ملاحظات متأخرة عن مئوية تأسيس الدولة العراقية

Tuesday 4th of January 2022 11:15:41 PM ,
العدد : 5099
الصفحة : آراء وأفكار ,

 عبد الحليم الرهيمي

إحياء العراق مؤخراً لذكرى مئوية تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ، هو تعظيم وتمجيد لحدث كبير الأهمية في تاريخ العراق وشعبه ، والذي لم يكن عابراً او عادياً بما حمل من دلالات ومعان مهمة قبل وخلال وبعد تأسيس هذه الدولة التي استمرت بذكراها ومؤسساتها حتى اطيح بها في 9 نيسان ابريل عام 2003 حيث شرع بعد ذلك بالتأسيس الثاني لهذه الدولة بعد إسقاط التأسيس الاول (عام 1921) .

اما انقلاب – حدث 14 تموز – يوليو عام 1958 فقد مثل اسقاطاً لنظام الحكم الملكي دون اسقاط الدولة واستبدل بنظام جمهوري تعددت اشكال الحكم فيه حتى نيسان – ابريل 2003 .

لقد تأسست الدولة العراقية الحديثة عام 1921 بعد ان خضعت لحكم السلطنة العثمانية المتخلف لاكثر من أربعة قرون ثم جاء الاحتلال العسكري البريطاني عام 1914 الذي جرت مقاومته عسكرياً ثم بثورة 1920 التي فرضت على الاحتلال البريطاني اقامة ادارة حكم محلي بالاتفاق مع ممثلي الشعب العراقي بدلاً من اشكال الحكم الاستعمارية التي اقترحت ابتداءاً ، وبعملية معقدة وصراعات سياسية وعنفية تم التوصل الى تأسيس الدولة العراقية الحديثة بتشكيل حكومة مؤقتة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني نقيب اشراف بغداد في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1920 ، ثم البدء بتأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني / يناير 1921 ومواصلة استكمال بناء مؤسسات الدولة تالياً ، والتي كان ابرزها وأهمها تنصيب الامير فيصل ابن الشريف حسين شريف مكة ملكاً على العراق حيث توج في ساحة القشلة ببغداد في 23 آب / أغسطس عام 1921 والذي اعتبر اليوم الرسمي لتأسيس الدولة العراقية الحديثة ، حيث جرى الشروع بعده قيام (الملك فيصل الاول) وفريقه بحكم العراق واستكمال بناء مؤسسات الدولة الحديثة والتي تواصلت حتى اعلان استقلال العراق ودخوله (عصبة الامم) عام 1932 والتي تلاها عام 1933 وفاة الملك فيصل وتولي نجله الامير غازي ثم تولي فيصل الثاني عرش العراق بعد وفاة والده غازي عام 1939 لكن بوصاية خاله الامير عبد الاله لصغر سنه حتى تتويجه عام 1954 لبلوغه السن القانونية حيث قتل بعد ذلك مع العائلة الملكية التي جرى تصفية معظمها في 14 تموز 1958 لكن الدولة بمؤسساتها استمرت في العهود الجمهورية حتى اطيح بها في نيسان ابريل عام 2003 .

بذلك ، كان حدث إحياء مئوية تأسيس الدولة العراقية الحديثة حدث مهم للتذكير بصفحة مهمة من تاريخ العراق والتغييرات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي نجمت عنها على مختلف الصعد خاصة خلال مدة الحكم الملكي (1921-1958) .. غير ان إحياء مئوية هذا الحدث في 11 كانون الاول / ديسمبر الحالي لم يكن بالمستوى المطلوب، وأعطاء هذه المناسبة حقها في الاهتمام وما حملته من دلالات وذلك بسبب ما شابها من ارتباك وفوضى وتجاهل الدلالات التاريخية والراهنة لحدث تأسيس الدولة العراقية ، فقد اعلن مجلس الوزراء في جلسته يوم 7 كانون الاول ان يوم أحياء ذكرى المئوية سيكون في 11 من الشهر ذاته حيث اقيمت احتفالية مركزية محدودة في القصر الحكومي لأحياء المناسبة . اما الامانة العامة لمجلس الوزراء فأيدت ذلك لكن المتحدث بأسمها أشار الى ان احياء ذكرى المئوية جاء متأخر وان التاريخ الحقيقي لأحياء الذكرى المئوية هو في 23 آب / أغسطس عام 1921 . اما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فقد ادلى بدلوه مجتهداً بالقول ان تأسيس الدولة العراقية الحديثة قد ( تقرر في شهر آذار – مارس في القاهرة عام 1921) !! وهو أمر مخالف للواقع ، لان اجتماع القاهرة المقصود هو للمكتب العربي البريطاني وحضره رئيس الوزراء ونستون تشرشل واقترح فيه موعداً لتأسيس الجيش العراقي الذي تعددت الآراء حول تاريخ تأسيسه حتى اعتمد تاريخ السادس من كانون الثاني 1921 تاريخاً رسمياً لتأسيس الجيش العراقي .

وعدا ذلك الارتباك في تفسير ‘حياء مئوية تاسيس الدولة فقد استغرق بعض الاعلاميين والمحللين في حصر رؤاهم في تحليل مسار الدولة بـ (صراع الهويات) وبأن الدولة لم تقم قبل مائة عام انما منذ سبعة الاف سنة ، وان مسار هذه الدولة خلال مئة عام هو عبارة عن صراعات ومشاكل وحروب واضطرابات .. والى غير ذلك من آراء تختزل الآثار والدلالات التاريخية لتاسيس الدولة واحياء مئويته بتلك التفاصيل التي يبتعد بعضها عن الواقع وتجاهل الدلالات والتعبيرات المهمة لحدث التأسيس ومئويته المتمثلة بمقارنته بما حصل ويحصل في التأسيس الثاني للدولة بعد العام 2003 ، وكيف يمكن (آباء) التأسيس الاول للدولة ايجاد وبناء دولة تمتلك الكثير من سمات دولة عصرية ، بدأ بناءها من الصفر وشهدت خلال العقود الاربعة من تاريخها ، على الاقل ، تجديد وتحديث لبناها الاجتماعية والاقتصادية وشهدت حركة صناعية وعمرانية وزراعية متطورة فضلاً عن التطور النسبي المهم في التعليم والثقافة والنظام الصحي .

ان تجاهل التذكير والتعريف بكل ذلك للأيحاء لـ (آباء) التغيير بعد عام 2003 بفشل دورهم واعمالهم في التأسيس الثاني انما يعني اضاعة فرصة للتوضيح امام الجيل الحالي والاجيال القادمة اهمية توفر القيادات والنخب الناجحة لبناء الدولة العراقية الحديثة وإنعدام مثل تلك القيادات للشروع بالتأسيس الثاني بعد العام 2003 .. وهو احد اسباب ما شهدنا من كوارث.