عن مشروع ((البيروسترويكا)) وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق

Wednesday 29th of December 2021 11:03:55 PM ,
العدد : 5096
الصفحة : آراء وأفكار ,

 رزاق عداي

(1)

في كتابه (البيروسترويكا ) يجدد (ميخائيل غورباتشوف ) الرئيس الاخير للاتحاد السوفيتي السابق ان الارهاق الذي تعرض له الاقتصاد السوفيتي هو جراء الانفاق الذي يمضي الى ثلاثة محاور بشكل رئيسي ، وهي الانفاق في مجال التسليح ، ، وانفاق على الشؤون الاجتماعية , صحة وتعليم وسكن ، ..الخ ، والانفاق على فصائل التحرر في انحاء العالم ومساعدات للدول الضعيفة التي تصنف في معسكره .

لقد كانت مقاربات (غورباتشوف ) فيما يتعلق بحالة الاقتصاد السوفيتي تجانب الصواب الى حد كبير، ومن نواح عديدة ، فالاقتصاد الذي تفشت فيه عاهة الانفاق بشكل واسع ،سيرافقه لاحقاَ وابالضرورة نقص في التراكم الا قتصادي الضروري لتنشيط دورة الاستثمار ، وهذه الاشكالية هي ذات طابع اقتصادي صرف في اقتصادات الانظمة الاشتراكية او الرا،سمالية على حدٍ سواء ، فضعف النمو والتوسع والمتانة في دائرة الاستثمار على العموم وهنا في الاقتصاد السوفيتي مرجعه الافراط في منافذ الانفاق والتي ظلت بنوداَ ثابتة في الخطط القتصادية السوفيتية طيلت عمر الاتحاد تقريباَ ، على عكس الاّلية في اقتصادات الدول الراسمالية التي تعتمد فيها الانظمة بنسب متفاوتة على الضريبة المفروضة على الدخول يشتى اشكالها من عوائد شركات او دخول افراد او منشاّت خاصة اخرى ، فالدولة الرأسمالية قليلة التدخل في المجال الاقتصادي ،والتسليح مثلاَ يتم فيها عبر شركات منتجة هي الاخرى خاضعة الى ضريبة عالية ، كما ان الدعم الاجتماعي قليل ومحدود وهو يتفاوت من بلد الى اّخر ، اما ما يتم انفاقه على الدول الموالية ، فيتم مقايضته يشركات كبرى تستثمر في تلك البلدان ضمن شروط مربحة ومريحة بشكل كبير ،

