حفريات في تأريخ الفن: مراوح الخيش العباسية

Sunday 15th of May 2022 11:20:21 PM ,
العدد : 5183
الصفحة : عام ,

شاكر لعيبي

من المعروف أن أجدادنا في العراق عرفوا حتى بداية القرن العشرين نوعاً من المراوح التي تُعلّق في سطح الغرفة ويحرّكها شخص عبر حبل.

أنها مروحة الخيش التي كانت تستعمل ببلاد العراق. ذكرها المتأخر ابن معصوم (المتوفى عام 1119هـ)، أي بين سنتي 1707 - 1708م في كتابه (أنوار الربيع في أنواع البديع). نصه المكتوب في القرن الثامن عشر يدلّ على استخدامها يومذاك على نطاق واسع، ولكنه يستعيد بهذا الشأن النصوص السابقة عليه من القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين. الباحث عاطف علي عبد الرحيم، بعد أن يستعرض أبياتا شعرية تصف هذه المروحة في العصر العباسي، ينتهي إلى القول:

«مروحة الخيش مرت بمراحل عدة إلـى أن وصـلت لأداة تُستخدم في العصر العباسي، لتلطيف الهواء الحار، المشهور عن بلاد العراق، ثم انتقلت هذه الأداة إلى الأماكن الأخرى التي لها نفس الظروف المناخية. كانت بداية الفكرة فـي اسـتخدام الخـيش، المعروف باحتفاظه بالمياه فترات طويلة، وذلك كعازل للحرارة، إذ كان يـتم تخيـيش الجـدران، وعمل بيوت الخيش، ثم حدث تطور نوعي في عهد هارون الرشيد، وبدأت الفكرة تتبلور أكثر، في أنه يتم تحريك الخيش المبلل، ليجلب الهواء البارد، والريح الجميلة، حيث كان يرش الخيش بالمـاء والروائح العطرة. وبذلك تم الوصول إلى ابتكار مروحة الخيش. وأمكن مـن خـلال النصـوص والأشعار السابقة، الوقوف على عديد من المعلومات، التي تخصّ مراوح الخيش، منهـا: طريقـة تنفيذ هذه المراوح، فتؤخذ قطعة من الخيش في حجم السجادة أو أكبر قليلاً أو أصغر قليلاً حسـب مساحة الغرفة، ويحشونها بأشياء صلبة قوية لا يسهل طيها مثل الحلفاء، ثم تعلق في وسط الغرفة، ثم يجذبها رجل يكون في البيت جذباً رقيقاً ويتركها ويعاود جذبها، وبهذه الطريقة يهبّ منها نسـيم يبرد الهواء، وقد يغمسونها أحياناً بماء الورد فتطيب رائحته في نفس الوقت الذي تبرده فيه بالإضافة إلى معلومات عدة وضحت من شرح الأبيات الشعرية، التي أفاضت في وصف مروحـة الخيش. ونظراً لانتشار هذه المراوح، فقد عدت على أنها من الأدوات اللازمة في بـلاط الملـوك والسلاطين...» (انظر عاطف علي عبد الرحيم: مراوح الخيش، أحد المظاهر الحضارية في الدولة العباسية، في مجلة شدت: مجلة سنوية محكمة تصدرها كلية الآثار، جامعة الفيوم، مصر، العدد الثاني عام 2015، ص26)

لدينا اليوم العديد من النماذج المرسومة أو الفوتوغرافية من هذه المراوح. في البدء رسم يحيى الواسطي لمدرسة (كُتّاب) في المقامات، محفوظ في المكتبة الوطنية في باريس. المروحة المرسومة أقلّ حجما من الموصوفة في النصوص، لذا يمكن الاعتقاد أنها كانت بأحجام مختلفة حسب الاستعمال.

الثاني، تفصيل من صورة فوتوغرافية من عام 1918. حال دخول الإنكليز بغداد عام 1917 شرع الفضوليون من المصوّرين الإنكليز والهنود والعراقيين القلائل بالتقاط صور للحياة الاجتماعية الخفيّة للبغداديين. الصورة مجهولة نسبياً، وقد نشرناها كاملة على النيت بمناسبة الحديث عن (ملهى – مسرح) في بغداد عام 1918. وفيها نرى مروحة وسط المسرح تقريباً. هذا النوع من المراوح هو ما كان مستخدما في العصر العباسي. وقد وصُفت المروحة ببعض التفصيل في شرح مقامات الحريري للشريشي (ت ٦١٩هـ أي عام ١٢٢٢م أي القرن الثالث عشر الميلاديّ).

«قال الشريشي في شرح المقامات: هذه المروحة تكون شبيه الشراع للسفينة وتعلق في سقف ويشد بها حبل تدير به مشيها وتبل بالماء وترش بماء الورد، فإذا أراد الرجل في القائلة أن ينام جذبها بحبلها فتذهب بطول البيت وتجيء فيهب على الرجل منها نسيم بارد طيب الريح فيذهب عنه أذى الحر ويستطب وهي فوقه ذاهبة وجائية؛ ولذلك سماها جارية. [ثم يشرح شِعر المقامات].

قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة (1325 - 1375م، أي القرن الرابع عشر الميلادي) في التعليق على الشريشي: وهذه المروحة محدثة في زمن بني العباس وكان سبب حدوثها أن هارون الرشيد دخل يوماً على أخته علية بنت المهدي في قيض شديد فألقاها قد صبغت ثياباً من زعفران وصندل ونشرتها على الحبال لتجف فجلس هارون قريباً من الثياب المنشورة فجعلت الريح تمر على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة، فوجد لذلك راحة من الحر واستطابه، فأمر أن يصنع له في مجلسه مثله على الوجه المشروح في كلام الشريشى فاشتهرت واستعملها الناس» عن كتاب الغزولي (مطالع البدور ومنازل السرور).

لكن الحريري (عاش بين السنوات 446هـ/1054م- 1122م أي بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين) كتب المقامات في هذه الفترة، وإذن فعلى مراوح الخيش أن تكون معروفة على نطاق شعبيّ في القرنين المذكورين، بل قبل ذلك.