عزيز نسين يتحدث عن نفسه

Sunday 29th of May 2022 12:48:34 AM ,
العدد : 5192
الصفحة : عام ,

ترجمة: عادل حبه

ولدت في عام 1915 في أوج الحرب العالمية الأولى في أحدى الجزائر التركية التي تدعى “هيبلي”. وفي عام 1937، تخرجت من كلية الضباط، وقدمت استقالتي من الجيش عام 1944،

وشرعت امارس مهنة الكتابة. في البداية، مارست كتابة الشعر ومن ثم مارست الكتابة.اعتقلت لأول مرة في عام 1947 بسبب نشر بعض مقالاتي، وقد قضيت منذ ذلك الوقت وحتى الآن خمس سنوات ونصف في مختلف السجون التركية بسبب ما كتبته. في عامي 1956 و1957 حصلت على جائزتين في مسابقات الأدب الساخر العالمي، وفي عام 1966 حصلت على جائزة “الدجاجة الذهبية” في مسابقات كُتّاب الأدب الساخر في بلغاريا.

ألفت لحد الآن 44 كتاباً، ترجمت إلى 17 لغة من اللغات الحية في العالم. غالباً ما يسألني محبي مؤلفاتي عن كيف تكتب. في الحقيقة لم استطع تقديم جواب شافي لهم لانني لا أعرف ماذا يريدون مني وأية اسرار ينبغي علي أن أزيح الستار عنها... من حيث المبدأ، أية فائدة يجنوها من معرفة هذا “الأمر”... في الوقت الذي لا توجد أية نقاط مبهمة غي عملي. ومن المحتمل أن هدفهم هو أنني في أية حالة أدون مؤلفاتي؟ ولربما فهم يتوقعون مني أن أدلوا بأمور عجيبة وغريبة، ولكن لا يوجد أي شيء يثير العجب وغير طبيعي عملياً. إنني لست على غرار الأيام الأولى من نشاط الكتاب المعروفين في العالم الذين يسعون إلى إثارة فضول القراء، فقد كتب أحدهم:” إنني في اثناء الكتابة أقوم بغلق الأبواب والشبابيك بإجكام، وأضع هيكل عظمي لأحد الأموات على منضدتي ويخيم على الغرفة سكوت الأموات. ويشير كاتب آخر أنه يقوم بسماع آثار باخ وبتهوفن وبرامس قبل الشروع بالكتابة أو أن يحتفظ بدرجة حرارة الغرفة بمستوى 16 درجة مئوية، ولهذا لا يستطيع أن يكتب أمور جدية في الصيف. وينبري كاتب آخر على معرفة به ويقول أنه يضع على منضدته قنينة ويسكي وصحن الحمص كي يرشف رشفة من الويسكي عندما تصل روايته إلى موقع حساس كي يستعيد مشاعره!

والأكثر طرافة من كل هؤلاء هو كاتب فرنسي لا يستطيع أن يدون مؤلفه إلاّ في الحمام، ويتوجه أحد أصدقائي إلى كروان سراي خارج المدينة ويشرع بقراءة الشعر...لا... لا تعجبني مثل هذه الاطوار وليس لدي لا الوقت ولا المزاج. إن مؤلفاتي لا تحتاج إلى اجبار أحد لقراءتها....وليس لدي قوة التركيز ولا الدقة اللازمة. ففي كل الجولات العادية والمشاركة في الاجتماعات نجد ما هو جذاب ويصبح موضوعاً، ولا أدري لماذا لا تنتبهون إلى ذلك......في أسواق اسطنبول وبين شوارعها وفي الحانات والبارات الليلية يمكن أن نجد اعداد كثيرة من المواضيع المثيرة بعدد الجراد والزنابير. ولا يحتاج الكاتب في حال وجود هذه المواضيع الجذابة أن يشكل مشاهد مصطنعة كي يؤلف آثاراً رائعة. إنني إذا ما اردت أن أجد موضوعاً جذاباً فما علي إلاّ أن اتوجه في موسم الصيف تحت جسر اسطنبول وأجلس إلى جانب الزوارق وأقوم بتدوين ملاحظاتي، وفي الشتاء ألوذ بإحدى المقاهي وأطلب فنجاناً من القهوة وأشرع بالكتابة.....وبعد ذلك وفي الليلة نفسها أكتب قصتي في البيت في الوقت الذي تقوم زوجتي بتدبير شؤون البيت ويلعب الأطفال وسط الغرفة ويتعالى صوت الراديو وتتزاحم الأصوات، وأغرق أحياناً في الكتابة...... ونظراً لعدم استعداد أي من أفراد البيت بفتح الباب الرئيسي، فيتوجب علي أن أفتح الباب لأجيب على صانع البقال أو القصاب وبائع المياه وبائع الجرائد...... ويحدث أحياناً أن يتوقع البعض مني أموراً عجيبة وغريبة، ويطلبوا المعونة والمساعدة مني وأنقل معانانتهم ‘لى صفحات الجرائد أو أن أبحث لهم عن فرصة عمل، أو أن يجلب بعض الكتاب الشباب قصصهم لأقرأها وأنشرها في بعض الصحف! وفي أحيان غير قليلة تذهب زوجتي والأطفال خارج البيت وأقوم أنا بتهيئة الطعام وأن أراقب الطهي خلال قيامي بأداء عملي!

