إمنحونا فرصةً لنبدي رأياً! - عن الديمقراطية والماركسية -

Wednesday 22nd of December 2021 11:16:57 PM ,
العدد : 5092 (نسخة الكترونية)
الصفحة : آراء وأفكار ,

 ياسين طه حافظ

بعد نشر مقالتي “الاستبداد صناعة ديمقراطية” تلقيت، بكرم باذخ..، ملاحظات احتجاج واضحاً الاستنكار فيها. ولم يثر ذلك عندي غضبا ولا استياءً. فضيلةٌ هي ان يحمي الانسان معتقداته ويدافع عند الضرورة عنها.

لكني أولاً لست كاتباً سياسيا ولا ممارسا للسياسة، ولا اريد نشر فكر لهؤلاء او لأولئك. انا كتبت ملاحظاتي المعتمدة على احداث شهدتها. وما ازال اقول ان لعبة الانتخاب، او لعبة الاغلبية، لعبة لا تخلو من خداع. فالولاءات المسبقة والوعود بفرص او انتظارها، تؤدي الى تحديد اتجاه الاصوات. هي عملية شراء، او مقايضة مهذبة، بل وغير مهذبة أحياناً. أنها تزيف النتائج وتؤثر في سلامة الاختيار. وهذا قبل أن يكون الاسم في الموقع الاعلى. اما اذا كان، فاعادة انتخابه مضمون بما يقارب المائة في المائة ولا أظنني ولا أظنكم بحاجة الى ايضاح ..

المسألة الثانية وهي التي أثارت عدم الرضا أو الاستنكار البسيط، هو أني اتيت بمثل من ستالين وتفرده في تغيير هذا او ذاك من القياديين ولا رأي للقواعد ولا اعتراض. مثالنا العراقي عن صدام حسين، وتذكيرنا بكاسترو ، عبد الناصر وكثيرين آخرين، وحتى تيتو، لم يثر احداً مع تشابه الحالات في هذه المسألة.

الغريب حتى بعض الاصدقاء من ذوي الثقافة الماركسية العريقة استنكروا عليَّ القول بانعدام الديمقراطية. ولهذا وجب ان اصحح خطأً في تفهمهم الماركسي.

يبدو لي سبب الخطأ في الفهم هو التكرار الدائم للديمقراطية في الشعارات والمطالب السياسية في الدول خارج الاتحاد السوفيتي، ولهذا سببه. وهنا اوضح ان هذه مطالب مرحلية. الدعوة للديمقراطية، بالنسبة للماركسيين، دعوة لتيسيير او تحقيق احتياج مرحلي. مجموعة مفردات معروفة يؤكد عليها في الشعارات، منها الديمقراطية وحرية التعبير.

والديمقراطية التي نتحدث عنها، وبمفهومها اليوم، لم تكن معتمدة في قرارات ستالين. هو صحيح اتى للسلطة عن طريق الاغلبية- تلك التي وصفنا عدم سلامتها عمليا- ولمزيد من الايضاح هو عقد تحالفاً مع بوخارين وزينو فييف و كامنيف ضد تروتسكي، ثم مع بوخارين ضد شركائه القدامى. وهذه مناورات سياسية لا ممارسات ديمقراطية. نعم، لستالين مزايا مهمة اغفلها كارهون له في الداخل الروسي وفي العالم. هو رجل ذو عقل متبصّر وادار العمل السياسي في ظروف معقدة وخطرة جدا. حتى اني كتبت يوما مقالة عن كراسة له في اللغة إذ كان له رأي في هذا الموضوع وهو يتحدث، للمؤتمرين المتخصصين، عن اللغة التي يحتاج لها الشعب في الخطاب. وكان رأيه في اللغة حصيفا ومتفرداً. هذا يعني انه لم يكن انساناً عادياً شديد الشراسة والقمع حسب، ولكنه كان ايضاً ذا مزايا قيادية وله ثقافته.

