العرب أمام خيارات صعبة

Sunday 29th of May 2022 01:01:41 AM ,
العدد : 5192
الصفحة : آراء وأفكار ,

 د. جاسم الصفار

إن الصيرورة طويلة المدى، نسبيا، للنظام الدولي الحديث منذ انتهاء الحرب الباردة، وسلاسل التوريد العالمية، ووجود كومة كاملة من التناقضات السياسية، والتآكل التدريجي للهيمنة الأمريكية بعد هيمنتها المطلقة، والعديد من العوامل الأخرى أدت إلى حقيقة أن جميع دول العالم تقريبًا تتأثر، بدرجة أو بأخرى، بعواقب ما يحدث في أوكرانيا. يرتبط موقف الانتظار والترقب الحذر للبلدان العربية، في المقام الأول، بالتأثير المباشر للعملية الخاصة الروسية على مصالحها الوطنية.

باختصار، فإن مواقف الدول العربية من الاحداث في أوكرانيا محكومة بمجموعة من العوامل، على رأسها - الاقتصاد والأمن الغذائي وتأثرها بالنظام العالمي القائم والخلفية السياسية وما إلى ذلك. في الوقت نفسه، من الواضح أن جهود موسكو الحثيثة، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، في بناء جسور الثقة مع الدول العربية جعلت من المستبعد حدوث ردود فعل حادة مؤيد للغرب من جانب تلك الدول.

عند الحديث عن المكون السياسي، ينبغي للمرء أن يشير إلى اصرار واشنطن على اخضاع دول العالم لإرادتها والعودة إلى منطق التفكير الثنائي خلال الحرب الباردة، عندما صدرت أوامر للدول بالإشارة بوضوح إلى انتمائها إلى معسكر معين. إن التصنيف الأمريكي للمجتمع الدولي بأسره وفقا لموقفه من روسيا يضع الدول العربية أمام خيار سياسي صعب يمكن أن يؤثر إلى حد كبير على استقرارها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. في هذا الصدد، يرتبط التردد والوسطية في تعبيرات القيادات الإقليمية بالرغبة في تأخير لحظة اتخاذ القرارات السياسية الخارجية الاستراتيجية قدر الإمكان، والأمل في نهاية مبكرة للصراع، يليها انفراج تدريجي في العلاقات بين روسيا والغرب.

تعتمد بعض دول الشرق الأوسط اعتمادًا كبيرًا على الواردات الغذائية، وخاصة القمح، من روسيا و / أو أوكرانيا (مثل مصر ولبنان وسوريا واليمن). على الرغم من عدم فرض عقوبات على واردات القمح الروسي حتى الآن، يواجه المستوردون مشاكل في شراء القمح من روسيا بسبب صعوبات في تحويل الأموال إلى الشركات الروسية والتأمين على السفن. أوكرانيا حاليا غير قادرة على توفير إمدادات غذائية مستقرة.

ومن جهة أخرى، يمكن أن تستفيد اقتصادات الشرق الأوسط المعتمدة على الموارد الطبيعية من النفط والغاز من الصراع وارتفاع أسعار الطاقة. قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وغيرها قادرة على تحسين ميزانها التجاري، فضلا عن تسريع النمو الاقتصادي. من المرجح أيضًا أن تشهد الدول المصدرة للغاز زيادة هيكلية في الطلب من أوروبا، حيث أعربت سلطات الاتحاد الأوروبي عن اهتمامها بتنويع مصادر إمدادات الطاقة.

في الوقت نفسه، سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تعريض البلدان المستوردة للتكاليف التضخمية المصاحبة، الأمر الذي سيؤدي إلى تفاقم مشاكل الغذاء. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز سيؤثر على تكلفة النقل وبالتالي أسعار السلع بشكل عام، مما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية ويمكن أن يعطل سلاسل التوريد للسلع الأساسية وغير الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، سيؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى دفع البلدان الفقيرة بالنفط إلى خفض قيمة عملاتها الوطنية، مما يؤدي إلى انخفاض الدخل وتردي الظروف المعيشية. ومن المحتمل أن تشهد المنطقة اندلاع اضطرابات اجتماعية بل وحتى صراع نتيجة الصعوبات الاقتصادية وعدم قدرة الحكومات على التعامل معها بالشكل المناسب (أشرنا الى ذلك في مقال سابق).