سألني أجد القراء عن كيفية جلوسي عندما أقوم بالكتاب.....بربكم أي سؤال هذا، فهل يجلس الآخرون بطراز آخر، وهل يتميز عن شكل جلوسي. من المككن أن هذا الصديق العزيز قد ظن أنه في حال الكتابة، يجب أن أقف على قدم واحدة أو أن احني قدماي حول رقبتي، ولذا يصبح الجلوس ضرب من السخرية من وجهة نظر القراء، ولكنه أمراً عادياً من وجهة نظري عادي. وبما أنني قد اعتدت منذ الطفولة الجلوس على الأرض واضعاً رجل على رجل لأننا لم نكن نمتلك المنضدة ولا الكراسي. ولكننا لم نترك هذه العادة القديمة، ولكننا نجلس على الكرسي ونضع رجل على رجل، والسبب هو إنني قصير القامة ولا تلامس قدمايا الأرض عندما أجلس على الكرسي.

لهذا السبب أضع قدمي اليمنى أسفل جسدي... أشعر براحة أكبر في الجلوس على هذه الشاكلة. سأل قارئ آخر، كيف تستعد للكتابة؟. بصراحة، أنا شخص عاطفي وصعب الأطوار، ولهذا السبب من الصعب للغاية في حالة عدم امتلاك الوسائل و الحرمان الذي كثر في حياتي،أم أركز أو استعد للكتابة على حد قولك. كما ترى إن الحاجة التي تجعلك تفعل أي شيء، فهل سمعت ما قالوا إن الحاجة هي أعظم معلم في المجتمع...كما أحتاج أيضاً إلى كتابة شيء ما لتخفيف الضغوط النفسية وإمرار قوتي... ولأنني في معظم الأوقات لست مستعداً عقلياً وجسدياً للكتابة، لهذا السبب لا تخرج أعمالي بشكل جيد.

سألني أحدهم، هل أنا أتابع الموضوع لأجده، بل أن الموضوع يتبادر إلى ذهني. والله، الموضوع ليس كمن يطرق بابك ويهم بالدخول، ولا على شاكلة الكيميائيين القدامى الذين كانوا يبحثون عن الذهب في الجبال... يمكن أن يحدث كلا الأمرين. على أي حال، فإن الملاحظات التي أجمعها كل يوم هي أفضل مصدر لكتابة قصصي، وإذا ما كنت أرغب في كتابة شيء ما لمدة مئة عام أخرى، فلن تنفد ملاحظاتي. إن ما يثير الحزن هو أن حياتي لا تكفي لكتابة كل هذه المواضيع و ما زالت غير منتهية، و حزني الأكبر هو أن لا أكتب المواضيع التي تعجبني لأنني في الوقت الحالي، لسوء الحظ، أنا أكتب فقط شيئاً لكسب لقمة العيش و الكسب المال، و إن اغلب ما اريد ان اكتبه في هذا المجتمع لايمكن نشره و الذي كتبته في زنزانات السجون.