لقد عول ( كارل ماركس ) في ذروة الراسمالية الصناعية ، منتصف القرن التاسع عشر على الازمات الدورية التي يتعرض لها الاقتصاد الراسمالي في حالة تقدم وسائل الانتاج وتراكم سلعي كبير لا تقدر الاسواق على استقبالة ، فينتج عنذ ذلك ازمات مختلفة ومتنوعة ، وبشكل عضوي ان اي تطور في تقنية الراْسمالية من شا،نه ان يجلب ازمة واشدها عندما تتقدم قوى الانتاج على علاقات الانتاج ، وضمن الدول المرشحة للتغير الثوري جراء تفاقم الازمات وفقاَ لرؤية (ماركس ) انذاك كانت (بريطانيا والمانيا ) لما تمتلكانه من قاعدة اقصادية - صناعية عريضة وحجم كبير للطبقة العاملة ، لكن ظهر لاحقاَ ان الراْسمالية تتمتع بمرونة كبيرة في مواجهة الازمات ،بل زادت في ذلك انها استثمرت هذه الازمات في تطوير ادواتها في مجال الانتاج وحتى على صعيد نظرياتها الاقتصادية ، لقد تنبهت الراسمالية الى ازماتها وتمكنت من ايجاد المسالك والطرق للتخلص منها ، فكان اللجوء الى الظاهرة الاستعمارية للبحث عن اسواق لتصريف الكساد الذي حصل بفعل التوسع الهائل في التراكم السلعي ، ليس هذا فحسب فلقد كانت الراسمالية مستعدة للتنازل عن قوانينها المقدسة فيما يتعلق بحرية الاسواق في العرض والطلب وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ، فكانت نظرية الاقتصادي الانكليزي اللورد (كينز) في الطلب الفعال او الطلب العام خلال الازمة الاقتصادية العالمية الكبرى 1929-1931 ، كانت ابتغت تنشيط الدورة الاقتصادية بواسطة الدولة الراسمالية وعبر تدخلها المباشر في دائرة النشاط الاقتصادي العام من خلال خلق المشاريع الاقتصادية الكبيرة وادارتها بما يسهم في القضاء على البطالة والكساد ومن خلال دفع الاجور ومن ثم زيادة الطلب العام ، لقد طٌبقت هذه النظرية في بريطانيا اولاَ ثم اخدت بها الولايات المتحدة الامريكية والكثير من الدول الراسمالية الاخرى ، وقد سميت هذه الظاهرة ب(راسمالية الدولة ) والتي ظلت سارية المفعول حتى بداية اعوام السبعينات من القرن الماضي حينما تعرض الاقتصاد الراْسمالي الى ظاهرة غير مسبوقة جمعت بين التضخم والركود في اّن واحد ، سميت ( التضخم الركودي ) حيث لم تجتمع هاتان الظاهرتان من قبل ، مما انباْت عن ازمة نوعية انبرى لها الاقتصادي الامريكي اللامع من جامعة شيكاغو ( ملتون فريدمان ) فاْعاد صياغة الكثير من القوانين والاّليات المتبعة في الانظمة الاقتصادية الراسمالية وصبها في اطار او مسمى بعنوان (( النظرية الليبرالية الجديدة )) عالج فيها اغلب البنود المعمول بها انذاك في الاقتصادات الراسمالية مثل السوق والعرض والطلب وسعر الفائدة ، والنقد ،ومحددات الاستثمار ،وكل ادوات السياستين المالية والنقدية ، وحدود تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي الضيق ، فكان ان وجدت اّراؤه صدى كبير من الرواج .

قبل ذلك استطاع الاتحاد السوفيتي أو روسيا على وجه الخصوص ومنذ اللحظات الاولى لانطلاق الثورة الاشتراكية في اكتوبر 1917 الشروع لبناء قاعدة صناعية واسعة ، فانطلاقاَ من المسار الذي توضح في النظرية الماركسية والذي شدد على عدم امكانية بناء الاشتراكية بصورة صحيحة من دون ايلاء الجانب الصناعي الاْولوية الاولى مما يرافق ذلك بالضرورة نمو في حجم الطبقة العاملة ، اما المشكلة الاساسي كما لمح لها بحث ((لينين )) المعروف ب((السياسة الاقتصادية الجديدة )) تكمن في شكل انماط الانتاج السائدة في جمهوريات اسيا الوسطى ودول البلطيق وربما حتى في روسيا هي الاخرى وهو شيوع وهيمنة النمط الاقتصاد الزراعي .

لقد كان النظام المعتمد في الاتحاد السوفيتي كما هو معروف هو مركزية التخطيط الاقتصادي والذي يطبق الاسلوب المنهجي المخطط في عموم البلاد ، وهذا الاسلوب يناْى عن نظام السوق الحر غير المقيد ،وهو يعتمد الخطط الدقيقة والتفصيلية ،التي تسمح كثيراَ بفعالية البيروقراطية في المعاملات وروتين يعطل المبادرات السريعة في الميدان الاقتصادي ،

(2 )

السؤال هنا ،هو ما هي العوامل والدوافع التاريخية والاقتصادية والسياسية التي مثلت المحركات الخفية والمعلنة لبروز سياسة (البيروسترويكا ) كحركة ؟