اما مسألة عدم ممارسة الديمقراطية، فعليَّ اليوم ان أوضح، أو أصحح خطأً شائعا لدى بعض من الماركسيين. ذلك ان الديمقراطية لم تكن من اسئلة الماركسية ولا هيَّ معنية بها أصلا. الماركسية معنية بالحرية والتي هي اوسع واشمل. اما الديمقراطية فكما قلت لم تشكل مقولة اساسية في الماركسية لانها : تمثل تحليلاً طبقيا وفهماً تاريخياً محدداً للحرية. والحرية التي تدعو لها الماركسية اوسع من الديمقراطية. “الديمقراطية تنتمي لمرحلة سابقة من التاريخ البشري إذ قام قسم من المجتمع البشري عن طريق هذه الديمقراطية بقولبة وحصر مفهوم الحرية الاوسع والاشمل” .

وكما ترون الديمقراطية من رؤية البرجوازية للحرية – هي في الحقيقة بعض الحرية وليست الحرية كاملة. صحيح ان البرجوازية لا تنفرد بتبني الديمقراطية وان طبقات مضطهدة من المجتمع قنعت بها مرحليا، وما نزال نحن اليوم نقتنع بها لأن بعضا من الفكر البرجوازي ما يزال مهيمنا وموجهاً للنضال.

الماركسيات المحلية تعمل ببعض مفردات الفكر البرجوازي لضروراتها المرحلية أو لحلول مؤقتة في ظروف لا تسمح بأكثر من ذلك. و جاء شعار “دكتاتورية البروليتارية” ليضع كل شيء في مكانه وليوضح لنا المسائل ويبعد اللبس. فلا المطلوب هنا ثناء على ديمقراطية محكوم عليها بانها دون، بل المسعى الى الحرية التي هي اوسع وأشمل والتي تضع الحلول الناجعة للاشكالات كلها.

نحن اذاً لا ندين رؤية لنين ولا ستالين ولا من يتبعهما على غياب الديمقراطية مادام، الفكر الماركسي يراها من مخلفات الفكر البرجوازي ومن فهمه للحرية، الحرية التي هي أوسع وأكثر شمولاً. وما الديمقراطية الا جزء مرحلي منها.. هذه هي رؤية الماركسية للديمقراطية.

لكن هذه المسألة وايضاحها يعودان علينا بإشكال جديد، بسؤال استنكاري: ولكن لماذا بقي الأمر في الاتحاد السوفيتي، لا مع الديمقراطية ووجودها الواقعي ولا مع الحرية الاوسع والاشمل؟

والجواب الذي نمتلكه: لأنهم لم يصلوا لمرحلة “الحرية” التي يقصدونها. فلا تحققت الحرية الاوسع و الاكثر شمولاً، ولا احتُرمت الديمقراطية ذات الانتماء البرجوازي، القاصر ضمناً.

اتمنى اني اوضحت بشكل كاف رأيي عما استاء، أو لم يرضِ أو احتج عليه بعض الاصدقاء. اني هذه الايام في مراجعة لبعض المفاهيم والمسلمات في الادب والفنون والفكر ولستُ أبدا ضد أحد ولا ازعم اني مع أحد ....

وما قلته هو “ تفقّه شخصي “ بأنهم لا يمكن ان يتبنوا موضوعاً أو مبدءاً ادانوه ورأوه دون المطلوب وإن لم يصلوا الى عالم الحرية المطلوب هو اساساً. فادانة الغرب وادانة المعترضين الاخرين على انعدام الديمقراطية يجب ان لا يكون معزولاً عن الفهم الماركسي والمسعى الماركسي للحرية. ولا يجب على الماركسيين الاستياء من الاتهام بافتقاد الديمقراطية وعدم تطبيقها. فكرياً، الماركسية لا تراها مقنعة ولا تؤمن بها. هي تؤمن بما هو أوسع وأكثر شمولاً. وأن الديمقراطية، وهذا ما هو حاصل في العالم حتى اليوم، لم تكن حلا!

والحديث بمعايير شائعة أو تمت اشاعتها، هو حديث يبتعد كثيرا عن الموضوعية. ما رأيناه هو ارادة سياسية حررت المجتمع لهدف، فتمّ إغفال، أو تمت اللامبالاة، لما لا يهمهم الآن. وهذا الذي لا يهمهما او يهمهم الآن - ضمن طموح الارادة السياسية- هو الذي صار موضع اهتمام الخصوم او الاعداء، ناسين كل مكملاته من المعايير الاقتصادية والاجتماعية وفي حال او ظرف صعب.

لكن ما حصيلة ذلك بالنسبة للانسان فرداً ؟ هي حصيلة مغامرة تأريخية لم تكتمل للاسف بالنجاح!