إبراهيم البهرزي: حياتي الشخصية تطابق حال البلاد التي ولدت وعشت بها ولَم أفارقها

Monday 9th of May 2022 11:16:10 PM ,
العدد : 5179
الصفحة : عام ,

يرى أن كل قصيدة عنده هي رسالة ما أن تصل إلى المرسل إليه حتى تنتهي غايتها

حاوره/ علاء المفرجي

نال ما ناله من عسف واضطهاد بل وعزل، هو ورهط من شعراء جيله الذين آثروا البقاء في الوطن، والبعض منهم صار ذكرى وأثر..

فقضى عند مذبح الوطن، ابراهيم البهرزي أحد هؤلاء الشعراء، الذي صدح صوته نهاية السبعينيات، شاعراً أكد حضورا لافتاً في المشهد الشعري بوصفه صوتاً مختلفا، وسرعان ما نالته - وفي التاريخ نفسه –المجنزرة الفاشية بدمويتها مثلما نالت الاصوات التي كانت تنادي بالديمقراطية، من بطش وتهديد وإقصاء.

البهرزي لم يغادر قريته (بهرز) على مدى ربع قرن، بل إلتحف بشعره، واستجار ببساتين وبرتقال قريته من رمضاء الآخر، فكانت نصوصه الشعرية ومقالاته، التي كان ينظمها بلسماً للألم اليومي الذي كان يقاسيه، حتى حان موعد الخلاص، أو ما ظننا أنه الخلاص، لتسافر نصوص البهرزي على جناح الحرية الى محبيها.

ولد ابراهيم البهرزي في بهرز بمحافظة ديالى عام ١٩٥٨، وتخرج من الجامعة التكنولوجية عام ١٩٨١، عمل مهندسا في دوائر الدولة حتى تقاعد عام ٢٠١٩.

كانت (بهرز) ببساتينها وبرتقالها الشهير، انطلاقة مهمة بالنسبة له، لتشكل فيها بعد محور نصوصه الشعرية وكتاباته العديدة، (صفير الجوال اخر الليل) ديوان شعر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام ٢٠٠٣، و(شرفة نيتشة) مختارات شعرية عن دار ميزوبوتاميا بغداد عام ٢٠١٥، و(لا ابطال في طروادة) رواية عن دار ميزوبوتاميا بغداد عام ٢٠١٥. وله مخطوطات لروايات ومجاميع شعرية لم تر النور حتى الان.

 انتبهت الى العلاقة الغريبة التي تربط ابراهيم البهرزي بالمكان، ما مدى تاثير هذا المكان في صياغتك شاعرا، وما هي المراجع والمصادر التي قادتك الى الشعر منذ الطفولة؟ أم «وانت تسعي الي الشعر عليك الا تاخذ معك دليلا.. فهو ما تتلمّسه لا ما يدلّك عليه احد» كما تقول في قصيدتك؟

