العلم والفكر.. حضارة البرابرة

Sunday 29th of May 2022 01:00:13 AM ,
العدد : 5192
الصفحة : آراء وأفكار ,

 سلام حربه

من يتأمل العالم منذ عقود عديدة وحتى يومنا هذا يصاب بالخيبة والخذلان على ما يحصل فيه، خاصة ونحن نقف على كارثة كونية قد تؤدي الى حرب عالمية ثالثة قد تحرق الاخضر واليابس على سطح الارض وتعيد البشرية الى طور المشاعية البدائية وحتى ما قبله..

البشرية في الألفية الثالثة وأمام التطور العلمي والتكنولوجي الهائل واكتشاف العلماء لكل المجاهيل سواء في الفضاء واسرار خلق الانسان والتدخل فيها وظهور تقنيات علمية كان مجرد التفكير بها في السابق ضربا من الجنون، العالم اليوم اصبح كله في قبضة يد العلم فليس هناك من مستحيل وما يفلت من فكر العلماء في هذا الزمن ويصبح عصيا عليهم ويجدون صعوبة في تأويله واكتشافه، هناك تطمينات منهم بأنهم سيمسكوه في القريب العاجل وسيكون بخدمة الانسان..

أمام كل هذا الرقي العلمي والعمراني كانت تأمل البشرية أن تعيش بسعادة وهناء وان تسود العدالة الاجتماعية كل المجتمعات وان تكون العلاقة بين الدول قائمة على السلام وحسن الجوار والمصالح المشتركة ويُنظر الى الشعوب، بأبيضها واسودها وأسمرها واصفرها، بعين الرحمة والانسانية، لكن يظهر أن حسابات البيدر تختلف عن حسابات الزرع. البشرية تقف اليوم بذهول وهي ترنوا بنفس منكسرة وألم الى ما يحصل من جرائم وحروب واستغلال واستعباد للشعوب خاصة الفقيرة والضعيفة منها ونبرة العدوانية والكراهية والعنصرية تتصاعد يوما بعد يوم حتى أن الشعوب جميعا، حتى المتحضرة منها، اصبحت الان على حافة الهاوية وقد تنزلق الامور اكثر واكثر لتجد نفسها في جحيم مستعر بالقتل والابادة الجماعية وتكون وجها لوجه مع الفقر والجوع والحرمان وصعوبة الحصول على رغيف الخبز وهذا ما صرحت به معظم الحكومات وطلبت من شعوبها شد الاحزمة على البطون والتهيأ للمفاجئات والكوارث والانهيارات وقد أعذر من انذر لكل من لم يتحسب لهذا الامر..

أين يقف العلم وثورته العلمية التكنولوجية وما هو دورهما في منع وتخفيف صدمات الكوارث التي تحيق بالبشرية؟ اليس من واجب العلم أن يطور العقول ويرتقي بالارواح والنفوس الى المديات المطلقة..؟ حقا لقد صدقت مقولة ان العلم سلاح ذو حدين، ومن يتحكم بالعلم هي الافكار الشمولية والنظم السياسية المنبثقة منها، فان كان النظام السياسي ديمقراطيا ويوفر العدالة الاجتماعية ويرسخ القيم الانسانية فان العلم يكون في خدمة الانسان والمجتمعات ويعمل على تطوير العقل ويوفر اسباب العيش الرغيد سواء في الجانب الصحي او الخدمات المتطورة والتقنيات المذهلة والاستقلال الفكري والوعي الاجتماعي، وان كان النظام السياسي قائما على الاستغلال واستعباد الشعوب ويكون المال وفائض قيمته وتغول الشركات الاحتكارية، العمود الفقري لهذا النظام، وتمدد اذرعها في كل العالم الهدف الاسمى لها عندها يكون العلم سلاحها الفتاك في تهديد الشعوب وزعزعة امنها وارباك سبل العيش فيها كما يحصل اليوم في عالمنا الذي تحكمه قيم النظام الرأسمالي الاستعماري والذي تدفع بسببه الشعوب الضعيفة والمستَغلة حاضرها ومستقبلها للعالم الامبريالي المتوحش من أجل ان يبقى ويحافظ على ديمومته كنظام اقتصادي وحيد للشعوب كافة وما نراه اليوم من صراع دموي بين الشركات الاحتكارية والاحلاف العسكرية الغربية في الحرب الروسية الاوكرانية بحيث دفع الشعب الاوكراني ثمنا باهضا لهذا الصراع الدولي من اجل الاستحواذ على خيراته والاستيلاء على ارضه وتركه مشردا في بقاع العالم كافة.

