهي الذي يشبه لحم سمك الجرّي بعد سلخه". يتكرّر هذا التّعبير مرّتين، ويرمي المؤلف بذلك إلى أن يعمّق لدى القارئ حالة التّحدّي والاحتراب التي يتناولها النصّ: "ولاحظ عينيه تطلّان من فتحتين مدورتين مثل فوهتي الماسورة المزدوجة لبندقية الصيد". ومثلما يأتي الوصف خارقا للمألوف، نرى السرد ملهما كأنما من قبل روح متمرّدة، والحوار تؤديه أصوات متضاربة، ونيّة المؤلف من وراء ذلك أن تكون لقصصه تضاريس خاصة، كأنما ممهورة بها.

يتشابه القاصّان عبد الرحمن مجيد الربيعي وجمعة اللامي في نواحي كثيرة، ويختلفان أيضا. كلاهما من نفس العمر، وينحدران من مدينتين متجاورتين في الجنوب، واختار أحدهما اقصى اليمين في حياة السياسة، والآخر بلغ أقصى اليسار، وكأن هذين الطريقين مهما ابتعدا، لابدّ لهما من نقطة يجري فيها التلاقي... فاقت مؤلفات الربيعي، من حيث العدد، ما أتانا به اللامي، واختار لقصصه نوعا معينا من التماسك أبعدها عن جوّ التجريب الذي خطا به اللامي إلى أبعد تخومه.