من المؤكد أن للمكان اثراً واضحاً في تشكيل مزاج الفرد، نحن نخرج للدنيا اوراقاً بيضاء والأمكنة تكتبنا، ولدت في منزل لا يبعد غير أمتار عن ضفة نهر عظيم هو الان في طور الاحتضار للأسف بعد مسيرة آلاف السنوات من الجريان الهادر في وادي ديالى، كان نهر ديالى نهرا مخيفا حقا، نهرا عميقا بضفاف عالية تحيطها بساتين الحمضيات والنخيل العيط، ولانحدار الارض ما بين منبعه في جبال حمرين ومصبه في دجلة جنوب ديالى فقد كانت أمواجه تتلاحق لاهثة وكانت مياهه شديدة الزرقة شفافة لإنعدام الملوثات عهد ذاك ورغم خطورة النهر فقد وجدنا من يعلمنا السباحة باكرا فهو درس لابد منه لمواجهة احتمالات الغرق ،كانت قصص الغرقى من الأطفال والمنتحرات من النساء لأسباب عدة تثير في ذهني ذلك السؤال الذي وجدت إجابته فيما بعد: اين يذهب هؤلاء الغرقى الذين لا يجدون جثثهم، فيما بعد، هذه الايام،حين جف النهر بسبب قطع روافده وظهرت بقايا رمم المخطوفين من ضحايا الحرب الطائفية عرفت ان الغرقى يرقدون في مهود الرمال العميقة ينامون كالأطفال في احضان امهاتهم، في هذه الايام وانا أرى عظام النهر الهزيلة تنكشف عقب الجفاف تدور في رأسي هذه الايام مرثية لأم كبيرة تحتضر، كان نهر ديالى أمنا، كان مرضعتنا ، فحتى أواخر الستينات كان السقاؤون يحملون جرار الجلد ويوزعون مياهها على البيوت وكانت النسوة يحملن مشربياتهن صباح مساء ويملين حباب الماء، كان ماء عذبا شديد الصفاء، تشكلت القصيدة في رأسي كموجة من امواج هذا النهر كانت بدايتها بسيطة سلسة تأنف الغموض وربما كانت غنائية حين كانت الغنائية تهمة للشاعر في زمن النطاح الايديولوجي وزمن الادعاءات الفكرية الكبيرة، كنت اجد القصائد على قارعة الطريق، في دروب البساتين ،بين الورق الأصفر المتساقط والبراعم الخضر الناهضة، في خصور الفلاحات النحيلات وهن يتموجن في الطرق النيسمية للمزارع المديدةً ، غير ان جرح الايديولوجيا الذي لابد منه كان لي بالمرصاد، كان قدرا لكل جيلنا الذي نهض ما بين الستينات والسبعينات ، كان جرحا اصاب الجميع،جرحا تلوث وأصابنا بحمى هي مزيج من الاغتراب واليأس والعدوانية الخفية امتدت لعقود ثلاثة واكثر من عمر دكتاتورية كل مافيها مريب،تلك الأمكنة الجميلة أصبحت مريبة هي الاخرى، ثمة من يتتبعك في دروب البساتين وعلى ضفاف الأنهار ، كل هذا يفسد الشاعرية البكر ويرمي بها الى عفونة الثقافة، الشعر المتثاقف الخارج من أتون الكتب وحدها هو شعر متعفن، شعر مزدحم بافكار الثقافة السوداء ومعضلاتها وأمراضها مابين نزق ونرجسية وافتعال وأوهام وتغامض (من الغموض القصدي) ، هكذا تبدو الامور حين يفقد المثقف حميمية المكان وينزوي بين صفحات كتاب،كل مافيه ينطوي، روحه وكبرياءه، ولا علاج حينها غير الارتماء في رحم المكان وإعادة اكتشاف الرحم، اعادة ترميم ما هدمه الزمان الدكتاتوري، أحاول البقاء الان في ذلك الزمان من خلال التماهي مع الصور الفوتوغرافية التي كنت اثبت فيها جمالا اعرف انه سيغادر يوما بفعل همجية الانسان وأنانيته، احاول ابقاء نفسي الحرة في ذلك المكان الذي باد وأورثني ظلال الصور،انه المكان الذي رعى دهشتي الاولى والذي أقاوم لاجل البقاء فيه رغم كل العوامل الطاردة ، البقاء حتى الموت في فضاء الدهشة البكر.

 صدرت مجموعتك الاولى (صفير الجوال اخر الليل) بعد اكثر من ربع قرن على ادراكك الشعر.. ما السبب؟ هل يعزى السبب الى ما أسميه (الريتسوسية) نسبة الى الشاعر اليوناني ريتسوس الذي فعل الشي نفسه خلال فترة الحكم العسكري...؟