ولن تقف الامور عند هذا الحد فالصراع لا يهدد القوى المتحاربة فقط لكن كل منها يهدد بأن يبيد الحياة على الارض ان ثلمت مصالحه في هذا البلد وفي بلدان مستعضعة اخرى وان شعر بأن حصته تكون منقوصة فيحاول ان يدفّع جميع الشعوب الثمن من خلال حرب نووية قد تجعل العيش مستحيلا على الارض وتتلوث التربة والهواء وليس هذا بمستحيل في العقل الغربي فالحرب العالمية الثانية دمرت شعبي هيروشيما وناكازاكي من قبل الولايات المتحدة الامريكية علما بأن ما تم تطويره من اسلحة في الزمن الحديث تفوق قوته التدميرية الاف المرات قوة القنابل النووية التي اسقطت على المدينتين اليابانيتين..النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والبلدان الغربية خالق ازمات العالم وان تم حل الازمة الروسية الاوكرانية في المستقبل بطريقة سلمية دون اللجوء الى الخيار النووي فان هناك اوراقا كثيرة بيدها مثل اثارة ازمة تايوان مع الصين او هونك كونك، او التحرش المجنون بنظام كوريا الشمالية أو اعادة مشكلة الجزر بين اليابان والصين أو الجزر مع روسيا او خلق أزمة في اية بقعة في العالم في امريكا الجنوبية أو آسيا أو مع ايران أو سوريا أو أي بلد يحاول أن يرفع رأسه ويطالب العيش بحرية وكرامة بعيدا عن الهيمنة والتبعية.

القوى الامبريالية الغاشمة تهدد اعداءها بآخر تقنيات العلم واسلحته من اسلحة نووية فتاكة. اذن العلم بنية فوقية يتبع النظام السياسي القائم ولا دور رئيسي له في تنمية اخلاق البشر وبناء العدالة والحرية المجتمعية بل العكس يكون اداة تدمير وكراهية وعسف بيد الجاهل ايضا الذي يستخدمه كما يحصل في البلدان الاسلامية المتخلفة وافكار احزابها الشمولية التي تعتقد وتشيع بأنها تمثل خلاصة وجوهر الدين الاسلامي لكن هذه الافكار المتطرفة للاحزاب الاسلامية، من قاعدة وداعش ومنظمات سلفية ومرتزقة ميلشيات ولائية، المتشكلة في مؤسسات العقل السياسي الغربي من اجل تدمير العالم الاسلامي ومسخ هويته استخدمت تقنيات العلم الحديثة واسلحته، التي زودهم الغرب بها، باسلوب همجي فأشاعت الموت المجاني والقتل على الهوية وسبي النساء واستعبادها وابادة الشعوب وتدمير المدن، بحجة الكفر والزندقة الدينية والخروج عن شرع الله، وترويض المتبقي من شعوبها الذي لا حول ولا قوة له وجعله قطيعا غارقا بالاوهام والجهل والخرافات..

للعلم جانب تنويري وله ايضا جانب تدميري نفسي إن استخدم من قبل الفرد المجرد بطريقة لا عقلانية غرائزية كما يحصل اليوم من غرق للمجتمعات في عوالم الاتصال الاجتماعي والتقنيات الالكترونية، فالانسان كي يهرب من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية فانه يلجأ الى العالم الافتراضي الذي وفرته له منظومات الانترنيت من فيس بوك وتويتر وانستغرام ومئات المواقع الالكترونية فأصابه التوحد والانقطاع عن الاخرين مما تسبب في تهتك النسيج الاجتماعي والفرقة والانفصال وشعور الفرد بأنه وحيد في العالم ازاء المشاكل التي تحاصره عكس الزمن البسيط السابق، الفقير علميا، والذي اسماه بالزمن الجميل، زمن الألفة والمحبة والشهامة والصداقة والرأفة والشفقة والاندماج الدائم للفرد ضمن المجموع. ازمة البشرية عامة وهي ازمة ثقافية وفكرية يعاني منها مواطن العالم الغربي المتقدم ومواطن العالم الثالث المتخلف، والحضارة التي يراها المواطن من ابنية وعمران هي حضارة شكلية تزويقية مبهرجة وباطنها مظلم ومجهول لأن من يقود هذه الحضارة سياسيا اغلبهم من البرابرة الجشعين الذين لا يقيمون وزنا لاية اعتبارات انسانية تقف أمام مصالحهم ونمو رأسمالهم، وكل شيء في نظرهم سلعة تباع وتشترى، الثقافة، الدين، الادب، الفن، القيم وكل شيء ينطبق عليه مزاد العرض والطلب قانون الرأسمالية وسر ديمومتها وهو الذي سيكون في النهاية سر موتها.

ما تحتاجه البشرية نظام سياسي عادل قائم على العدالة الاجتماعية ويمنع الاستغلال وينظر الى الانسان، اينما يكون، كقيمة عليا، نظام ترتقي فيه الثقافة ويتسلح بالافكار الذاتية والموضوعية القادرة على تطمين حاضر الانسان ومستقبله وتعيد ألفة ولُحمة البشر ويُحترم القانون ويسود على الجميع، والعلم غاية ابدية عندها ستكون هناك حضارة انسانية حقة...