هناك العديد من التاْويلات في هذا المجال داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه ، إذ ان الاقدام على مثل هذا التوجه كان يحتاج انذاك الى قدر غير قليل من الجراْة والمجازفة ، وعليه راحت التفسيرلات والتاْويلات تاْخذ مديات بعيدة .اما بالنسبة لمحددات (غورباتشوف ) للبيروسترويكا ،فهي اعادة بناء الانسان السوفيتي مع صياغة جديدة لحقوقه وحرياته ،كما تنصرف ايضاَ الى اعادة بناء اّلة الانتاج وهياكل التصنيع وتقنين جديد لمسارات الانفاق ،ومواجهة صريحة للبيروقراطية المتفشية بصورة فادحة في الادارات ، ... ومن هنا تتعقد وتتعدد العقبات امام مسييرتها ،اذ ليس يسيراَ تغير الانماط السلوكية الانسانية وما استقر فيها من نوازع سلبية ،وبالمثل ليس بالهين التخفيف من وطاة المركزية واحلال هامش من اللامركزية الادارية والاقتصادية وايجاد سوق نشيط بحدود مناسية من الحرية في اقتصاد نهج وعلى مدى عقود طويلة مركزية مشددة ودقيقة ، وكيف تاْتي الحرية الفردية بالتملك والنشاط الخاص ،واعادة صياغة لنظام الحوافز ، اما المهم فهو هل يحسن المواطن السوفيتي استغلال حرية التعبير عن ارائه كما لمحت بها البيروسترويكا ام يفلت منه الزمام فيعجز عن ممارسة احد معاير الديمقراطية محيلا اياها الى فوضوية مرفوضة ؟ كانت اسئلة كثيرة على هذا الغرار ...

فما ان اعلن غورباتشوف عن عزمه على الاخذ بهذه الاّلية حتى قوبلت بارتياح من اوساط داخل الاتحاد السوفيتي واخرى من خارجه خصوصاَ من امريكا والمعسكر الغربي بكامله ، عندما اقدم غورباتشوف على التوصل الى تفاهمات مع الولايات المتحدة لتخفيف الوجود العسكري لكليهما داخل اوربا ،والخفض من نبرة العداء المستشرية بينهما، وركنت جانباَ دعاية حرب النجوم التي روجت لها وسائل الاعلام الامريكية بقوة ،وربما كانت اّخر السيناريوهات المعدة بمهارة لدفع الاتحاد السوفيتي ليدشين مرحلة البيروسترويكا ، ولكن التفاعلات الاضخم جرت على المستوى الداخلي للاتحاد السوفيتي ، فمنذ عام 1986 والبيروسترويكا موضع جدل مستفش في شتى الاوساط الاكاديمية في حالة من التمحيص لمضومنها ، وماهيتها ،وتوقعات المستقبل بالنسبة لها ، وانقسم المراقبون الى فريقين ، الاول ينذر باسواْ العواقب لها ، بينما يمتدح الثاني نتائجها طارحا مبررات وضمانات استمرارها ، كان لكل منهما حجته ومنطقه المقنع ، ...

وقد كان لسياسة البيروسترويكا صداها الايديولوجي فهي تستدعي اعادة النظر في بعض المفاهيم ذات الطابع العقائدي شبه الثابت ، اذ ان للبيروسترويكا سابقة ابان عهد (( خرتشوف )) ممثلة في حملته ضد ( الستالينية ) ، وربما راى البعض في كتابات (لينين) خلال بداية العشرينات بما حوته من تفصيل لمفهوم (السياسة الاقتصادية الجديدة ) الاصول البعيدة للبيروسترويكا اقتصادياَ وسياسياَ .لقد كانت السنوات الاخيرة لعقد الثمانينات شديدة الاحتدام سياسياَ اذ برزت تيارات وقوى جديدة وظهرت اسماء قوية نافذة استطاعت ان تدير دفة الامور وفق اهوائها وتصوراتها ،

(3)