حين بدأت الكتابة والنشر في النصف الثاني من السبعينات لم افكر مطلقا بإصدار مجموعة شعرية،كان الامر عندي ان القصيدة قد وصلت للمتلقي بمجرد نشرها ولا داعي لنشرها ثانية بأية طريقة لذا فإنني لا امتلك اَية مسودات للقصائد التي نشرتها في السبعينات والثمانيات وحين نشرت مجموعتي الشعرية الاولى عام ٢٠٠٣ كان الامر اشبه ما يكون بالصدفة فانا شخصيا وحتى هذه اللحظة لم أقدم اَية مجموعة شعرية او مطبوع بغية نشرها لأية جهة، مجموعة (صفير الجوال اخر الليل) هي قصائد أرسلت مفردة بالبريد العادي الى الصديق الشاعر وديع العبيدي الذي كان يصدر من النمسا مجلة (ضفاف) فجمعها وأصدرها بمجموعة شعرية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والمؤسف انها لم توزع في العراق فقد صدرت في العام ٢٠٠٣ خلال فترة الاحتلال ووصلتني منها خمسون نسخة وصل بعضها لعدة أصدقاء فقط، قبل هذا التاريخ كانت الامور المتعلقة بنشر الكتب عائدة لوزارة الثقافة وكان النشر في الغالب متاحا لمن يتواجدون في المقاهي الأدبية والاتحادات ولَم اكن كذلك . ربما أكون انا المقصر، وربما يعتقده البعض تكاسلا، لكن الامر برمته يعود الى عدم الجدية، كانت الكتابة ولا زالت عندي هواية ومزاجا، فان لم يطلب احد مني شيئا منها لا اذهب متطوعا لتقديمها، البعض يظنه تعاليا ، لكنه في واقع الامر لامبالاة محضة، اتماهى كثيرا مع بيت شعر لفرناندو بيسوا يقول ما معناه (اني لست شاعرا مهما ولا أسعى لان أكون كذلك ولا اكتب لأجل ذلك) كل قصيدة هي عندي رسالة ما ان تصل الى المرسل اليه حتى تنتهي غايتها باعتقادي،من المؤكد ان من لم ترسل اليهم شخصيا سيجدون فيها شيئا من المواساة في حينها او في احيان اخرى وهذا يسعدني حقا حين اسمع به على سبيل الثناء، اصمت احيانا حين اجد زمنا تنعدم فيه قيمة الرسائل ،زمنا لا يصغي الناس فيه الا الى نبضات قلوبهم بسبب الخوف كما كان الحال او الغضب كما هو الحال الان، وانا ممن يعتقدون بان الصمت موقف كبير في زمن القسوة والاستهتار.

 لا يخطئ من يتابع شعرك منذ البدايات، بتجلي الفجيعة والرثاء والنوستالجيا من نصوصك.. وكأنك من خلال ما ترثي، فانت ترثي نفسك.. ماذا تقول عن ذلك؟

تكاد حياتي الشخصية تطابق حال البلاد التي ولدت وعشت بها ولَم افارقها رغم كل الظروف الطاردة ،وهي للأسف بلاد الماضي، اعني انها بلاد كل حاضرها هو حنين للماضي بسبب سيرورة التردي التي تلازمها،ولدت مع اول عهد جمهوري وأول ما فطنت له سيارات البوكس وهي تدهم منزلنا وتطارد أقاربي الشيوعيين في البساتين، ومن حكم عسكري لآخر صرت انا المغضوب عليه المسجل في تقارير الامن تحت صفة (حاقد على الحزب والثورة) وهي صفة ستغير كل مقادير حياتي وتطيح بالكثير من طموحاتي، ان تحيا بإحساس (المشبوه) حتى وان كنت بريئا فان حياتك تصبح سما زعافا ، كل سلوك عفوي يصبح عرضة للتأويل، الضحك وعلاقات الغرام والمزاح واللعب وكل ما يديم مرونة الحياة ، تكف عنها مضطرا وتصير من المباهج المفقودة فتحن لها وتدونها في سجل المفقودات والمراثي، لقد فقدت الكثير من أسباب البهجة، أصدقاء حميميون وأقارب كالأخوة اعدموا دون أسباب مبررة، اعدموا لانهم يفكرون بشكل مختلف عن الآخرين الذين لا يحملون غير فكر ومشاعر السلطة، لو تمعنت في سجلات الشهداء والمفقودين لوجدتهم انبل وأذكى وأطيب النماذج المختارة من هذا الشعب، اَي شيء في هذه البلاد لا يدعو الى التفجع والثراء؟ ثم يتلو ذلك كله عهد اكثر وساخة واستهتارا لتفقد المزيد من اهلك وأصدقاءك في عمليات موت مجاني تشبه الإبادة ، وتطاول الموت على المكان ايضا فالفراديس الأرضية يقتلها الظمأ،والأنهار تجف بفعل فاعل وليس بفعل المناخ كما تبرر السلطة، مرابع الذكرى الجميلة تباد كلها عن سوء قصد وتدبير، ماذا في الحاضر يستأهل الشعر؟ نحن نحيا أوقاتا مضادة للإبداع،كل إبداع وليس الشعر وحده ، وليس لنا من خزين غير الاشياء الزائلة ، نحن مثل الشعراء الجاهليين ما عاد عندنا غير أطلالنا نطيل الوقوف بها نرثي ونتفجع..