إلى كل هذا، يمكننا إضافة عواقب أقل وضوحًا مرتبطة، بقطاع السياحة. فمن المتوقع أن يتعرض هذا القطاع للركود، وسيكون لذلك عواقب سلبية على العمالة وميزان المدفوعات في دول مثل مصر والامارات وتونس والمغرب. كما أن للعقوبات الغربية ضد روسيا آثار تشكل تحديا لدول المنطقة، ولا سيما مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي تعتمد على التنويع في وسائلها الدفاعية، وتمثل روسيا في هذا السياق شريكاً استراتيجيًا مهمًا لهذه البلدان. ويمكن أن يضاف إلى هذا أيضًا مشاركة روسيا المباشرة في تطوير الصناعة النووية في العديد من دول المنطقة.

تقوم الدول العربية بتقييم الوضع من زوايا مختلفة، وهي ليست في عجلة من أمرها للتوصل إلى تقييمات قاطعة. تجلى ذلك في الاجتماع الطارئ للممثليين الدائميين لجامعة الدول العربية الذي عقد في القاهرة بمبادرة من مصر. والذي تقرر فيه اتخاذ موقف محايد من الوضع في أوكرانيا. أعلن ذلك حسام زكي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية بقوله، إن “الدول العربية تربطها علاقات ودية مع كل من أوكرانيا وروسيا، ومن الصعب على الأصدقاء أن يروا كيف أن اثنين منهم في حالة حرب مع بعضهما البعض”. بالإضافة إلى ذلك، تم الإعلان عن الاستعداد لتشكيل مجموعة اتصال خاصة على المستوى الوزاري لتسهيل التوصل إلى حل دبلوماسي للصراع.

على الرغم من ذلك فإن بعض الدول العربية في الوضع الحالي لم ترفض فقط دعم أجندة الضغط والعقوبات على روسيا، ولكن أيضًا انحازت جزئيا إلى موقف موسكو. بادئ ذي بدء، يتجلى هذا في المجال الدبلوماسي. على سبيل المثال، في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بادرت الولايات المتحدة وألبانيا بمشروع قرار يدعو إلى الإنهاء الفوري للعملية الروسية في أوكرانيا. روسيا، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، استخدمت حق النقض ضد هذا المشروع. في غضون ذلك، لم يوافق جميع أعضاء مجلس الأمن الدولي على اتباع موقف الولايات المتحدة. وامتنعت ثلاث دول عن التصويت: الصين والهند والإمارات. كان موقف أبو ظبي غير متوقع بالنسبة للكثيرين. فعلى الرغم من أن الإمارات حليف تقليدي للولايات المتحدة، فإنها تبتعد بشكل متزايد عن واشنطن نحو التعاون متعدد الأطراف خاصة مع روسيا والصين. يتجلى هذا الاتجاه السياسي أيضًا في دبلوماسية الإمارات العربية المتحدة.

ولم يؤيد عدد من الدول العربية مسودة المشروع المطروح امام الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة روسيا بشأن “العدوان على أوكرانيا”. فجنبا إلى جنب مع روسيا، صوتت سوريا ضد القرار. ومن بين دول الشرق الأوسط التي امتنعت عن التصويت، يجب تمييز الجزائر والعراق وإيران والسودان. لم يصوت المغرب على الإطلاق.

في هذا السياق، فإن خطاب سيرجي لافروف في مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح هو أيضًا مؤشّر. غادر ممثلو الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا القاعة أثناء تقرير وزير خارجية الاتحاد الروسي. بينما بقي ممثلو الجزائر وفنزويلا واليمن وسوريا وتونس للاستماع إلى خطاب لافروف. وعلى أي حال لابد من تناول المواقف الرسمية والشعبية للدول العربية من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، كل على حده.

نبدأ بمواقف الدول العربية في شمال أفريقيا. الجزائر، من بين حلفاء روسيا التقليديين، لم تمتنع عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة فحسب، بل رفضت أيضًا الإذعان لضغوط العقوبات على روسيا. وكان هذا متوقعاً، فبين روسيا والجزائر تفاهمات ثنائية راسخة، ينعكس أثرها على الساحة الدبلوماسية. ويعتبر موقف وزارة الخارجية الجزائرية مؤشرا على موقف الحكومة الجزائرية، بمطالبتها السفارة الأوكرانية بحذف رسالة على صفحتها في الفيسبوك تدعو فيها كييف مواطني الدولة الواقعة في شمال إفريقيا للذهاب إلى أوكرانيا والمشاركة في القتال ضد روسيا. في غضون ذلك، وعلى الرغم من أن الجزائر تدعم موسكو، إلا أنها لا ترفض الاستفادة من الوضع الحالي من خلال عرضها بزيادة إمدادات الغاز الى الاتحاد الأوروبي.

