مركز دراسات: مستقبل مشروع الورقة البيضاء وأولويات مرحلة الحكومة الجديدة

Wednesday 2nd of February 2022 12:00:52 AM ,
العدد : 5118 (نسخة الكترونية)
الصفحة : سياسية ,

ترجمة / حامد احمد

في صيف عام 2020 أدخلت الحكومة العراقية، وباسناد ومباركة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجموعة الدول السبعة G7، مشروع خارطة طريق ودستور اقتصادي عرف باسم الورقة البيضاء.

سعت الوثيقة لمراجعة وإعادة تقييم مستقبل الاقتصاد العراقي وإعادة التفكير بالاستدامة الاقتصادية والمالية على المدى القصير والطويل، والاهم من ذلك البدء بالتحاور تجاه تغيير الثقافة والمفهوم العام حول الهيكلية الاقتصادية للبلد ودور الدولة واستقلالية الموارد الطبيعية. يتناول التقرير الذي أعده مركز EPC للدراسات بعض المشاريع الرئيسية التي تضمنتها الورقة وعوائق تنفيذها، ويناقش أيضا ما تم تحقيقه بعد أكثر من سنة وما هي السبل التي ينبغي على الحكومة الجديدة ان تنتهجها لمعالجة وإدارة اقتصادها وسط تبعات وآثار التغير المناخي.

وبينما كانت الورقة البيضاء عبارة عن مشروع تم التباحث فيه لعدة سنوات، فان المشاكل الاقتصادية والسياسية والازمة الصحية التي واجهها البلد عام 2019 كشفت عن هشاشة الاقتصاد العراقي والحاجة الماسة لإصلاحات قصيرة وطويلة المدى واجراء تغييرات هيكلية. وتفاقمت الازمة اكثر جراء تبعات تفشي وباء كورونا وتناقص الطلب على النفط الذي أدى الى انهيار أسعاره عالميا لما دون 25 دولار في وقت تعتمد فيه 90‌% من ميزانية البلد على واردات النفط.

تبعات وباء كورونا كشفت أيضا عن ضعف البنى التحتية للبلد وعمق الفساد خصوصا في منظومات القطاع الصحي والتربوي، مما أدى ذلك الى خسارات كبيرة بالأرواح البشرية وسنوات من التنمية. مجموعة هذه الازمات ومضاف لها ضعف قدرة الدولة للاستجابة بشكل فعال بصددها، تسببت بانكماش النمو الاقتصادي للبلد، المعروف بالناتج المحلي الإجمالي GDP، لعام 2020 بنسبة 11‌% تاركا ذلك ما يقارب من 5.5 مليون عراقي بمواجهة خطر الفقر في حين وصل معدل بطالة الشباب لحدود 25.2‌%.

ووسط هذه الازمات توجهت الحكومة العراقية لتبني خارطة طريق إصلاحات اقتصادية عرفت بالورقة البيضاء أعدتها خلية الازمة للإصلاح المالي والمصرفي. وتطرح الورقة البيضاء 64 مشروعا واقتراحا. وبدلا من وضع خطة تفصيلية بخطوات واضحة، فانها اقترحت اهدافا قصيرة ومتوسطة المدى تكتمل في غضون 3- 5 سنوات لخلق استدامة مالية لغرض تغيير اقتصادي على المدى البعيد. واقترحت الورقة البيضاء عدة خطوات لتقليص العجز من 20‌% الى 3‌% من الناتج المحلي الإجمالي والرواتب من 25‌% الى 12.5‌%. وتشتمل هذه الاقتراحات على جمع رسوم الكهرباء واستعادة أموال العراق المسروقة وإصلاح صندوق التقاعد وزيادة الواردات من الضرائب والجمارك وإعادة النظر بمعدل صرف الدولار امام الدينار العراقي.

هذه السياسات مجتمعة تهدف الى معالجة أزمة عبء مرتبات وتخصيصات القطاع العام، التي تستنزف ميزانية البلد، وكذلك تنويع مصادر اقتصاد البلد بعيدا عن الاتكال على النفط فقط. واذا ما تم تبني هذه السياسات، فان هذه المقترحات من شأنها ان تحمي البلد من صدمات اقتصادية خارجية ناجمة عن تغيرات وتقلبات سوق الطاقة. هذه المقترحات ضرورية لتحقق استقرار اقتصادي وعامل حيوي لتحقيق استقرار سياسي أيضا.