 اغلب ما كتبت وخاصة في (صفير الجوال اخر الليل) هي قصائد نثر.. ما برأيك الأسس النظرية لقصيدة النثر، واذا كانت لها ضرورة معاصرة هل كان هذا يكفي ان يجهل ناظموها أسس البلاغة العربية وجمال اللغة كما في العديد من النصوص الجديدة؟

في الحقيقة يا صديقي لو تتذكر فإنني كتبت شعر التفعيلة قبل قصيدة النثر ،لكن وكما قلت لك في اجابة سابقة لم اضم شيئا منها لما أصدرت بسبب ضياع اغلبها، فقط ومنذ نهاية الثمانينات تحولت لكتابة النصوص النثرية ولو أردت رايي في طبيعة كتابة النمطين لقلت لك ان كتابة قصيدة النثر اكثر صعوبة على الشاعر من كتابة النصوص الموزونة اقول هذا من تجربتي، قصيدة النثر جنس شديد الصعوبة لانك اولا يجب ان تعوض (الشعر) الذي سلبت منه الايقاع مزية ً ما تعوضه عن هذا الفقدان، تحتاج قصيدة النثر لافكار كبيرة وأصيلة كي توقع بالمتلقي في شرك غوايتها، وتحتاج لغة غير نمطية وأسلوب مبتكر يصبح شيئا فشيئا علامة الشاعر وتوقيعه الفرد، وكل هذه المقومات تحتاج لتجربة حياتية وثقافية متفردة، لذلك اجد ان قصيدة النثر المكتوبة من قبل شاعر خَبَر َ كتابة شعر التفعيلة والقصيدة العمودية ايضا هي اكثر رصانة من تلك القصيدة التي يكتبها شاعر لم يمارس غير كتابة قصيدة النثر، عليك ان تستفيد من أمراض قصيدة التفعيلة والعمود لتمتلك المناعة الضرورية عند كتابة قصيدة النثر، المناعة ضد الإسهاب والمناعة ضد التكرار والمناعة ضد التراكيب اللغوية الجاهزة والمناعة ضد الفخامة البلاغية، كل تلك أشياء لا تحتملها قصيدة النثر فهي كينونة حساسة بشكل مرضي لا تحتمل أيا من اعباء النظم الشعري السائد، في الحقيقة هناك إغواء عالمي للتفاهة ، كل بيانات العولمة هي دعوات مستترة لاجل شيوع التفاهة ووسائل الاتصال الحديثة هي رغم كل حسناتها وإيجابياتها وسيلة أساسية لإشاعة التفاهة سواء في الشعر او الفنون التشكيلية او المرئية او المسموعة ، وعندما تتراكم التفاهة يضيع مفهوم القيمة والمعيار ،وهذا ما تعانيه قصيدة النثر اليوم ،التراكم والرثاثة بسبب سهولة النشر واستسهال عملية الكتابة والتواطؤ الخبيث لمن صاروا يحملون صفة الناقد ، اصبح الكثير من كتبة النقد اشبه بالقوادين الذين يعلون شأن قحاب رديئات اسمهن قصائد النثر ، كما هو حال مؤسسات الاعلان مع الفنانين والفنانات،كما هو حال الملاهي الليلية مع الطرب والمطربين كما هو حال المواقع الزرقاء مع تجارة الجنس، وكاإن ّهناك استراتيجية عالمية لعقيدة ٍ فحواها القوادة، وقصيدة النثر صبية بريئة تنال هي الاخرى نصيبها من الفساد في أسواق التفاهة التي شرعت ابوابها العولمة والنظام العالمي الجديد.

 ثمة راي يقول أن القصيدة يجب ان تنهل من ثقافة واسعة تجعل النص محتدما.. هل توافق هذا الراي ام انك ترى ضرورة البحث عن حقول جديدة للاشتباك مع الواقع والمخزون الثقافي؟

كل المناهل الثقافية لا تستطيع صناعة قصيدة من شاعر لا يعاني تجارب الحياة بوعي متقدم، نعم يمكنها ان تنتج (منظومة) تسمى قسرا بالقصيدة لكنك لن تجد فيها حرارة الحياة والتجربة الضروريتان للاستدامة والبقاء.