وعلى العموم، فإن المجتمع الجزائري كذلك يقف إلى جانب روسيا. هذا الموقف لا يُفسَّر فقط من خلال العلاقات التاريخية مع موسكو، ولكن أيضًا بالموقف الذي واجهه المواطنون الجزائريون في أوكرانيا. الجزائر، تتهم السلطات الأوكرانية بمنع إجلاء الطلاب الأجانب والذي بنتيجته، توفي طالب من الجزائر في خاركوف.

إضافة الى الجزائر رفضت تونس والمغرب الانضمام إلى العقوبات المناهضة لروسيا. فمن المعروف أن اقتصاد هذان الدولتان يعتمد على زيادة عدد الروس الذين يفضلون الاسترخاء في منتجعات شمال إفريقيا. حيث يحتل الروس المرتبة الأولى في التدفق السياحي العام للبلدين العربيين. ومع ذلك، لا يدعم الموقف الرسمي في تونس بالكامل المجتمع السياسي التونسي. على سبيل المثال، ينتقد حزب النهضة الإسلامي الحكومة التونسية بسبب بطء إجلاء المواطنين من أوكرانيا، وينتقد روسيا بسبب عمليتها العسكرية. كما أن المغرب لن يضحي بعلاقته مع روسيا بسبب أوكرانيا. في الآونة الأخيرة، وسعت الرباط وموسكو التعاون الثنائي في المجالين السياسي والاقتصادي.

لمصر، الدولة العربية الأهم في شمال إفريقيا، كذلك علاقات طويلة وودية مع روسيا. اصدرت وزارة الخارجية في جمهورية مصر العربية بيانا اكدت فيه ضرورة اولوية الحوار وحل دبلوماسي للوضع. كما لم تنضم مصر إلى العقوبات ضد روسيا ورفضت إغلاق قناة السويس أمام السفن العسكرية والتجارية الروسية. ومع ذلك، لم تتخذ القاهرة موقفًا مؤيدًا لروسيا بشكل واضح، على الرغم من إقامة تعاون مكثف بين الدولتين، وتعد موسكو أحد الشركاء الرئيسيين في المجمع الصناعي العسكري والطاقة. ويفسر ذلك حقيقة أن مصر، أولاً وقبل كل شيء، شريك تقليدي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ثانيًا، تعد كييف أيضًا شريكًا ذا أولوية للقاهرة. على سبيل المثال، يتم تصدير القمح إلى مصر ليس فقط من قبل روسيا، ولكن أيضًا عن طريق أوكرانيا. كما يفضل السياح الأوكرانيون المنتجعات المصرية.

وأعرب السودان، جار مصر، عن دعمه لروسيا. حيث أيد النائب الأول لمجلس سيادة السودان، محمد حمدان دقلو، قرار الاعتراف باستقلال جمهوريتي لوكانسك ودانيتسك. كما أشارت الخرطوم الى عدم اعتراضها على إنشاء قاعدة عسكرية روسية على أراضي البلاد. يشير هذا إلى أن العملية الروسية في أوكرانيا لا تضع عقبات أمام خطط موسكو لإقامة تعاون ثنائي مع السودان.

الدولة الوحيدة في شمال إفريقيا التي لم تدعم روسيا هي ليبيا. لم تذكر وزيرة خارجية حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها في ليبيا، نجلاء المنغوش، فقط أن طرابلس لا تعترف بجمهوريتي لوكانسك ودانيتسك، وتدعم وحدة أراضي أوكرانيا، بل أنها أدانت أيضًا العملية الروسية في أوكرانيا، واصفة ما يحدث على أنه انتهاك للقانون الدولي. حتى رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية المنتخب حديثًا فتحي باشاغا انتقد موسكو قائلا: “العملية الخاصة لروسيا هي انتهاك واضح للقانون الدولي وسيادة أوكرانيا».

ترك باشاغا رسالته على تويتر بالضبط في اليوم الذي رحبت فيه وزارة الخارجية الروسية رسميًا بالاتفاق على تشكيل الحكومة الليبية الجديدة برئاسة باشاغا. على أن الموقف الرسمي لليبيا لا يعكس تماما رأي كل الشارع السياسي الليبي. على سبيل المثال، وصف أحمد القذاف الدم، ابن عم معمر القذافي والمستشار الحالي للمرشح الرئاسي الليبي سيف الإسلام القذافي، العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا بأنها “دفاع عن النفس ضد توسع كتلة الناتو بالقرب من الحدود الروسية».