يكتب (( اليونيد ملينشن )) في مطلع كتابه (( تاريخ روسيا الحديثة )) ، استيقظ مواطنو الاتحاد السوفيتي صباح التاسع عشر من اّب عام 1991 ليتفاجئؤوا بان محطات التلفزة كلها اوفغت برامجها الاعتيادية واخذت تعرض عوضاَ عنها موسيقى كلاسيكية وهذا ما سبب انزعاجا للملايين في تلك الساعات من الصباح ربط البعض التغير المفاجئ من عمل محطات التلفزة والراديو ياحتمال وفاة او مقتل الرئيس السوفيتي ((غورباتشوف )) بينما توقع اخرون بان دولة ما أعلنت الحرب على الاتحاد السوفيتي ، وكانت هناك توقعات لدى القلة بحدوث انقلاب عسكري ، واتضحت الامور ظهيرة ذلك اليوم بعدما شاهد سكان العاصمة موسكو الدبابات في الطرقات في الطرقات واعلان (( ينايف )) نائب الرئيس السوفيتي ،بان (غورباتشوف ) غير قادر على القيام بمهامه الرئاسية لاسباب صحية .

وهكذا أعلن الاتحاد السوفيتي السابق في مرحلة تفكك والفوضى ,ليعلن تشكيل ما عرف بروسيا الاتحادية ، وظهر (( يلتسن )) هو الشخصية القوية النافذة كبطل لمرحلة مابعد الاتحاد السوفيتي السابق ، والموجه لكل المتغيرات التي حصلت في عقدالتسعينات المفعم بالمتغيرات المتوقعة وغير المتوقعة ، كانت المهام الاساسية والملحة هي تشكيل الدولة الجديدة ، واسضاح معالم بنياتها وبلورت السلطات وتعينها ، ثم المهمة الصعبة على الصعيد الاقتصادي ،فقد كانت المركزية والتخطيط الاقتصادي ما يشكلان دعامتين جوهرتين في الحقبة السوفيتية ،وعملية تحويل الاقتصاد من اقتصاد دولة او اقتصاد اشتراكي الى اقتصاد سوق بما في ذلك ممارسة الخصوصية على نطاق واسع ، وهذا الامر الاخير يستوجب التمهيد اليه بتهيئة ارضية للشرعية الاقتصادية ،فمن المنطق ان مهمة كهذه ستكون في غاية الصعوبة في اقتصاد بلغت فيه المركزية ولاْكثر من سبعين عاماَ دوراَ اولياَ ، كما ان هناك اشكالية الجمهوريات السوفيتية التي تصاعدت فيها نغمة القومية وتاْججت صراعات اختفت في المرحلة السوفيتية ولكنها برزت الى السطح ثانية ، كانت روسيا دائما حتى في العهد القيصري تنظر بعين الاعتبار للاْمن القومي وتوليه اهمية خاصة وبحساسية ناتجة عن الارض الشاسعة التي تنطوي عليها الاراضي الروسية والحدود التي تمتد وتتلامس مع دول اخرى .فهي اي روسيا تمتد حدودها الى اليابان ومنغوليا اسياوياَ والى فنلندا اوربياَ .

اذن فـ (البيروسترويكا ) لم ينته مشروعها لغاية اللحظة الراهنة ، وترانا نتابع مجريات الامور في اوكرانيا اليوم ، انها من افرازات ما انتجته سياسات (البيروسترويكا ) ،ولكن بالاْحالة الى طروحات الكاتب الامريكي ( فوكوياما ) في كتابه (نهاية التاريخ ) نجدنا لا نتفق مع مقارباته واستنتاجاته بعد ثلاثة عقود من هذا الانعطاف الحاد في التاريخ ، فروسيا الاتحادية لم تحقق اي نمو كان يتوقع لها ان تحققه طيلة هذه السنين على وعود الليبرالية الجديدة ،كما انها مازالت تعاني الكثير من الفوضى والمشاكل مع الدول المحيطة بها , كما ان التاريخ لم يستقر في منظومته الاخيرة كما يرى (فوكاياما ) بتفكك الاتحاد السوفيتي السابق في دعوته الكونية الباذخة والفخمة ،فحدث او مشروع مثل البيروسترويكا ) او تفكك الاتحاد السوفيتي ، فموضوعة مثل نهاية التاريخ ينتظر التروي في اصدار الاحكام القاطعة ازاءها فالامر يحتاج الى زمن وتاْمل في مضامين التاريخ ذاته .