ويطرح التقرير سؤال: هل تحقق شيء من التغيير بعد مرور سنة على طرح الورقة البيضاء؟ يشير مسؤولون عراقيون الى ان هناك أمورا تحققت على مستوى الأهداف قصيرة الاجل، مثل تجاوز حالة الانهيار المالي وتحقيق فائض نقدي عبر تقليص قيمة صرف الدينار، ولكن خبراء اقتصاديين يؤكدون بان تقليل قيمة صرف الدينار امام الدولار عملت فقط على تخفيض العجز ولكن ذلك لم يحقق أي اصلاح لحماية الفقراء والطبقة الوسطى. مشيرين الى ان تخفيض قيمة الدينار قد أثر بدلا من ذلك على أصحاب الدخل المحدود، مع ازدياد أسعار البضائع المستوردة والخدمات الأخرى وازدياد معدلات التضخم خصوصا بالنسبة للتجهيزات الغذائية والمواد الانشائية وأسعار العقار.

يشير التقرير الى ان نظرة تفحص على القطاع غير النفطي تكشف بان ما يساهم به هذا القطاع ضمن الناتج المحلي الإجمالي لا يتعدى المجالات المالية والخدمية، والتي جميعها غير قابلة للتصدير. هذا يعني انه لم يحصل هناك تقدم مهم نحو تنويع مصادر الاقتصاد وابعاده عن الاعتماد على النفط فقط.

أولويات الحكومة الجديدة الاقتصادية

تتطلب المنظومة الاقتصادية للعراق إعادة تمحيص جذرية حول هشاشة اقتصاده واعتماده على أسعار النفط وتطوير آليات مؤسساتية افضل تتمكن من تحقيق تغييرات ممكنة على نحو فعال في قطاع الطاقة وامن التغير المناخي. ويمكن تحقيق ذلك بعدة طرق، وينبغي على الحكومة الجديدة ان تضع في أولوياتها ثلاثة اهداف. كثير من اقتصاديات البلدان المعتمدة على مواردها الطبيعية من النفط أنشأت لها صندوق التمويل السيادي، الذي يستفيد من عوائد الموارد الطبيعية خصوصا خلال ارتفاع أسعار النفط. مع ذلك فانه يتوجب على السلطة المؤسساتية ان تكون فعالة في هذا المجال ويتضمن ذلك من بين أشياء أخرى معالجة مسألة الفساد وسوء الإدارة البيروقراطية على مستوى الدولة ضمن النظام التشريعي الذي يتطلب التعاون والشفافية.

أولوية ثانية على الحكومة الجديدة ان تتصدى لها هي أزمة الامن المائي والتغير المناخي، وهذا الامر يعتبر عائقا اوليا امام تنفيذ خارطة طريق الورقة البيضاء. فمع ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة فإنه من المتوقع ان يواجه العراق ازمة مائية غير مسبوقة. هذه الازمة المائية اثرت على مزارعي الحنطة والشعير في البلد بتقليص انتاجهم بنسبة 37‌% و 30‌% على التوالي وتناقص محصول الحصاد لديهم بنسبة 90‌% مع فقدان العوائل الزراعية لـ37‌% من عدد مواشيهم. وكان من بين اهداف التنوع الاقتصادي ضمن الورقة البيضاء هو تطوير القطاع الزراعي، ولهذا فانه مع تفاقم ازمة المياه وغياب حلول واضحة من الحكومة، فان مساحات الأراضي الزراعية ستتقلص يوما بعد يوم.

ويشير التقرير الى ان احد الخطوات المهمة التي ينبغي على الحكومة الجديدة اتخاذها هو التفاوض مع بلدان الجوار للاستثمار بتكنولوجيات الزراعة الحديثة التي تساعد في إدخال وسائل جديدة تعالج مشكلة ارتفاع درجات الحرارة وأزمة المياه وإعادة تأهيل التربة.

اما الأولوية الثالثة فانه ينبغي على الحكومة الجديدة حل مشكلة حرق الغاز الذي يساهم بتدهور الوضع البيئي للبلد ويبقى العراق معتمدا على استيراد الغاز من دول الجوار.

يمكن القول ان الحكومة السابقة قد هيأت حجر الأساس لاصلاح اقتصادي عبر الورقة البيضاء الذي يتطلب من الحكومات اللاحقة اكمال خطواتها. وستكون الخطوات التي ستتخذها الحكومة الجديدة لمعالجة التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، امرا حيويا في متابعة الأزمات الاقتصادية والسياسية التي لا مفر منها، ويشير التقرير الى انه لا بد من ان تكون هناك إرادة سياسية للتعامل مع تحديات تطبيق الورقة البيضاء.

عن مركز EPC للدراسات