متلقي الشعر الواعي لن تخدعه استعراضات الثقافة والمعارف في نص شعري، انه يريد ان يرى شيئا من مشاعره الشخصية وقد تم التعبير عنها من قبل شخص اخر هو الشاعر ، المعارف والثقافات صارت الان مطروحة في اجهزة الموبايل الشخصية بشكل مجاني فما الحاجة لشاعر يعيد تدويرها، الكثير من كتاب قصيدة النثر وبسبب افتقارهم لتجارب حياتية ووعي متقدم بالحياة نفسها يكتب ما يشبه القصائد المترجمة، قصائد بلا روافع زمانية او مكانية ، قصائد لا تنتمي لثقافة معينة وكل هذا ناتج من أسباب منها التعالي على الواقع او معاداة التراث الشعري المحلي وإدمان الشعر المترجم

مشكلة قصيدة النثر الاساسية انها مرتبطة ارتباطا وثيقا بشخصية الشاعر اكثر من ارتباطها بركام المعارف، مزاج الشاعر الشخصي،مدى عمقه،مدى حساسيته،كل تلك الاشياء لها اثر في النص النثري، العوامل التي ترفع من مقام قصيدة التفعيلة كالإيقاع الخارجي والبلاغة تتطلب بدائل تعزز قصيدة النثر وتعوض عن مفقوداتها ،البعض يظن ان قصيدة النثر بلا معايير وهذا فهم خاطيء، الدهشة وليس الطرافة والبساطة وليس التقرير والعمق ولس الغموض هذه معايير اظنها ولية لتقييم قصيدة النثر مبدئيا،وهناك طبعا الأسلوب الذي هوشخصية الشاعر نفسها وهذا امر شديد التعقيد تتداخل فيه معطيات عديدة.

 خلال العقدين الاخيرين برز سؤال للثقافة.. المثقف التابع والمثقف الحر، مثقف الطائفة او مثقف الوطن.. وكأن الثقافة اصبحت جزءا اساسيا من المشكلة، او انها لم تعد تقدم حلا ما... ما تعليقك.؟

الثقافة جزء كبير من المشكلة، ومن المؤسف انها كانت تابعة على طول المسار، ومن شجع على تبعية الثقافة هو هذا الذي نسميه نقدا، لقد هلل وأشاع ورسخ ثقافة التبعية منذ الخمسينات حتى اليوم،كل مجموعة ثقافية لها نقادها المروجون ، كل صوت حر ومستقل في الثقافة لن يجد له منبرا للتعبير،وان كنّا نتحدث عن أصوات منفردة خارج غيتو التبعيات الأيديولوجية والاثنية وسواها فهي أصوات بعضها ولد في المنفى وبعضها ممن ظل في الداخل وطواه النسيان ، النقد العراقي عموما هو نقد تبعي، اتحدث عن النقد التطبيقي تحديدا ، النقاد النظريون الكبار أمثال سعيد الغانمي وعبدالله ابراهيم خارج هذا التعميم وربما هم انشغلوا بالنقد النظري هربا من استدراجهم بمؤسسة النقد التبعي، ان مراجعة لأدبيات النقد العراقي منذ الخمسينات حتى اليوم تكشف مدى الجريمة التي مارسها هؤلاء النقاد من حيث تدمير ذائقة المتلقي العراقي ولازالوا يمارسون هذه المهمة فصار من الطبيعي ان تبحث عن العلاقة الأيديولوجية او المكانية والطائفية فيما بين الناقد والمنقود وفِي ظل هذه العلاقة المشينة يتم تزوير التاريخ الأدبي وتقبيح الحسن وتحسين القبيح ،ان مراجعة محايدة من قبل ناقد موضوعي يمكن ان تكشف كم الزيف الذي مارسه هؤلاء النقاد، انه زيف وتزوير يرتقي الى مستوى الجريمة واني اتمنى على الشباب من ذوي الانشغالات النقدية إجراء مراجعة عامة وتشريح قاس لا مجاملة فيه لركام المجازر النقدية طوال العقود الخمسة او الستة الماضية لاكتشاف حجم هذه الجريمة، وهذا ما سيحدث يوما،انا على يقين من ان هذه التماثيل النقدية سيتم تحطيمها يوما ووضع أنقاضها في المكان المناسب ،فهم الذين رسخوا التبعية وحاربوا الاستقلالية وصاغوا تاريخا أدبياً مشبوها تتسلمه الأجيال دونما غربلة لشديد الأسف.